علي اللافي

على مدى يومي الخميس والجمعة الماضيين استضافت برلين مؤتمراً دولياً حول الأزمة الليبية بصيغة 3+2+2 (حيث شاركت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، باعتبارها ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، إضافة إلى تركيا وإيطاليا وألمانيا ومصر).
مثّلت مخرجات المؤتمر /اللقاء أو برلين 3 أخر تحركات المجتمع الدولي حول ليبيا ومثلت أشغاله ومخرجاته أهم التطورات المتسارعة والمتلاحقة في بلد عمر المختار خلال الشطر الثاني من الأسبوع الحالي مع تسجيل غياب التمثيل الليبي فيه.
ولكن الأسئلة المهمة المطروحة في ليبيا خلال اليومين الماضيين هي:
هل استطاع الحاضرون في مؤتمر 08-09 سبتمبر الحالي إتمام ما رسمه المؤتمرين السابقين في نفس العاصمة (برلين1- برلين2) خاصة وأن برلين هي أكثر عواصم الغرب وظيفية للولايات المتحدة الأمريكية؟
وهل سيتم بناء على المخرجات المعلن عنها الوصول في آخر أكتوبر القادم لخارطة طريق توافقية وجامعة، وهل ستفضي تلك الخارطة إنجاز سريع للانتخابات البرلمانية وتأجيل أولي للرئاسية بحثا عن حلول ولو في شكل مسكنات؟
** مؤتمر برلين3 حيثياته وتفاصيله ومخرجاته
أولا، يظهر أن لذهاب لـ”برلين3″ قد ترتب على البناء التراكمي للأحداث والتطورات الجارية منذ بداية أغسطس الماضي حيث تعددت محاولات “باشاغا” وحلفائه في السيطرة على العاصمة وبالتوازي حاول “حفتر” ونجليه القضاء أو التقليص من الحاضنة لانصار القذافي ومجموعة سيف تحديدا في سرت ومدن الجنوب الليبي.
كما ان الذهاب لبرلين3 قام على فكرة انه لا حل الا عبر رسم خارطة طريق توافقية وجامعة أيضا وباعتبار أن الوضع في ليبيا لم يحسم من طرف أي من طرفي الصراع (حاليا بواجهة صراع بين حكومتين) وذلك قائم بناء على ما أسميناه في أكثر من مقال منذ 2018 بـ “توازن الضعف أو توازن القوى محليا واقليما ودوليا“.
كما وعت الأمم المتحدة والفاعل الدولي يقينا ان الصراع في ليبيا هو أولا وأخيرا بين وكلاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي وأن المحرك إقليمي ودولي أيضا وأن الهدف الأول والأخير يتمثل في جزئيتين/هدفين جزئيين وهما ثروات ليبيا الهائلة والنادرة والعمق الافريقي اليسير ليبيا.
ثانيا، استضافت برلين مجدداً لقاء دولياً أول أمس الجمعة بمشاركة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والصين وروسيا وتركيا ومصر، لمناقشة الملف الليبي وتضمن جدول أعمال اللقاء/المؤتمر مناقشة المسارين الدستوري والتنفيذي في محطة جديدة من محطات تعكس عناية المحيط الإقليمي والدولي بمصالحه في ليبيا، وضرورة تنسيقها لتجنيبها وتجنيب البلاد المزيد من الانجراف في متاهات الفوضى.
ولكن الملاحظ أن وزيرة خارجية حكومة الوحدة الوطنية، نجلاء المنقوش، التي أشارت لهذا اللقاء على هامش لقائها بالسفير الإيطالي لدى ليبيا الأحد الماضي (04-09-2021) لم تتحدث عن تمثيل ليبي في اللقاء وهو فعلا ما لم يتم.
