د. رامز إبراهيم

يُلاحظ أن العديد من تلك التنظيمات هي أجنحة عسكرية لقبائل وجماعات إثنية وتعبير عن اختلافات طائفية ومذهبية، ومن ثم ترافقت صراعات الهوية في المنطقة العربية منذ عام 2011 مع تعميق أزمة الدولة القومية وصعود الصراع على الهوية وتمدد سلطة وتزايد عدد تلك الكيانات.

وبالإضافة إلى ما سبق، أدى اعتماد الحكومات الضعيفة في بعض الدول العربية على تلك التنظيمات لحفظ الأمن في بعض أجزاء إقليم الدولة، أو لمحاربة خصومها، إلى تعزيز ظاهرة المليشيات المسلحة.

فعلى سبيل المثال، في العراق وعقب سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل عام 2014، قبلت حكومة نوري المالكي آنذاك مشاركة مليشيا الحشد الشعبي في القتال ضد هذا التنظيم الإرهابي، وهكذا ظهرت عشرات الجماعات المسلحة والمليشيات التي تستند لأسس طائفية (شيعية بالأساس).

فضلاً عن الدعم الخارجي الذي تتلقاه تلك التنظيمات والذي يمدها بالعوامل الضرورية للبقاء وممارسة دور فعال، حيث أدى الدعم العسكري والمالي المُقدم من إيران دوراً رئيسياً في استمرار حضور حزب الله على الساحة اللبنانية وتعزيز قدراته العسكرية.

كما أن الدعم الخارجي للقوات شبه العسكرية والمليشيات المسلحة قد شكل أحد أهم سمات الحرب الأهلية في سوريا، حيث تحولت الدولة هناك إلى ساحة للقتال لحروب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية تستهدف تعزيز مصالحها. وفي اليمن، ساعد الدعم العسكري والاقتصادي الإيراني للحوثيين على تمكينهم من الاستمرار في الحرب ضد قوات الشرعية اليمنية.

وأخيراً، لا يمكن فصل صعود التنظيمات شبه المسلحة في المنطقة العربية عن العامل الاقتصادي والمصالح السياسية التي تسعى هذه التنظيمات لتحقيقها.

وتمثل حالة ليبيا إثر سقوط نظام القذافي حالة نموذجية على الصراع بين عشرات المليشيات المسلحة للسيطرة على موارد الدولة الاقتصادية، ولاسيما النفط، فضلاً عن الانخراط في بعض الأنشطة الإجرامية مثل تهريب البشر والمخدرات والسلاح، ولقد عمقت تلك الممارسات من هشاشة وضعف الدولة الليبية؛ ما أفضى إلى تهديد وحدة الدولة هناك.

استراتيجيات التعامل:

طبقت الدول العربية والقوى الدولية مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات في التعامل مع التنظيمات شبه العسكرية، بداية من توظيف القوة العسكرية في مواجهة تلك الفواعل المسلحة أو على الأقل تقليص قدراتها والمخاطر التي تثيرها، ومروراً بإعادة إدماج تلك الكيانات في القوات المسلحة النظامية ومثال على ذلك إدماج الحشد الشعبي في الجيش العراقي، ووصولاً إلى التعايش مع تلك التنظيمات، حيث تقبل بعض الدول تلك الفواعل إما لعجزها عن نزع سلاحها أو لرغبتها في تجنب مواجهة يمكن أن تقود إلى حرب أهلية؛

والمثال الواضح على ذلك هو حزب الله في لبنان.

وبشكل عام، يمكن توضيح استراتيجيات واقترابات التعامل مع التنظيمات شبه العسكرية، فيما يلي:

1- الاقتراب الواقعي: 

يتم في هذا الاقتراب توظيف الإجراءات القسرية للتعامل مع المليشيات بما في ذلك توظيف القوة العسكرية، فضلاً عن تهميش وعزل تلك الكيانات بشكل سياسي ومادي عن الأنصار الحقيقيين والمحتملين.

ويبدو هذا الخيار جذاباً للتعامل مع الفواعل الضعيفة، حين يسود شبه إجماع بين النخب السياسية والتكوينات المجتمعية على عدم التعامل مع تلك الكيانات وعدم الرد على أفعالها التخريبية، كما يمكن إذكاء الصراعات والانشقاقات الداخلية بين تلك المجموعات من خلال منح بعض قياداتها وبطريقة انتقائية مزايا معينة، مثل إشراكهم في العملية السياسية.

ويظل جوهر هذا الاقتراب هو توظيف الإجراءات القسرية والإكراهية التي تضع مزيداً من الضغط على التنظيمات شبه العسكرية لحملها على تغيير قناعاتها وتصرفاتها.

2- الاقتراب المؤسسي

يشمل هذا الاقتراب محاولة تدشين عملية للوساطة والتفاوض بين مختلف الأطراف بما في ذلك الفواعل المسلحة غير الحكومية؛ بهدف التوصل لتسوية سياسية، وكذلك محاولة استقطاب تلك التنظيمات وإدماجها في العملية السياسية من خلال توزيع المنافع والمسؤوليات.

وتتضمن تلك الاستراتيجية قدراً معيناً من اقتسام السلطة بهدف منحها دوراً ما تؤديه؛ بما قد يفتح المجال لتغيير تفضيلاتها وتوجهاتها السياسية.

ويقع في قلب هذا الاقتراب المؤسسي إرساء القواعد والإجراءات والسياقات المؤسسية اللازمة للسماح بقدر من التعايش السلمي، والتي تفتح مجالاً رحباً للتفاوض والمساومة والوساطة.

وهكذا فإن المنطق الذي ينطلق منه هذا الاقتراب هو التسليم بأن العديد من المليشيات والتنظيمات شبه العسكرية قد تعاني مظالم سياسية واقتصادية محددة يمكن التعامل معها من خلال الوسائل السياسية.

3- الاقتراب البنائي

من أهم الإجراءات التي يتضمنها هذا الاقتراب منح العفو بخصوص جرائم معينة ارتُكبت من جانب الجماعات المسلحة؛ كحافز لتغيير السلوك واحترام بعض الأعراف في المستقبل.

ويمكن اللجوء لهذا الإجراء كملاذ أخير يستهدف إنهاء العنف وكجزء من صفقة سياسية أشمل، وربما بدا هذا الخيار ملائماً حين يميل أعضاء تلك الجماعات إلى بدء حياة مختلفة وإظهار رغبة حقيقية في تغيير السلوك.

وبصفة عامة، تشدد الاقترابات البنائية على دور الإقناع ومحاولة حث الجماعات المسلحة على القبول ببعض الأعراف المرتبطة بعملية بناء السلام، والهدف النهائي هو تدشين عملية طويلة الأجل من التحول تتضمن تغييراً حقيقياً في سياسات وتصورات تلك التنظيمات.

إشكالية الإدماج:

في المُجمل، يثير اللجوء إلى دمج المليشيات والتنظيمات شبه العسكرية في بنية الجيوش الوطنية وامتصاصها في الجيش النظامي، الكثير من الإشكاليات والتحديات.

وإذا كانت تلك الاستراتيجية مفيدة لاستقطاب بعض الجماعات، إلا أنها تثير العديد من المخاطر المحتملة بالنسبة لتماسك المؤسسة العسكرية وهيكلها التنظيمي وكفاءتها في العمليات.

ويُعد الإدماج عملية مكلفة تتطلب استثمار الموارد اللازمة، وتأمين دعم أفراد الجيش النظامي. وبالنسبة للعديد من الدول التي تخرج من خضم حرب مكلفة، تتسم الموارد المالية والسياسية بالندرة، وبالتالي تكون تكاليف الإدماج ضخمة على نحو يُصعب على الحكومات تحملها.

وفي بعض الحالات، تفتقر الدول ذات القدرة التنظيمية العسكرية المحدودة للموارد الكافية لإدماج عدد كبير من أعضاء المليشيات غير الرسمية. ففي جمهورية إفريقيا الوسطى، على سبيل المثال، توقعت المليشيات الملحقة أو التابعة قدراً ضئيلاً من المنافع جراء الانضمام للقوات المسلحة النظامية، ومن ثم اختارت البقاء خارج الهيكل الرسمي للمؤسسة العسكرية.

وفضلاً عن ذلك، تعيق القدرات التنظيمية الضعيفة لبعض الجيوش قدرتها على السيطرة على قوات تتسم بطبيعتها بالعنف والجموح، حيث يثير إدماج تلك الكيانات مخاطر تعريض تماسك الجيش للخطر وربما تفككه بما قد يفضي إلى انهيار الجهاز العسكري الرسمي تماماً.

وفي المقابل، فإن الجيوش ذات القدرة التنظيمية العالية تملك القوة الكافية في العدد والعتاد اللازمين للتغلب على خصومها، ولا تملك مثل هذه الجيوش دافعاً حقيقياً لإدماج تلك القوات غير النظامية؛ حيث تميل تلك الجيوش إلى امتلاك مجموعة من الضباط تعارض بضراوة أي تغيير يطرأ على تراتبية الجيش وتكوين وحداته؛ نظراً لأن هؤلاء الضباط لديهم خلفية رسمية في التدريب العسكري، ويميلون لاعتبار الفواعل المسلحة غير الحكومية هواة ينالون بالسلب من جاهزية القوات المسلحة النظامية وقدرتها على الاستجابة للتهديدات الأمنية، بفعل المخاوف من غياب الاحترافية والانضباط، وهذا ما حدث بالفعل في دول مثل نيجيريا وباكستان.

خلاصة القول

إن إدماج المليشيات والتنظيمات شبه العسكرية في بنية القوات المسلحة النظامية يتوقف على العديد من الاعتبارات، مثلخلق القبول الكافي من جانب الضباط لإدماج تلك الكيانات، واستعداد تلك الجماعات نفسها للانخراط في القوات المسلحة النظامية، ومدى توافر الشرعية لهذا الإجراء في نظر مختلف القطاعات المجتمعية، وهي أمور يجب أن تُؤخذ كلها بعين الاعتبار عند تصميم استراتيجيات فعالة لإدماج تلك الفواعل المسلحة.

***

د. رامز إبراهيم ـ مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

_____________

المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

مواد ذات علاقة