
مقدمة
يعاني الشعب الليبي منذ أكثر من خمس سنوات من أزمة انقطاع الكهرباء وخروج كامل للشبكات الكهربائية عن الخدمة، ويمكن أن يستمر انقطاع الكهرباء في أي مكان من البلاد لفترة تتراوح بين أربع ساعات إلى أكثر من 15 ساعة في اليوم ، وذلك حسب فصول العام.
ويبلغ العجز في تأمين الطاقة الكهربائية ذروته في فصل الصيف، إذ تحتوي معظم المنازل على مكيفات هواء بسبب الطقس الحار، ما يثقل كاهل نظام الطاقة الكهربائية الذي يعمل أساسا بنصف سعته.
ومقارنة بباقي الخدمات العامة، فإن لانقطاع التيار الكهربائي المستمر عواقب وخيمة على الاقتصاد الليبي. وقد كشفت دراسة استطلاعية أجراها البنك الدولي عام 2020 أن نحو 70% من الشركات في ليبيا تعتبر انقطاع الكهرباء عقبة إما كبيرة أو حادة أمام نمو أعمالها، بينما شكّلت حالة اضطراب الاقتصاد الكلي في ليبيا عقبة في وجه الأعمال التجارية، والتي تكرر ذكرها أكثر من غيرها في الدراسة.
هناك عاملان يصعبّان الاعتماد على مولدات الكهرباء التي تعمل بوقود الديزل كبديل عن الطاقة من الشبكة المحلية:
أولا، هناك نقص في إمدادات وقود الديزل في جميع أنحاء ليبيا، وهو متوفر فقط في السوق السوداء، وبأسعار مرتفعة جدا.
ثانيا، لا تستطيع العديد من الشركات الصغيرة تحمل تكاليف المولدات الكبيرة أو تكلفة شراء الديزل بانتظام من السوق السوداء، ما يخل من تناسب التأثير على المستهلكين، حيث يوثر على ذوي الدخل المتوسط و المحدود والشركات بشكل أكبر.
وإلى جانب العواقب الجسيمة على الاقتصاد، يؤدي انقطاع التيار الكهربائي إلى تعطيل خدمات عامة أساسية أخرى مثل إمدادات المياه والرعاية الصحية.
على مدى العقد الماضي، تدهورت قدرة ليبيا على توليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها تدهورا كبيرا، ورغم وجود 15 محطة لتوليد الكهرباء بطاقة إجمالية بلغت 10,400 ميغاوات، إلا أن المحطات لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية بسبب عوامل عديدة.
على سبيل المثال، في صيف 2020 بلغت ذروة الطلب على الطاقة الكهربائية نحو 7,500 ميغاوات بينما الإنتاج الفعلي لم يتجاوز 3,800 ميغاوات، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء مدة 18 ساعة يوميا.
تقوم محطات الطاقة في الأوقات العادية بتوليد 4,351 ميغاوات من الكهرباء، أي نحو 43% من طاقتها الإنتاجية الكاملة. علاوة على ذلك، يوجد في ليبيا 63 وحدة توليد كهرباء منتشرة في جميع أنحاء البلاد، بينما 23 وحدة متوقفة عن العمل.
ويترافق هذا العجز في الإنتاج مع قوة استهلاك كبيرة، إذ يستهلك الليبيون ثلاثة أضعاف ما يستهلكه جيرانهم في تونس ومصر: 4.8 ميغاوات\ساعة للفرد الليبي الواحد، مقابل 1.3 و 1.7 ميغاوات\ساعة للتونسيين والمصريين على التوالي.
ويعزى ذلك جزئيا إلى رسوم الكهرباء المدعومة بشكل كبير، بالإضافة إلى عجز الحكومة عن إصدار الفواتير وتحصيل الرسوم من المستخدمين ووضع إطار لتعرفة الكهرباء المتدرجة.
أدى هذا القصور في السياسات، مع تراجع البنى التحتية إلى عجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في كثير من الأحيان، وعجزها بالكامل في بعض الأحيان. وفقا للشركة العامة للكهرباء الليبية، ستحتاج البلاد إلى 11,134 ميغاوات بحلول عام 2025، أي أكثر من ضعف إنتاجها الحالي للكهرباء، وبالنظر إلى البيئة السياسية والأمنية في ليبيا، فليس الانهيار التام لنظام الطاقة الكهربائية مستحيلا.
يأتي هذا الوضع نتيجة لعدة عوامل متشابكة:
أولا، أدى الصراع المستمر في البلاد إلى إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء، مما أدى إلى خروج العديد من محطات ووحدات توليد الكهرباء عن الخدمة بالكامل.
فعلى سبيل المثال، توقفت محطة توليد الكهرباء جنوب طرابلس ـ التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 659 ميغاوات ـ عن العمل تماما بسبب الاشتباكات المسلحة في العاصمة طرابلس عام 2020.
بالإضافة إلى ذلك، غادر العديد من الخبراء الأجانب ممت تعتمد ليبيا عليهم بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، ما قوّض أعمال صيانة محطات ووحدات توليد الكهرباء.
كما تعرضت شبكات الكهرباء إلى أعمال تخريب وسرقات، خاصة الموصلات والأسلاك والمعدات الكهربائية الأخرى.
ثانيا، إلى جانب الآثار الناجمة عن الصراع والوضع الأمني العام، يعاني قطاع الكهرباء من مشاكل أعمق ناجمة عن كيفية تنظيم وضبط القطاع مؤسسيا.
وبالرغم من المبالغ الكبيرة التي خصصتها جميع الحكومات التي تشكلت بعد 2011، إلا أن المعلومات المؤسسية والقانونية منعت تنفيذ الإصلاحات الضرورية والاستثمارات الاستراتيجية في القطاع، ما أدى إلى استمرار التحديات القائمة وإزدياد حدتها.
تدرس ورقة السياسات بالتفصيل هذه التحديات المؤسسية والقانونية، وتقترح توصيات سياساتية وعملية للقطاع.
______________
المصدر: “الدليل الإصلاحي للخدمات العامة في ليبيا“ من تأليف (محمد المجبري، هبة الشيخ، لميس بن عياد، ريما حميدان). الدليل صادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت .