في ظل الجدل حول ان بيان المشريصالحهو مقدمة لاستئناف العملية السياسية من عدمه

علي اللافي

دفع البيان المشترك المعلن من قبل رئيسي مجلسي “النواب” و“الدولة” الليبيّين عقيلة صالح و“خالد المشري” يوم 5 يناير،  آمالاً جديدة لاستئناف العملية السياسية في البلاد.

إلا أنّ أسئلة كثيرة ما زالت تُطرح حول قدرة المجلسين على الوصول إلى توافق يفضي إلى اجراءالانتخابات الرئاسية   والبرلمانية المؤجلة منذ أكثر من عام، ومعلوم أن الرجلين قد اصدرا في نفس  اليوم بياناً مشتركاً بشأن الوثيقة الدستورية من العاصمة المصرية القاهرة، قالا إنه “ينبع من حرصهما على إنجاز أساس دستوريتوافقي يوصل للانتخابات“،  وينبثق اتفاقهما من نواةمشروع الوثيقة الدستورية، والذي كان حصيلة ما  توصلت إليه اللجنة المشتركة من المجلسين المكلفة بإنجاز المسارالدستوري في جملة اجتماعات أجرتها العام الماضي فيالقاهرة، برعاية أممية.

وبناء على ذلك تم خلال الأيام الماضي اثارة جدل مفاده هل يعتبر بيان/اتفق الرجلين ومن وراءهما المجلسين الى استئناف العملية السياسية خاصة وأن المسار الدستوري هو مثار الاشكال حاليا فهو فعليا نفس المسار الذي سيترتب عليه المسار الرابع أي المسار التنفيذي/السياسي بعد أن تم ومنذ نوفمبر 2020 التوافق على المسارين الاقتصادي/الاجتماعي والعسكري الأمني؟.

أما ثاني الأسئلة المطروحة بقوة حاليا فهو: كيف ستتم هندسة خارطة الطريق في ظل شبه يقين خاص لدى الجميع أن هناك انتخابات قد تنجز فعلا هذه المرة ببين يونيو و سبتمبر؟  

** حول طبيعة الازمة الليبية

أولا، في ليبيا بالذات يمكن وصف الصراع بأنه حرب بالوكالة خاضتها وتخوضها أطراف ليبية –ضيقة الأفق الاستراتيجي – لصالح أذرع إقليمية وهذه الأخيرة هي وكيلة أيضا لأطراف دولية بهدف نهب ثروات البلد الهائلة والنادرة ومن ثم المرور بيسرللعمق الافريقي، وما يُغيبه البعض في تشخيص الأزمة وتحليل خلفياتها وأبعادها انه في ليبيا تحديدا ليس هناك حلول في مدى السنوات القادمة وما يمكن أن يتم في أقصى الحالات هو التوافق المؤقت على مسكنات حلول، وان كانت ليبيا عمليا هي احدى 10 دول وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة ستحرص على دعم الاستقرار فيها الخطة وضعت سنة 2020 وهي تضم أيضا بينين – هايتي – ليبيا– غينيا الجديدة–

فان ليبيا لم ولن يسمح بالاستقرار طويل المدى فيها لأسباب عدة، والحقيقة أن المبعوث الاممي الرابع غسان سلامة قد كان واضحا عندما قال لمجموعة من المجتمع المدني في مدينة الزاوية “لا يكفي ان تتفقوا كليبيين ليكون هناك حل لأنه أولا وقبل كل شيء يجب ان يتفق المجتمع الدولي على حل وهذا غير متوفر حاليا…”، ويمكن الجزم ان كلام غسان سلامة لا يزال ساريا، وحتى وان تم التوصل الى حل بين يونيو وسبتمبر 2023 فان ذلك سيكون من بين مسكنات الحلول التي شارنا إليها أعلاه.

ثانيا، على عكس ما يعتقد البعض فان الكثير من المؤسسات الليبية ورغم الحروب والصراعات ورغ محدة الازمة وتفرعها على مسارات أربع (مسارعسكري/أمني – مسار اقتصدي واجتماعي – مسارسياسي وتنفيذي – مسار دستوريبقيت تشتغل بمربع الحد الأدنى.

والاغرب الذي قد لا يصدقه أي متابع وهو أن مرتبات جنود “حفتر” في اقصى شرق ليبيا ورغم انهم يقاتلون جنود قوات الحكومة في طرابلس منذ 2017 بل وهجموا على العاصمة في ابريل 2019 وكانت مرتباتهم تصلهم من طرابلس أولا بأول.

وهذا مثال للذكر لا الحصر، وهذا لم يتم عمليا في أي بلد وقد يعلق بعض العرب ان هناك حرب في ليبيا وان هناك كوارث ولكن الثابت ان لو كان السلاح منتشرا بالشكل الذي انتشر به في ليبيا في أي بلدعربي لكانت هناك كوارث مضاعفة ورغم ان الشخصية الليبية غلب عليها ثالوث القبيلة والغلبة والغنيمة فإنها شخصية ثرية وحوارية وقابلة للإيجابية اكثر مما يتصور البعض وطبعا ذلك لا يعني انها كلها سلبيات.

