
فشل مؤسسي
كان لتغيّر المناخ تأثير كبير على الموارد الطبيعية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك ليبيا التي تعدّ إحدى أكثر المناطق تضررا، ما يحوّل المشكلة فيها إلى حالة ندرة شديدة في المياه. ومع ذلك، فشلت الحكومة في الاستثمار في معالجة تغيّر المناخ بشكل عام، أو ندرة المياه بشكل خاص.
وما زال تطبيق تشريعات قطاع المياه الليبي ضعيفا أو غائبا تماما في بعض الحالات. كما أن الرسوم المفروضة على استخدام المياه لا تغطي التكاليف التشغيلية. وإضافة إلى ذلك، نادرا ما يتم إعداد فواتير لاستهلاك المياه، وحتى إذا ما تم تحصيل الرسوم، فإن أسعار المياه في ليبيا مدعومة بشكل كبير، ما يفسر الاستهلاك المفرط والمقلق للمياه في قطاع الزراعة.
ينظر إلى تحلية المياه كبديل محتمل للمياه الجوفية، إلا أنها غير مستثمرة بشكل كاف وعالية التكاليف. تمتلك ليبيا ثماني محطات لتحلية المياه منتشرة عبر سواحلها، إحداها خارج الخدمة، بينما تعمل المحطات السبع المتبقية بنحو 28% من قدرتها التشغيلية بسبب تأخر الصيانة ونقص المواد الكيميائية وقطع الغيار.
وإضافة إلى ذلك، على الرغم من أن تحلية المياه تمثل البديل الوحيد للمياة الجوفية الذي يمكن تنفيذه، حيث تعيش الغالبية العظمى من الليبيين على طول الساحل، إلا أنها تتسم باستهلاكها الكبير للطاقة وبتكاليفها الباهظة. في الوقت الحالى، يكلّف كل متر مكعب من المياه الناتجة من محطات تحلية المياه نحو ستة أضعاف ما تدفعه الحكومة الليبية لسعر المتر المكعب من مشروع النهر الصناعي.
لهذا، يجب على الحكومة تقييم كيفية خفض التكلفة قبل اعتماد هذا البديل على نطاق واسع، لأن هذا البديل سيفرض اعباء مالية كبيرة على الميزانية العامة التي تشهد تضخما. كما تشمل الحلول الأخرى التحول من زيت الوقود الخفيف المستخدم حاليا إلى الغاز الطبيعي أو الطاقة الشمسية، ما يخفف تكلفة عملية تحلية المياه بشكل كبير.
وعلى الرغم من أهميتها بالنسبة إلى إمدادات المياه في ليبيا في المستقبل، إلا أن البلاد تفتقر إلى مؤسسة أو وكالة معينة لتعزيز وإدارة موارد تحلية المياه، حيث تتولى الشركة العامة لتحلية المياه تشغيل محطات تحلية المياه فقط، ولا تضطلع بأي دور فيما يتعلق بتطوير السياسة والاستراتيجية.
وإلى جانب محطات تحلية المياه، تمتلك ليبيا 75 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، ما تزال عشر محطات منها فقط تعمل. تعالج هذه المحطات العشر أقل من 11% من مياه الصرف المتولدة من المراكز الحضرية، بينما يتم تصريف الباقي في البحر أو في الفضاء المفتوح دون أي معالجة، ما يتسبب في أضرار جسيمة للبيئة بشكل عام ويؤدي إلى تلويث مياه البحر وخزانات المياه الجوفية الضحلة.
ونتيجة اعتماد نحو 55% من السكان الليبيين الآبار الخاصة التي تستخرج المياه من طبقات المياه الجوفية الضحلة، فإن هذه الممارسة يمكن أن تعرضهم لمستويات خطيرة من التلوث، إلا أننا نفتقر إلى البيانات بشأن مدى انتشار ظاهرة التلوث هذه في ليبيا.
تتسبب العوامل المذكورة أعلاه، إضافة إلى سوء إدارة الموارد المائية، إلى دفع ليبيا إلى حافة الكارثة. لذا يتعين على صانعي السياسات تطوير سياسات مناسبة بشكل عاجل، وتخصيص الأموال اللازمة لمواجهة أزمة المياه الحالية والحفاظ على ظروف معيشية أفضل، إضافة إلى تلبية الاحتياجات المائية المتزايدة ومتطلبات النمو الحضري.
