مختار غميض

يحدث يوم أمس في جنوب أفريقيا أن تعتقل شرطتها، عشرات الليبيين بعد مداهمة موقع سري، يُشتبه في كونه قاعدة عسكرية، وتصادر أسلحة نارية غير قانونية، وفق مشاهد بثتها قناة “نيوزروم أفريكا”.

حدثٌ طرح تساؤلات محيرة عن العملية التي تبرأت منها طرابلس، وتساؤلات عن الظروف الراهنة المحيطة بالحدث، وهل له علاقة بتجنيد عناصر ما، لطرف ما.

عمليا، بدأت عناصر “فاغنر” تنتشر في عمق أفريقيا منذ،العقد الأخير، بحثا عن ضخ دماء جديدة، بدءا من ليبيا، كبوابة إفريقية، إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغيرها، تواجدوا قبل ذلك في السودان منذ أيام الرئيس عمر حسن البشير وقد سيطروا على مناجم الذهب مقابل تدريبهم لقوات حميدتي.

غير أنه بعد كشف دعم‎ قائد قوات الكرامة خليفة حفتر لقوات الدعم السريع بالعتاد العسكري من مطار ‎الكُفرة على حدود ليبيا مع السودان، بعد فقدان مركز الثقل بمطار ‎مروي، فإن القوات الليبية غيرت مسارات الدعم عبر دولة إفريقيا الوسطى حيث تتواجد عناصر ‎فاغنر، حلفاء ‎حميدتي وحفتر، المدعومين من الإمارات.

هذا ما يفسر تهجم قيادات الجيش السوادني على الإمارات، وبالتالي تأكيد رغبة الروس في توطيد تواجدهم في شرق القارة وخاصة على حدود البحر الأحمر وإحياء مشروع ميناء بورتسودان بالشراكة مع شركات إماراتية، مثل موانىء دبي، وقد سبق تجنيد عناصر مرتزقة من السودان لحراسة الموانىء الليبية.

ذلك يؤكد العمل الروسي على المدى البعيد، لترسيخ موطىء قدم في القارة السمراء، كما تسعى رغبة بوتين في تأسيس وجود مستدام بالموانئ والحقول النفطية بليبيا بعد وصول مياه المتوسط الدافئة في 2017 قبالة سواحل بنغازي.

ثم رسخت روسيا تواجدها في 2019، محصنة مواقعها الاستراتيجية في جنوب ليبيا بعد 2020، على غرار قاعدة الجفرة وبراك الشاطىء.

في المقابل تستشعر، الإدارة الأمريكية الحضور الروسي لتمارس ضغوطا على مصر، عبرت عنها الخارجية المصرية مرارا للكرملين، كما عبرت عنها لتركيا لتخفيف حدة الصراع بين شرق ليبيا وغربها بما يسمح تخفيف التواجد الأجنبي ومنح ليبيا حق الاستفتاء على مستقبلها عبر تنظيم انتخابات بأقرب وقت.

غير أن روسيا ترى أن حضورها أمنيا وعسكريا واقتصاديا، هو لملء فراغ ومنع قوى أخرى من لعب أدوار معينة وتوازن مهم، أمام ضعف الفاعل المحلي.

ولا شك أن بوتين، بات يلعب على مساحات أخرى جنوب ليبيا، إلى العمق الإفريقي حيث المجموعات التشادية بإقليم فزان الغني بالذهب واليورانيوم، وانتقالها إلى حوض البترول والغاز بنيجيريا ودلتا النيجر، لتعويض التواجد الفرنسي.

غير أن تراجع عنصر الفاغنر السنوات الأخيرة مع تولي حكومة الوحدة بطرابلس مهامها، جعل روسيا تتوهى سياسة أقل حدة، وقامت بإخراج عدد من الفاغنر، عادوا أيضا إلى قواعدهم بعدما كانوا بمراكز المدن مثل الجفرة وسرت.

هذه السياسة تتماشى مع حرص حفتر على عدم الظهور بشكل المعتاد وإفساح المجال لأبنائه بحكم طبيعة المرحلة التي حتمت تقاربا مع أمريكا وتركيا.

ثم لإظهار الولايات المتحدة أنه يمكن الحد من التوتر ومن حضور فاغنر، بما لا يضر بمصالحها هناك، خاصة عدم اعتراف الجانب الرسمي الروسي بوجودها هناك.

في المقابل ترغب واشنطن في تعزيز تواجدها أيضا بالقارة، بشكل لا يهدد مصير شمال إفريقيا، ولا يسهم في تأزيم العلاقة مع موسكو، المتأزمة بطبعها في أوكرانيا.

ورغم توخي الإدارة الأمريكية مبدأ “من ليس معنا فهو ضدن”، نتيجة القلق المتصاعد من الروس في عدة مجالات بما فيها الاقتصادية، على رأسها الغاز، تحاول أمريكا تحشيد حلفاء روسيا ضدها، لكن يبدو أن إعلان روسيا عن تأسيس الفيلق بموافقة ليبية، قد يزيد من المنافسة.

ضمن ذلك الإطار تسعى أوروبا بدورها لمعاضدة الأمريكيين لإضعاف الروس وهو ما لا تخفيه التقارير الإعلامية الغربية، في وقت بدأ يتشكل الحزام العسكري الروسي من شرق ليبيا إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء وحتى بعدها، مقابل تدريبات للقوات المحلية.

ربما لأجل ذلك كثفت أمريكا تدريباتها في المغرب وتونس والجزائر (بعد حل فاغنر ومقتل زعيمها بريغوجين وتحويل الأمنيين الروس في إفريقيا إلى قوات نظامية تحت قيادة نائب وزير الدفاع الروسي الجنرال يونس بك يفكروف)، وربما تدخلت مؤخرا في الغرب الليبي في محاولة وفق بعض القراءات، لافتكاك النفوذ التركي في قواعد عسكرية تركية بالمنطقة.

فضلا عن منافسة الروس الذين نزلوا مؤخرا في تونس، وفق وسائل إعلام إيطالية، ما أثار مخاوف أوروبية من زيادة التوسع الروسي رغم النفي التونسي.

لكن مع إبداء الاستخبارات الروسية في مارس المنقضي، عزمها إعداد مخططات استراتيجية مهمة بشمال إفريقيا من خلال عمليات تطمح إلى اكتساب النفوذ في البحر الأبيض المتوسط.

غير أن إعلان جنوب إفريقيا أمس اعتقال ليبيين بزعم تدريبهم في قواعد عسكرية يعيد التساؤل عن هوية من أرسلهم ودربهم، ولصالح من؟

هل وصلت فاغنر عمق العمق الإفريقي؟ وهل من السهل مغادرة الروس بعد هذا التوغل؟

.

.

.

***********

ما صلة الليبيين المعتقلين في جنوب أفريقيا باللواء حفتر؟

كشفت صحف جنوب أفريقية النقاب عن ارتباط 95 ليبياً جرى اعتقالهم في جنوب أفريقيا، يوم الجمعة الماضي، باللواء المتقاعد خليفة حفتر، مشيرة إلى أن المعتقلين سيمثلون أمام محكمة وايت ريفر الجزئية، الاثنين.

وقالت صحيفة ديلي مافريكالجنوب أفريقية إن الليبيين المعتقلين يتلقون رواتبهم بمعسكر حفتر، وإن واشنطن على الأرجح هي من أبلغت السلطات في جنوب أفريقيا عن الموقع الذي يتلقى فيه هؤلاء تدريبهم العسكري، وذلك لصلة حفتر بموسكو. وأوضحت الصحيفة أن المعتقلين سيمثلون أمام المحكمة، الاثنين، في تهم تتعلق بدخولهم إلى جنوب أفريقيا بتأشيرات مزوّرة حصلوا عليها من تونس، بمخالفة قانون الهجرة.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في معهد الخدمات المتحدة الملكي في لندن جلال حرشاوي، أن الشركة الأمنية التي تقدم التدريب للمعتقلين الليبيين هي شركة (Milites Dei Security Services) بجنوب أفريقيا، بعد أن رفضت الشركة إجراء التدريبات داخل ليبيا.

وفيما اعتبر الحرشاوي تصريحات مسؤولي الحكومة في بنغازي بشأن الاستعداد لتقديم الدعم القانوني للمعتقلين في جنوب أفريقيا يشير إلى ارتباط معسكر شرق ليبيا بهؤلاء المعتقلين، أشار إلى أن معلوماته تفيد بأن المعتقلين على صلة بأحد أبناء حفتر، صدام أو خالد. كما كشف الحرشاوي عن تعاقد قيادة حفتر مع جنود أيرلنديين سابقين يعملون لصالح شركة أمنية لتدريب اللواء 166 مشاة التابع لحفتر، مؤكداً أن هذا التدريب جرى في شرق ليبيا.

ولفت الحرشاوي إلى أن هذه التدريبات التي تتلقاها قوات حفتر على يد الشركات الأمنية انتهاك لقرار مجلس الأمن بشأن حظر الأسلحة المفروض على ليبيا منذ عام 2011. وذكر أن عائلة حفتر تمتلك أموالاً ضخمة قررت تخصيص جزء منها للتدريبات، لتحسين قدرات القوات الخاصة.

وفي أعقاب إعلان شرطة جنوب أفريقيا يوم الجمعة الماضي، اعتقال 95 ليبياً في مزرعة في وايت ريفرتتبع شركة أمنية مشتبهة في تقديم تدريبات عسكرية، وفي تهم أخرى تتعلق بكيفية دخول المعتقلين الليبيين إلى جنوب أفريقيا، سارعت حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس إلى نفي علاقتها بشكل قاطع وواضح عن تبعية هذه المجموعةلها، وأكدت أن لا صلة لها بإجراءات إرسالهم أو تكليفهم بأي مهمة كانت تدريبية أو غيرها“. وأعلنت الحكومة أنها كلفت المدعي العام العسكري وسفارة ليبيا في جنوب أفريقيا بالتواصل مع السلطات المعنية لمتابعة ملابسات القضية.

من جانبه، أكد وزير الخارجية في الحكومة المكلفة من مجلس النواب، عبد الهادي الحويج، عزم حكومته تقديم الدعم القانوني لمجموعة الليبيين المعتقلين في الخارج، مضيفاً في تصريح صحافي أن وزارته بدأت في متابعة الملف لتوفير الدعم القانوني بما يحفظ عدالة الإجراءات المطبقة عليهم. ولم يوضح الحويج ما إذا كانت هذه المجموعة على صلة بمعسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر، خاصة مع تداول أنباء عن هذه الصلة، من قبل عدد من المدونين والنشطاء الليبيين.

_____________

مواد ذات علاقة