ولكن ان يدار الكثير من الاقتصاد وهو “الاستراتيجي” مثله مثل “الثقافي“ فهو أمر مستحب وطبعا غريب في ظل الحروب والصراعات…

** حيثيات وتفاصيل اتفاق الخميس الماضي بين المجلسين

أولا، وفقاً للبيان، اتفق صالح والمشري على أن “تحيل اللجنة وثيقتها الدستورية إلى المجلسين لإقرارها طبقاً لنظام كل مجلس“، وفي الإطار العام للعملية السياسية، اتفق الرئيسان على“وضع خريطة طريق جديدة، واضحة ومحددة، يعلن عنها لاحقاً، لاستكمال كل الإجراءات اللازمة لإتمام العملية الانتخابية، سواء التي تتعلق بالأسس والقوانين، أو المتعلقة بالإجراءات التنفيذية وتوحيد المؤسسات“.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي جمعهما بالقاهرة، أكد “صالح” اتفاقه مع “المشري” على“الإسراع في إنجاز القاعدة الدستورية الخاصة بالانتخابات“، مؤكداً في الوقت عينه، “الحاجة لوجود سلطة موحدة“، في إشارة إلى رفضه وجود حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والتي تسيطرعلى عاصمة البلاد ومؤسساتها، وترفض تسليم مهامها إلا بعد الانتخابات، وفي حين أشار “صالح” إلى أنّ الانتخابات هي الهدف لحلّ الازمة  شدد على ضرورة الاتفاق مع مجلس الدولة بخصوص قوانينها المنظمة قبل إصدارها.

ثانيا، وفيما بيّن صالح أنه “حين تكون الأمور جاهزة من الناحية اللوجستية والأمنية، ستكون الانتخابات في أقرب الآجال“، أعلن عن لقاء في منطقة داخل ليبيا حول هذا الأمر، دون أن يخوض في تفاصيل أخرى تتعلق بمكان اللقاء، أو موعده، وأجندته، والجهات المدعوة لحضوره، ومن جهته، اعتبر “المشري” المرحلة التي توصلا إليها “متقدمة جداً”، قائلاً: “لقد أنهينا بها الكثير من الجدل، واستطعنا بها وضع العربة على سكة الانتخابات للوصول إليها بأسرع وقت ممكن…”.

ومع ثنائه على اتفاق اللجنة المشتركة بخصوص أغلب بنود الوثيقة، إلا أن المشري أشار إلى أن الاتفاق “لم يشمل مادتين“، في إشارة إلى مادتي ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للانتخابات، أكثر المواد جدلاً في الوثيقة، إذ يرفضهما مجلس الدولة، ويطالب بهمامجلس النواب، والجديد في الاتفاق هو ما أعلن عنه الطرفان من أنّ “عدم اتفاقهما على أي بند في القاعدة الدستورية يعني إحالة الرأي فيه لليبيين عبراستفتاء عام“، الأمر الذي قد يفتح فسحة من الأمل…

ثالثا، على الرغم من أنّ الاتفاق بين المجلسين يدفع بجملة من الأسئلة حول واقعيته، لا سيما وأنه يأتي في وقت أظهر أغلب السياسيين تشبثاً حاداً بالسلطة، أوصل البلاد إلى حالة الانسداد الحالية، ومع أن عضو مجلس النواب “جبريل وحيدة” يبدي ترحيباً باتفاق صالح والمشري، إلا أنه يعرب في الوقت نفسه عن مخاوف من “عدم القدرة على تطبيق أي اتفاق قد يتوصلان إليه“، مستشهداً باتفاقهما السابق على تغيير حكومة الوحدة الوطنية ورئيسها“عبد الحميد الدبيبة“، والفشل في تطبيق ذلك على أرض الواقع، و“خلط الأوراق من جديد“، على حد وصفه.

ويوضح وحيدة في حديثه مع احدى اليوميات العربية 6 يناير الحالي أنّ التخوّف من إمكانية تطبيق أي اتفاق يرجع لمن سمّاهابـ“القوى المؤثرة على الأرض؛ سواء المسلحون في الداخل، أو القوى الخارجية المتداخلة في الملف الليبي“.

وعلى الرغم من التراتبية في اتفاق صالح والمشري الذي يبدأ بالتوافق على القاعدة الدستورية للانتخابات، ثم الذهاب إلى “تغيير الحكومة، واختيارأخرى جديدة“، إلا أنّه ينتظر أن تكون أولى عقبات هذا الاتفاق معارضة “رئيس حكومة الوحدة الذي سيرفض الإذعان“، مضيفاً: “في السابق، رفض الدبيبة تسليم السلطة، مدعوماً بقوى داخلية وخارجية رأت مصلحتها في بقائه، هذا بالإضافة لاستمرار اعتراف المجتمع الدولي به، ولا ضمانات حتى الآن على أنّ ذات السيناريو لن يتكرر“.

