وليد عبد الله

تجدد اهتمام أميركي لقطع الطريق على التمدد الروسي في القارة السمراء
في ظل كثرة السلطات واختلاف الولاءات وكثرة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، تنقسم ليبيا على حجم أقاليمها والجهات المسلحة فيها، بينما يبدو حلم الاتحاد خلف حكم ليبي واحد بعيد المنال حالياً.
إن المتأمل للمشهد الليبي بكل تعقيداته وتناقضاته في الفترة الراهنة في الأقل، ومن ورائه الأزمة السياسية المستعصية، يعلم علم اليقين أن الانتظار يبقى سيد الموقف لما ستحمله المرحلة المقبلة،
والتي قد تكون حبلى بالمفاجآت بناءً على اعتبارات عدة تتسم بها المرحلة الحالية، منذ استقالة المبعوث الأممي السابق عبدالله باتيلي منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وتولي المبعوثة الأممية بالإنابة ستيفاتي خوري مهمة إدارة الملف في الوقت الراهن، قبل أول إحاطة لها أمام مجلس الأمن الدولي بخصوص الملف الليبي في النصف الثاني من الشهر الجاري.
وكثف مختلف الفاعلين على الساحة الليبية من تحركاتهم سواء في شرق البلاد أو غربها في المرحلة الحالية، كما اتضح أكثر حجم الاهتمام الروسي والأميركي بليبيا، وبدرجة أقل منظمة الأمم المتحدة وبقية الدول المتدخلة في الأزمة. مما يجعل السؤال مطروحاً بشدة الآن حول ماهية هذه التحركات؟ وما الذي تسعى إليه مختلف الأطراف داخلياً وخارجياً؟ وما التحالفات التي قد تعقد؟ وما السيناريوهات الممكنة مستقبلاً لأزمة طال أمدها منذ سقوط نظام معمر القذافي؟
ستيفاني الثانية وسياسة تحريك المياه الراكدة
انخرطت نائبة الممثل الخاص للأمين العام، القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ستيفاني خوري، منذ توليها مهمتها في الخامس عشر من شهر مايو (أيار) الماضي في عقد سلسلة لقاءات ماراثونية مع فرقاء المشهد السياسي الليبي، انطلاقاً من غرب البلاد في طرابلس وصولاً إلى بنغازي شرقاً، مؤكدة أن “البعثة الأممية تعمل على تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات وإجراء مزيد من المحادثات والمشاورات للدفع بالعملية السياسية من دون نسيان هدف توحيد المؤسسة العسكرية، وإطلاق مشروع المصالحة الوطنية على أسس منهجية تحترم مبدأ تحقيق هدف العدالة الانتقالية“.
تحركات تشير في ظاهرها إلى عمل منظمة الأمم المتحدة على تسهيل الذهاب أشواطاً متقدمة في حل الأزمة، لكنها في باطنها تعكس العجز عن التقدم في حل أسباب الخلاف وجمع فرقاء الأزمة على طاولة حوار واحدة، مما يعني العودة إلى المربع الأول واعتماد سياسة جس نبض الأطراف كافة كل على حدة، وهي الظروف نفسها التي دفعت سلفها باتيلي إلى رمي المنديل وإعلان استقالته بصورة مفاجئة.
وتحركات خوري الأخيرة التي أجرتها على عجل تستبق بها أول إحاطة لها أمام مجلس الأمن في النصف الثاني من يونيو (حزيران) الجاري، ربما قد تطرح من خلالها تصورها لإدارة المرحلة القادمة ورؤيتها لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، قبل جمعهم مجدداً على طاولة الحوار في سلسلة مشاورات جديدة قد تكون في العاصمة التونسية بداية شهر يوليو (تموز) المقبل، وفق مصادر مقربة من البعثة الأممية.
ويبدو أن خوري ستبني تحركاتها المستقبلية على مبدأ إعادة تحديد الأولويات وتقريب وجهات النظر المختلفة والمتناقضة، وإذابة جليد الصراع بين الممسكين بزمام السلطة في شرق ليبيا وغربها، علها تحدد خريطة طريق أو روزنامة سياسية واضحة المعالم تنتهي بإجراء الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية في 2025.
وقد تذهب أهداف البعثة الأممية بقيادة ستيفاني خوري أدراج الرياح وفق متابعين، باعتبارها تخوض المرحلة بالأساليب نفسها التي كان يعتمدها المبعوث السابق باتيلي، بل إن الوضع تعقد أكثر بحكم مناورات الأطراف الداخلية التي استشعرت الخطر، وشرعت بالمناورة باكراً حفاظاً على مغانمها في السلطة واحتدام الصراع الروسي – الأميركي على الملف الليبي.