وعلى الرغم من أن هذا اللقاء ليس الأول من نوعه، بل وسبقه وكما هو معلوم لقاءان في ألمانيا بالذات (وقد باتا يعرفان في التداول الإعلامي ببرلين 1، الذي انعقد في جانفي/يناير 2020، وبرلين 2 الذي انعقد في جوان/يونيو 2021)، وقبلهما لقاء باريس في مايو 2018، ولقاء باليرمو في نوفمبر 2018، فإن التمثيل الليبي في أكثرها كان موجوداً، وإن عبر أكثر من شخصية قيادية.
وعمليا تمكنت تلك اللقاءات من حصر خطوط الصراع في اتجاهات معينة، عُرفت بمسارات الحل الليبي، عسكرية وسياسية واقتصادية. وساعد الضغط في استمرار العمل بها والوصول إلى مرحلة متقدمة مثّلها اتفاق جنيف، في نوفمبر 2021، الذي خلق قيادة تنفيذية موحدة بعد سنوات من الانقسام، تمهيداً لمرحلة أكثر صلابة كان من المفترض أن تنتجها عملية انتخابية في ديسمبر الماضي. وعلى عكس المأمول (وما يحبذه الليبيون والذين سئموا الحروب والصراعات والتجاذبات) فقد انهارت كل تلك الجهود المتراكمة. فقد كرر اتفاق جنيف ذات نتائج اتفاق الصخيرات.
وبدلاً من أن يقرّب اتفاق الصخيرات وجهات النظر في قيادة واحدة، تحت شرعية حكومة وفاق وطني، فإنه خلق انقساماً سياسياً حاداً، وعزز من فرص تحول الفرقاء إلى قادة فرضوا أنفسهم في المشهد بحكم واقع الانقسام، وكذلك الحال بالنسبة لاتفاق جنيف، الذي جزأ المجزأ وزاد من عدد القادة والفاعلين من طرفي الصراع فانضم للمشهد قادة المجلس الرئاسي، ورئيسا الحكومتين، عبد الحميد الدبيبة، وفتحي باشاغا.
ثالثا، الثابت أن برلين3 على صلة بتنسيق الدول المشاركة لمواقفها بعد الاتفاق على مبعوث أممي جديد إلى ليبيا. وكان من الواضح قد بدء الجلسات أول أمس الجمعة بأن تلك الدول تفكر في رسم مرحلة سياسية جديدة في ليبيا بعد الفشل الواضح في المراحل السابقة، ولكن المختلف هذه المرة أنها لم تناقش إطاراً عاماً يسعى مجدداً للتقريب بين القادة الليبيين بهدف تصالحهم، ومحاولة جديدة لجمعهم على كلمة سواء.
فهناك مؤشران أوليان يبدوان الأهم في محاولة استشراف ما كان يمكن أن يحمله هذا اللقاء:
الأول يتمثل في غياب التمثيل الليبي، وهو دلالة على اتجاه دولي لتجاوز القادة الليبيين جميعاً.
والثاني هو أن أجندة اللقاء ستكون مناقشة المسارين، الدستوري والتنفيذي، ما يعكس انتقال المعالجة الدولية للأزمة الليبية إلى مرحلة أكثر تدخلاً.
فالدستوري يعني إجماعاً دولياً على ضرورة فرض مرحلة الانتخابات وإجرائها لإقصاء وجوه الطبقة السياسية الحالية، والتنفيذي مهم لوضع حد للخلاف الحكومي الدائر حالياً.
وأما من حيث تفاصيل وطبيعة مخرجات برلين3 شددت الدول المشاركة في الاجتماع/اللقاء الدولي التزامها دعم مسار شامل نحو إجراء انتخابات، باعتبارها حلاً وحيداً لأزمة البلاد، وأعلن مخرجات الاجتماع الذي استمر يومين، المبعوث الإيطالي الخاص إلى ليبيا، نيكولا أورلاندو، في تغريدات نشرها عبر حسابه على “تويتر”، وعقب الاجتماع، قال أورلاندو: “أكدنا مجدداً التزامنا المشترك بدعم مسار شامل للانتخابات في أسرع وقت ممكن، باعتباره السبيل الوحيد لحل الأزمة التي طال أمدها في ليبيا “.
وبحسب أورلاندو، فقد “رفض المشاركون في الاجتماعات عدم الاستقرار والإجراءات أحادية الجانب”، دون ذكر تفاصيل. وأعرب عن “تطلع المشاركين في الاجتماع إلى العمل بشكل وثيق مع الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة السينغالي “عبدالله باتيلي”.
** حول مستقبل تطورات الوضع في أفق نهاية أكتوبر المقبل
الثابت ومن خلال قراءات مخرجات برلين3 والحراك الجاري في المناطق الليبية الثلاث وطبيعة المشاورات الجارية بشكل رسمي وغير رسمي في عواصم الإقليم أن هناك سيرا نحو خارطة طريق توافقية وجامعة ولكن الثابت أيضا أن الأيام والأسابيع القادمة في ليبيا مثلما ستكون مليئة بالأحداث والتطورات والمتغيرات فإنها ستكون أيضا حُبلى بالمفاجآت.
كما أن امكانية الذهاب للانتخابات في ديسمبر المقبل او جوان/يونيو 2023 أمر وارد بل لا مفر منه في ذهنية الفعل الأممي وضمن فريق “بايدن” ولدى حلفائه في الإقليم كما أن تأجيل الرئاسية وإنجاز البرلمانية قد يكون اقرب للواقع وهو ما يعني إمكانية إقرار خارطة طريق اممية جديدة في افق نهاية الشهر الحالي كنتاج طبيعي للتحركات الحالية والتي تمت وتتم في الكثير من عواصم الإقليم سرا وعلنا.
ليبيا كانت ولا تزال رهانا استراتيجيا في صراعات النفوذ بين القوى الدولية أذرعها الوظيفية في الإقليم، كما أن إدارة وترتيب الملف الليبي في حده الأدنى ستعني آليا ترتيبات عاجلة في ملفات بعض دول الجوار وفي الساحل الافريقي تحديدا ذلك أنها بلد مفتاح لكل مربعات الإقليم وترتيب الملف الليبي ستكون انعكاساته الاقتصادية دراماتيكية على الوضع الاقتصادي في تونس ومصر والسودان وتشاد ومالي والنيجر.
سيتبين أن فاعلين ليبيين حاليين سياسيا واجتماعيا سيجدون أنفسهم خارج الحسابات السياسية مستقبلا وان اهم النتائج المرتقبة مستقبلا هي تجديد الطبق السياسية الحالية وأنها ستتحمل وزر واعباء أخطاء السبع سنوات الماضية.
عمليا قد يكون الحل المرتقب قابلا للتجسيم على الأرض سياسيا واجتماعيا وعسكريا لحظة قرار الأمريكيين النهائي تحويله بالكامل الى ملف أولوي في أجنداتهم – وهو حاليا كذلك بناء على ان ليبيا هي من ضمن عشر دول تشملها استراتيجيا الاستقرار ( الموضوعة سنة 2020) وهم بذلك يبحثون على استقرار كامل لمنطقة الشرق الأوسط ولمنطقتي شمال وغرب القارة السمراء (وبما يشمل أيضا منطقة الساحل الافريقي باعتبارها ساحة متحركة وتتحرك فيها التنظيمات الإرهابية).
وسيكون ذلك تحديدا بناء على عاملي التعاطي والتفاعل الأمريكي مع جاهزية القوى المحلية في هندسة مشهد سياسي مستقبلي ضمن إقليم متحرك متوسطيا وافريقيا وعربيا واسلاميا وبناء على ان واشنطن تضع روسيا والصين وايران كملفات أولوية لها في افق نهاية العقد الحالي وبناء على الخطوط الحمراء الامريكية الثلاث (انسياب النفط – التصدي للتنظيمات الإرهابية – منع التواجد الروسي عسكريا) .
***
علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية
_____________