** خارطة الطريق المنتظرة

أولا، مقابل وضوح تراتبية خطوات الاتفاق بين المجلسين يمكن الجزم أنّ خريطة الطريق سيتم إعدادها من المجلسين بناء على اتفاق الرئيسين، وواضح أن كل مجلس سيناقش الوثيقة وفقاً لنظامه ولائحته الداخلية، ولكن الثابت أيضا أن إجراء الانتخابات وتغيير الحكومة “أمران مرتبطان“، ذلك أن ليبيا بحاجة ضرورية لانتخابات عاجلة، ولكن السؤال الرئيسي والمطروح بقوة حاليا هومن سيقوم بها وينفذها؟ فحكومة الوحدة الوطنية غير قادرة حسب البعض على بسط نفوذها في كامل الدولة، ولاتستطيع تولي أمر مثل انتخابات على مستوى كامل الدولة…

ثانيا، خارطة الطريق المنتظرة من طرف الجميع لابد فعليا من أن تشمل استكمال القاعدة الدستورية، والموافقة على قوانين الانتخابات، وتحديدها بالمهام والمدد الزمنية، بالإضافة لاستحداث حكومة جديدة، واستكمال مشروع التوافق على المناصب السيادية، وتوحيد السلطة التنفيذية.

ذلك أنه لابد من التوافق على مادتي العسكريين ومزدوجي الجنسية، ومعلوم أن التوافق حول المواد الخلافية يجب أن يتم بين المجلسين، وليس الرئاستين، وإنْ وضع الرئيسان خطوطها العريضة، فيجب إقرارها والتصويت عليهامن المجلسين، وهذا ما تضمنته كل الاتفاقات السابقة“.

ثالثا، يبحث الجميع في ليبيا على اتفاق “ليبي خالص“، وأن تتولى البعثة الأممية فقط “مراقبة ومتابعة آليات التنفيذ” وهذا امر معقد فهو اولا مطلب كثير من الأطراف في ليبيا ولكن معلوم أنه ومنذ 2014 فان الاشكال ليس فقط في اختلاف الأطراف الليبية بل هو في عدم اتفاق الأطراف الدولية ووجود أطراف إقليمية تخوض صراعاتها في ليبيا كما أوضحنا ذلك أعلاه .

ومعلوم أن هناك معارضة كبيرة لاتفاق الرجلين/المجلسين  وهنا يمكن الجزم أنه اذا تم التوافق على صياغة الخريطة كاملة، فما على الدبيبة إلا أن يكون صادقاً مع الشعب في تطلعه للانتخابات وأن يقوم بتسليم السلطة، حتى يتم الاتجاه إلى الصناديق ويقول الشعب كلمته المنتظرة، ولكن إن استمر في إصراره على عدم التسليم إلا لحكومة منتخبة، فسيكون المعرقل الأول، وهنا سيحسم للمجتمع الدولي والبعثة الامر عبر نقض الاتفاق أو دفع الدبيبة للمغادرة.

ولعل لقاء اسطانبول قد جهز لتلك الفرضية بما يعني إمكانية المضي في حل الخيار الثالث أو تعديل كبير على حكومة الدبيبة…

رابعا، لم تصدر أي مواقف من جانب المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية والحكومة المكلفة من مجلس النواب حيال اتفاق صالح والمشري، ولكن البعثة الأممية في ليبيا أعربت عن ترحيبها بالاتفاق، وحثها المجلسين بقوة على الإسراع في التوصل إلى اتفاق كامل ونهائي، بما في ذلك حول القضايا الخلافية، بغية استكمال الخطوات الضرورية لإجراء انتخابات وطنية شاملة ضمن إطار زمني محدد.

وقد جدّدت البعثة، في بيان لها، مساء يوم الاتفاق ، تأكيد استعدادها “لدعم المبادرات الهادفة إلى تحقيق توافق وطني يمهد الطريق لحل ليبي–ليبي للأزمة السياسية التي طال أمدها“، وفقا لوصف، وفي السياق عينه، اعتبر المبعوث الأميركي الخاص وسفيرها (الولايات المتحدةلدى ليبيا ريتشارد نورلاند، أنّ اختتام النقاشات بين قادة المجلسين “لايترك أي سبب لتأجيل وضع تاريخ مبكر لانتخابات برلمانية ورئاسية“، وقال نورلاند، في تغريدة عبرحساب السفارة على “تويتر” مساء نفس يوم الاتفاق:

نحن نشارك كل الليبيين رغبتهم في رؤية القادة الليبيين يتبنون الإجراءات اللازمة بأسرع وقت ممكن للسماح للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات بالشروع في تفعيل العملية الانتخابية“، معبراً عن تقديره للحكومة المصرية على تيسيرها اتفاق الطرفين الذي وصفه بـ“الإنجاز“.

***

علي اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية

_____________ 

مواد ذات علاقة