الأطراف السياسية وتكتيكات الربح الأقصى
ولم ينظر الجميع إلى المحادثات التي أجرتها خوري بعين الرضا في ليبيا، نظراً إلى الظروف الداخلية والتراكمات التي حدثت في الملف الليبي، وعلى اعتبار أن خوري تمثل جلياً الرؤية الأميركية في إدارة الملف وحرصها على عودة بلاد “العم سام” بقوة إلى الساحة الليبية، بعد استشعار تمدد “الدب الروسي” في القارة السمراء انطلاقاً من البوابة الليبية، فكثفت كل الأطراف تحركاتها ومناوراتها بحثاً عن تحصين لموقع حالي أو بحثاً عن تحالفات جديدة تعزز المكاسب على حساب الخصوم.
حكومة الوحدة الوطنية وسياسة الكل أو اللا شيء
وجدد أحد اللاعبين الرئيسيين على الساحة الليبية، رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة التأكيد مرة أخرى أن حكومته لن تسلم السلطة إلا إلى جهة منتخبة، وأنه لن تكون هناك مراحل انتقالية أخرى قبل إجراء الانتخابات على أساس قوانين انتخابية عادلة.
ويرى الدبيبة أن على المجلس التشريعي المؤلف من مجلسي النواب والدولة “وضع القوانين الدستورية أو الدستور، تمهيداً لإجراء الانتخابات وفق قوانين عادلة تنتج انتخابات عادلة تقبل كل الأطراف بنتائجها، وغير ذلك فعبث وتمطيط للأزمة“.
وتظهر تحركات الدبيبة الأخيرة توجيه بوصلته شرقاً نحو الصين وروسيا في محاولة لاستمالة الأطراف الداعمة لقائد “الجيش الوطني” خليفة حفتر في الشرق، وحشد الدعم لمشروعه السياسي على اعتبار أنه جهة تحظى بالدعم الأممي من خلال الملفات الاقتصادية.
وما مشاركته في أعمال الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي – الصيني المنعقد في بكين إلا دليل جلي على ذلك، إذ عبر عن فتح الباب أمام الشركات الصينية للعمل في الغرب الليبي، والمساهمة في إعادة الإعمار وعودة السفارة الصينية إلى العاصمة طرابلس.
دعوات تأتي مباشرة بعد زيارة وفد رسمي رفيع المستوى من حكومة الدبيبة إلى موسكو منتصف الشهر الماضي، والتي كانت أبرز مخرجاتها فتح الأبواب على مصاريعها أمام روسيا المتمركزة عسكرياً في الشرق الليبي للوجود دبلوماسياً واقتصادياً بصورة أقوى في غرب البلاد، في محاولة لقطع الطريق أمام أية محاولة أميركية لتشكيل حكومة جديدة قبل الذهاب إلى الانتخابات، على اعتبار أن روسيا والصين تعدان من أكثر الدول المعارضة للمشاريع الأميركية في المجتمع الدولي.
خليفة حفتر… رجل الشرق القوي المدعوم من البرلمان
وعلى رغم كل مؤشرات الانفتاح على حل توافقي لإنهاء الأزمة فإن القائد العام للقوات المسلحة الليبية خليفة حفتر، الذي يدير شؤون البلاد في الشرق، حصن نفسه جيداً ضد أية ارتدادات في المشهد الليبي أو تغيير في الجهات الخارجية الفاعلة في ليبيا، وذلك عبر ضمان دعم حليفتيه التقليديتين روسيا والصين الداعمتين له عسكرياً واللتين تؤمنان سيطرته على شرق ليبيا وجنوبها، وهما المنطقتان الغنيتان بالنفط والغاز.
وحفتر الذي بسط نفوذه عسكرياً على الميدان، وجد لنفسه غطاءً سياسياً مهماً متمثلاً في البرلمان بقيادة عقيلة صالح الذي يقود الصراع مع الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة. ويصر عقيلة على ضرورة تكوين حكومة جديدة تشرف على إجراء الانتخابات في البلاد، وإنهاء وجود حكومة الوحدة الوطنية باعتبارها حكومة غير شرعية، أو في الأقل على إقصائها من أي حوار باعتبارها فقدت شرعيتها وانتهت مدتها القانونية، وأي حوار سيشارك فيه ممثلون عنها سيكون مشروطاً بمشاركة ممثلين عن حكومة أسامة حماد المدعومة من البرلمان.
موقف حفتر من الأزمة عبر عنه صالح خلال لقائه ستيفاني خوري الأسبوع الماضي، بالتأكيد أن “الحل في ليبيا يكون بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتشكيل حكومة موحدة مهمتها الأساس إجراء الاستحقاق الانتخابي وفقاً لإرادة الشعب الليبي“.
_______________
