بهي الدين حسن

يمر العالم العربي بحالة انهيار غير مسبوقة – كإقليم وكدول وكنخب سياسية– منذ بدايات تكّون الدولة الحديثة في هذه المنطقة في بدايات القرن الماضي في غمار عملية التحرر من هيمنة الإمبراطورية العثمانية ثم الاستعمار الأوروبي.
ففي الوقت الحالي، تحكم نظم تسلطية شرسة أغلبية دول المنطقة، جنبًا إلى جنب مع ميلشيات مسلحة تشكّل سلطة الأمر الواقع في عدة دول أخري، بينما يتنافس بضراوة أقوي الجيران الإقليميين (إيران وإسرائيل وتركيا) على تقاسم النفوذ في المنطقة المريضة.
من ناحية أخري يعاني النظام الدولي لحقوق الإنسان من ازدواجية معايير وتراجع كبير على المستوى المؤسسي والقانوني والأطر السياسية الداعمة، بينما لا تكترث روسيا والصين ودول «الجنوب العالمي» بمسألة تعزيز هذا النظام، بل أن بعضها يساهم في إضعاف فاعليته، في الوقت ذاته الذي ينذر فيه تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بإضعاف نوعي أكبر لهذا النظام.
كان «الربيع العربي» المنتكس هو آخر محاولة جادة من شعوب المنطقة لانتشال عدد من دولها من الشلل الذي قوّض فرص التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على أيدي النظم التي أحرزت الاستقلال الوطني لهذه الدول في خمسينيات القرن الماضي.
لكن تفاعلات ذلك الانتكاس كشفت أيضًا عن مدي هشاشة النخب السياسية غير الحاكمة، ومدي الهيمنة المرضية لجدول أعمال حقبة التحرر الوطني المنقضية منذ أكثر من نصف قرن على عقول هذه النخب، على حساب مهام الانعتاق الشامل، بما في ذلك النهوض الاقتصادي والتنمية الإنسانية والاندماج القومي والديمقراطية وحقوق الإنسان.
ربما لم يتجل مدي الفشل الذي أصاب مشروع الدولة الوطنية في العالم العربي بهذا الوضوح من قبل.
هذه المعطيات في مجملها تضع الحركة الحقوقية في المنطقة في مأزق وجودي؛ الأمر الذي قد يتطلب منها إجراء مراجعة جادة لاستراتيجياتها ومهامها وأولوياتها. من المنطقي أن يستوجب الأمر كذلك إعادة تأمل مسيرتها خلال العقود الماضية.
لا تنطلق هذه المهمة الخاصة بالحركة الحقوقية في المنطقة العربية من التقييم السائد في كثير من التحليلات والدراسات الأكاديمية منذ نهاية القرن الماضي، والتي تجنح لتبني رؤية معممة لأفق حركة الدفاع عن حقوق الإنسان عالميًا، وذلك بناء على تقييمات ذات طبيعة تعميمية.
ومن ثم تقترح هذه التحليلات تعديلات في استراتيجيات وأساليب عمل الحركة العالمية، لا صلة لها بنوعية التحديات التي تواجهها الحركة الحقوقية في العالم العربي (وربما مناطق أخري في العالم على الأرجح).
رغم أن الكاتب يعتقد في عالمية قيم ومبادئ وحركة حقوق الإنسان؛ لكنه يعتقد أنه من العسف استخلاص أسباب للتراجع أو التقدم تنطلق من التعامل مع الحركة الحقوقية في العالم ككتلة واحدة، وإهمال تأثير التنوع الهائل في التحديات السياسية الثقافية والاجتماعية التي تواجه منظمات حقوق الإنسان –التي تختلف بين مناطق العالم– وانعكاسات هذا التنوع في صياغة تفاعلات مختلفة للمنظمات الحقوقية مع هذه البيئات المختلفة والمتغيرة عبر الزمان والمكان، وفي بلورة استراتيجياتها وأولوياتها وجداول أعمالها.
يعتقد الكاتب أن أي تقييم جدي لحركة حقوق الإنسان يجب أن ينطلق من على الأرض في كل منطقة من العالم على حدة.
ومن ثم؛ فإن سبل تطوير حركة حقوق الإنسان في مواجهة هذه التحديات –التي قد تكون مختلفة بشكل كلي جغرافيا– قد تتباين أو ربما تختلف كثيرًا من منطقة لأخري.
وبالتأكيد فإنها ستختلف عن تلك التحديات التي تواجه المنظمات الحقوقية الدولية –أي تلك التي يشمل نطاق عملها الجغرافي كل مناطق العالم– والتي من الملاحظ أنها تشكل نقطة انطلاق التقييمات التعميمية المتداولة ذات الصلة.
يتبني الكاتب هذه القناعة، رغم تسليمه بوجود تحديات عامة مشتركة بين المنظمات الحقوقية الدولية وبين تلك التي ينحصر نشاطها في دولة واحدة أو إقليم جغرافي بعينه، ورغم استلهام كل هذه المنظمات للقيم والمبادئ العالمية ذاتها، ورغم استخدامها للآليات الدولية نفسها في الدفاع عن حقوق الإنسان، بل ورغم أيضا توقيعها بشكل متواتر على مواقف وبيانات مشتركة بينهم.
استنادًا لهذه الفرضية، فإن مصدر التمايز بين منظمات حقوق الإنسان في العالم –فيما يتصل بمستوي التوفيق في أداء مهماتها– لا يتوقف على مدي توفيقها في الاضطلاع بالمهام المشتركة أو المتشابهة في الدفاع عن حقوق الإنسان؛ بل يتصل في المحل الأول بتقييم مستوي إدراكها لخصوصية التحديات التي تواجهها في منطقتها، وبقدرتها على تطوير استراتيجيات فعالة للتعامل مع تلك التحديات الخاصة، واستخلاص أولويات سليمة لعملها بناء على ذلك.
ربما ليس هناك مجال جغرافي أفضل من العالم العربي لاختبار هذه الفرضية؛ أي المنطقة الأكثر استعصاءً في العالم على التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان.
انتهي مقال سابق للكاتب برواق عربي هذا العام ـ إلى أن الجذر الرئيسي لهذا الاستعصاء يكمن في «عمق ونفاد السلطوية العربية الواسع في الفضاء السياسي والثقافي العربي» مقارنة بالنظم السلطوية الأخرى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتعهد الكاتب باستكمال تلك المناقشة في مقال تال يخصصه لتحليل دور الفاعل الحقوقي من داخل المنطقة؟ أين أصاب؟ وأين فاقم من الاستعصاء؟ وما العمل؟
لا يخالج الكاتب شكًا في مدى تفاني المنظمات الحقوقية الدولية والعربية (منذ نشأة الأخيرة في منتصف سبعينيات القرن الماضي) في مخاطبة الحكومات العربية وانتقاد انتهاكاتها لحقوق الإنسان بحزم ومهنية، والسعي لتعبئة الرأي العام العربي والعالمي لممارسة الضغط من أجل وقف انتهاك الحقوق، ومخاطبة الآليات الدولية ذات الصلة لاتخاذ مواقف مناسبة، وتوعية شعوب المنطقة بحقوق الإنسان.
غير أنه للأسف لم تنعكس تلك الجهود الهائلة والمتفانية إيجابيًا على وضعية حقوق الإنسان في المنطقة، بل إن هذه الوضعية تراجعت كثيرًا في أغلب دول المنطقة في العقد الأخير، رغم ميلاد عشرات المنظمات الحقوقية الجديدة في سياق الربيع العربي، ورغم أن انتهاكات حقوق الإنسان في كثير من الدول العربية صارت بندًا شبه دائم على جدول أعمال لجان الأمم المتحدة المتخصصة ومقرريها الخواص ومجلسها لحقوق الإنسان، فضلًا عن تخصيص لجان تحقيق و/أو خبراء دائمين لعدة سنوات لبعض هذه البلدان.
لم يفلح الغزو العسكري الأمريكي للعراق عام 2003 في تحقيق التحسن المزعوم. ولا كذلك الخبراء متنوعي الاختصاصات الذين عينهم الأمين العام للأمم المتحدة أو مجلسها لحقوق الإنسان، وتعاقبوا في تولي مسئوليات حقوقية وسياسية وإنسانية متنوعة منذ أكثر من عقد من الزمان في سوريا وليبيا واليمن والعراق والسودان وفلسطين.
بالطبع، بإمكان البعض المجادلة بأن الأمور كانت ستتدهور أكثر في غياب هؤلاء الخبراء.
خلال نحورواق نصف قرن مضي لم تترك المنظمات الحقوقية العربية بابًا واحدًا لم تطرقه للآليات الدولية للأمم المتحدة (في جنيف ونيويورك)، أو للاتحاد الأوروبي (في بروكسل وعواصم أوروبية أخري واجتماعات الشراكة الأورو متوسطية مع دول جنوب وشرق المتوسط).
أو اللجوء للمحاكم الدولية أو الوطنية في أوروبا ذات الاختصاص القضائي العالمي، أو في مخاطبة حكومات وبرلمانات كبري الديمقراطيات الغربية التي تدرج حقوق الإنسان والديمقراطية ضمن أولويات سياستها الخارجية، أو الاجتماع مع سفراءها المعتمدين في العواصم العربية.
وكذلك مخاطبة حكومات الدول العربية وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي، ومؤسسات إنفاذ القانون والمجالس التشريعية (حيثما وحينما وجدت في دول عربية) بخصوص انتهاكات هذه الحكومات لحقوق مواطنيها.
وهو أيضًا ما تمارسه كبري المنظمات الدولية الحقوقية يوميًا إزاء شتي دول العالم، بما في ذلك الدول العربية.
فأين المشكلة؟
أخشى أن المشكلة تبدأ من هذه المهمة المشتركة، التي تعتبر منتهية بذاتها بالنسبة للمنظمات الدولية، لكنها تعتبر قاصرة بشكل جسيم بالنسبة لكثير من المنظمات الحقوقية العربية.
فمهمة المنظمات الحقوقية الدولية تقتصر على حث الحكومة المنتهكة على وقف الانتهاك لحقوق الإنسان ومحاسبة المسئولين عنه.
ولأجل تعزيز قوة الدفع في هذا الاتجاه فإنها لا تتواني عن مخاطبة آليات ذات صلة في الأمم المتحدة في الوقت الذي تراه مناسبًا، وكذلك حكومات لها كلمة مسموعة لدي الحكومة المتهمة بانتهاك محدد لحقوق الإنسان.
ولكن لا أحد يمكنه توقع أن تأخذ المنظمات الحقوقية الدولية على عاتقها أيضا مهام تحريك الرأي العام المحلي في كل دولة تنتهك حقوق مواطنيها من أجل الضغط على حكومتهم لوقف الانتهاك، خاصةً وأن ذلك يتطلب صياغة رسالة تراعي معطيات سياسية وثقافية خاصة تختلف من دولة لأخري (توجد في العالم أكثر من مائتي دولة، بينها 193 دولة عضو بالأمم المتحدة).
لذا فإن المنظمات الحقوقية الدولية تعتبر بيانها الموجه للأطراف الدولية هو بمثابة بيان للرأي العام العالمي، وكذلك للرأي العام المحلي في الدولة موضع الانتهاك.
في وقت لاحق، (وأحيانًا بشكل آني وفقًا لأهمية الحدث) تتولى وسائل الإعلام العالمية مهمة الترويج واسع الانتشار لمواقف كبري المنظمات الحقوقية الدولية، كالعفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، بعد تحريرها من طابعها القانوني والتقني المفرط. ومن المرجح أن ينعكس ذلك تلقائيًا في وسائل إعلام واسعة الانتشار ناطقة بالعربية، مثل الجزيرة وبي بي سي وغيرها.
لا يرجع الخلل في أداء كثير من المنظمات الحقوقية العربية لهامشية نصيبها من اهتمام الإعلام العالمي، بل لهامشية موقع الرأي العام الوطني في أولوياتها واستراتيجياتها، وانعكاس ذلك بالتالي في توزيع الموارد البشرية والمالية المتاحة لهذا الغرض.
هذا الاختلال في الأولويات نصادفه في منظمات حقوقية تدير عملها من داخل المنطقة، مثلما ينطبق على منظمات تدير عملها من خارجها. يبدو أن كثير من المنظمات الحقوقية العربية قد انزلقت بدرجات متفاوتة إلى الاستيراد الكسول لنموذج المنظمات الحقوقية الدولية وتكرار ما تمارسه، بما في ذلك إغفال المهمة المنوطة حصريًا بالمنظمات الحقوقية العربية، أي مخاطبة المجتمع في بلادها وتعبئة رأي عام ليشكل كتلة ضاغطة على سلطات بلاده من أجل وقف الانتهاكات.
جدير بالملاحظة أن هذا الدور المفتقد أو القاصر في نشاط المنظمات الحقوقية الوطنية هو القيمة النوعية المضافة الوحيدة المؤكدة لما تمارسه بالفعل المنظمات الحقوقية الدولية.
…
يتبع
***
بهي الدين حسن ـ مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
_____________