التوصيات
توصيات على المدى القصير
ـ شراء قطع غيار ومواد كيميائية لتشغيل محطات التحلية القائمة. يجب على الحكومة تخصيص الأموال بشكل فوري للشركة العامة لتحلية المياه لشراء قطع الغيار والمواد الكيميائية اللازمة لتحسين عمل محطات التحلية، إضافة إلى ذلك، يجب على الشركة العامة لتحلية المياه تقييم الحالة الفنية للمحطات خارج الخدمة، وتقدير تكلفة الصيانة المطلوبة لإعادة هذه المحطات إلى الخدمة.
ـ الحد من استهالك المياه في قطاع الزراعة. يؤدي الاستهلاك المفرط للمياه إلى مشكلات بيئية وصحية خطيرة كما ناقشنا إعلاه، لذا يجب على الحكومة بذل جهود مكثفة لرفع مستوى الوعي العام بشأن خطورة الوضع المائي وتطوير سياسات للضرائب وتقنين استخدام المياه .إضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة اعتماد تقنيات للري أكثر كفاءة من استخدام المياه. كما يجب على الحكومة إشراك منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية لتوعية المواطنين بشكل عام بشأن قضية المياه.
ـ إجراء دراسة شاملة لموارد المياه والبنية التحتية. يجب على الحكومة تجنب اعتماد استراتيجيات وخطط لا تستند إلى أسس متينة، حيث ينبغي إجراء تقييم متعمق لموارد المياه والبنية التحتية التنظيمية والمادية في جميع انحاء ليبيا يكون أساسا لتدخلاتها. كما يجب على الحكومة إعاد هيكلة الإطار المؤسسي للقطاع بأكمله لتعزيز التنسيق والإستجابة بفاعلية، فضلا عن البحث في إمكانية دخول القطاع الخاص إلى قطاع المياه.
ـ إصلاح شبكات المياه. تسبب الصراع الدائر في ليبيا بأغلب الأضرار التي لحقت بشبكات المياه، الأمر الذي يقيد وصول المواطنين إلى المياه ويؤثر على نوعية حياتهم. لذا يجب إصلاح الشبكات القائمة، الأمر الذي سيكون له تأثير كبير على الأسر الفقيرة التي لا تستطيع حفر آبار خاصة بها.
توصيات على المدى الطويل
ـ تأسيس مؤسسة حكومية تعمل على تطوير وإدارة محطات تحلية المياة ومعالجة مياه الصرف الصحي. في الوقت الحالي، تعمل الشركة العامة لتحلية المياه وحدها كشركة منفذة وليست كجهة تنظيمية أو وكالة فنية. وسيساعد تأسيس مثل هذه المؤسسة على تطوير خبرات الحكومة الفنية في هذا المجال، وتخصيص المزيد من الموارد ومستوى الاهتمام بها.
ـ مراجعة وتحديث تشريعات المياه. يتعين على الحكومة بالتعاون مع الهيئة التشريعية تعيين لجنة لمراجعة التشريعات القائمة لقطاع المياه ككل، واقتراح التعديلات اللازمة لوضع إطار قانوني ملائم لمعالجة الأزمة.
ـ تبني تقنيات تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي التي تحد من التكاليف التشغيلية. بغية توقف اعتماد ليبيا الكامل على المياه الجوفية، يجب أن يصبح هذان البديلان خيارين قابلين للتطبيق من حيث التكلفة. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الانتقال من زيت الوقود الخفيف إلى الغاز الطبيعي أو الطاقة الشمسية إلى الحد من التكاليف بشكل كبير. وستساعد زيادة عمليات تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحي في ليبيا في السيطرة على الظواهر الضارة، مثل تسرب مياه البحر وتصريف مياه الصرف الصحي في البحر.
_____________
المصدر: “الدليل الإصلاحي للخدمات العامة في ليبيا“ من تأليف (محمد المجبري، هبة الشيخ، لميس بن عياد، ريما حميدان). الدليل صادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت