محمد عبد الحفيظ الشيخ

تهدف هذه الورقة إلى رصد جملة الصعوبات التي عرقلت إنجاز الاستحقاق الانتخابي الليبي في موعده المقرر، وكذا فرص النجاح في إنجاز هذا الاستحقاق، بحيث يفضي إلى خروج البلاد من أزمتها الراهنة.

الجزء الأول

مقدمة:

في ضوء معطيات المشهد الليبي ما بعد سقوط نظام القذافي، دخلت الدولة الليبية في أزمة شديدة التعقيد والتداخل، نتيجة غياب النضج الوطني والمؤسسي للنخب السياسية التي تولت إدارة الشأن العام ورسم خطط سيره، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام أطراف دولية فاعلة وإقليمية صاعدة وطامحة للتدخل في الشأن الليبي، حتى غدت تدخلاتها تصلّب مواقف الأطراف المحلية الفاعلة في الساحة الليبية، وهو ما أدى إلى عرقلة الحّل السياسي السلمي وشّله. ونتيجة لهذا التجاذب والصراع المحموم ازداد المشهد الأمني والسياسي الليبي تعقيدًا.

وبرغم كل المساعي والمبادرات السياسية في تقديم تصورات وخرائط لتقاسم السلطة بين الفرقاء الليبيين، فإنها لم تفلح في تحقيق أي تقدم يذكر في مسار حل الأزمة القائمة، ولم يكتب للتهدئة، ووقف إطلاق النار بين طرفَي النزاع الليبي حياة، إلا مع الجهود الأممية الأخيرة، والحضور الأمريكي الفاعل، التي انبثقت عن مؤتمر جنيف وأثمرت عن تسوية سياسية، تسلمت خلالها سلطة انتقالية منتخبة، تضم حكومة وحدة ومجلسًا رئاسيًا، مهماتها بهدف إعادة توحيد مؤسسات الدولة وضمان الأمن، وقيادة البلاد حتى الانتخابات التي كان مزمعًا إجراؤها في كانون الأول/ديسمبر 2021. غير أن ذلك لا يخفي تحديات كثيرة واجهت حكومة الوحدة الوطنية في تحقيق هذا الإنجاز.

تستمد هذه الدراسة أهميتها من أهمية الانتخابات كونها تمثل آلية غير عنيفة لتسوية الصراعات السياسية سلميًا بين الفرقاء الليبيين. إضافة إلى أن الانتخابات ستمثل علامة فارقة في تاريخ ليبيا الحديث والانتقال بالبلاد نحو عهد ومرحلة جديدة من الأمن والاستقرار.

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس التالي: ما التحديات التي واجهت حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة من الاتفاق السياسي الليبي الجديد وحالت دون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرر في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021؟

أولًا: مخرجات الحوار السياسي الليبي كفرصة مهمة للخروج من الأزمة

شهدت عملية التوافق السياسي في ليبيا، محطّات ومسارات متعدّدة، واختلفت مضامينها ومخرجاتها، بدءًا من الاتفاق السياسي في «الصخيرات» عام 2015، فباريس وبرلين وجنيف وبوزنيقة ثم القاهرة. وظلت روزنامة المصالحة مفتوحة ومستمرة، وتنتقل من بلد إلى آخر، واستمر الجدل حول أنجع السبل إلى واقع يعبّد الطريق إلى تسوية سياسية، تفتح أمامها مسار الخروج من الأزمة، يمكن من خلالها أن ينعم الليبيّون بسلام منصف ومستدام.

مثّل الاتفاق السياسي (الصخيرات) عند توقيعه في كانون الأول/ديسمبر 2015، نجاحًا مهمًا في طريق حل الأزمة، بعدما دفعت البعثة الأمميّة أطراف النزاع الليبي إلى الحوار بدعم إقليمي ودولي. إلا أن الفرقاء الليبيين الذين وصلوا إلى مرحلة توقيع اتفاق التسوية، لم يتمكنوا من تحقيق المصالحة الشاملة ووقف التصعيد العسكري. وهكذا بدلًا من أن يمثل «اتفاق الصخيرات» بداية مرحلة جديدة من التوافق، أصبح يمثل سببًا رئيسًا في تعميق الانقسام المجتمعي، وكرّس على نحو خاص التباين بين الأطراف السياسية المتصارعة في شرق البلاد وغربها، وخلق ذلك خريطة كثيرة التشظي، وهو ما سمح بمزيد من التدخّلات الخارجية.

والنتيجة كما رأيناها: حكومتان في البلاد، برلمان وحكومة مستقلة في الشرق الليبي يرأسها عبد الله الثني، يقابلها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الغرب، يقودها فائز السراج، وتداخلت في نطاقهما ليس السياسة والأيديولوجيا فقط، وإنما المصالح والأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية المحلية والخارجية أيضًا، في إطار التجاذب الكبير.

مع استمرار الجهود الأممية بهدف إخراج ليبيا من أزمتها العميقة، أعلن المبعوث الأممي الخاص السابق إلى ليبيا غسان سلامة، عن تنظيم «الملتقى الوطني الجامع» في مدينة غدامس، في منتصف نيسان/أبريل 2019، وأبدت البعثة الأممية حرصها على عدم استثناء أي طرف، ووجهت الدعوة إلى مختلف الشرائح السياسية الليبية.

إلا أن تعاظم الصراع العسكري ودخوله مرحلة حرجة مع بدء المشير خليفة حفتر هجومًا شاملًا على العاصمة طرابلس في الرابع من نيسان/أبريل 2019، أسفر عن إضاعة الفرصة أمام الجهود الأممية المكثفة، لاستكشاف مواقف الفرقاء الليبيين من التسوية، كما نتج منه ردود أفعال دولية واسعة ومتباينة تعكس مدى التخوف من تطور الأوضاع نحو الأسوأ، ليس داخل ليبيا فحسب، وإنما كل دول المنطقة التي باتت في الوضع الليبي بات يشكّل تهديدًا جديًا لأمنها واستقرارها.

تسارعت خطى المسار السياسي انطلاقًا من عدد من المؤتمرات الدولية، حيث عُقد في 10 كانون الثاني/يناير 2020، مؤتمر برلين وبمبادرة ألمانية، كان هدفه تسريع الجهود لتحقيق وقف إطلاق النار بين طرفي النزاع الليبي، وكذا إلزام القوى الخارجية بوقف دعم الأطراف الليبية بالسلاح والعتاد، والدفع نحو حل سلمي.

إلا أنه فشل في تحقيق ذلك، إذ لم تفِ القوى الفاعلة بتعّهداتها المتعلقة بإنهاء التدخلات الخارجية في الأزمة الليبية. بل إن هناك قوى إقليمية فاعلة في الساحة الليبية ذهبت أبعد من ذلك، إذ شرعت تركيا بالتدخل المباشر والمُعلن والنوعي، استهدفت من خلاله قوات المشير حفتر وخطوط إمداده وقواعده، فاضطرت هذه القوات بعدها إلى الانسحاب من محيط طرابلس إلى حدود سرت شرقًا والجفرة جنوبًا.

ولولا ضغوط المجتمع الدولي وإعلان القيادة المصرية في 20 حزيران/يونيو 2020 على نحوٍ حاسم أنّ سرْت والجفرة خط أحمر بالنسبة إلى مصر، لا يمكن لقوات حكومة الوفاق الوطني والقوى الداعمة لها تجاوزه، لكانت قوات الأخيرة قد وصلت تخوم بنغازي، وهو ما يزيد الوضع الليبي تعقيدًا، ويجرّ البلد إلى كارثة حقيقية.

ظلت الأزمة الليبية تراوح مكانها، ولعل من أبرز تجلياتها أنها لم تسفر في مجملها، عن نصر حاسم لطرف على حساب طرف آخر. في سياق حالة من الاستقطاب الإقليمي والدولي، وغياب إرادة دولية فاعلة لوضع حدٍ لهذه المأساة. النتيجة الأهم بعد دخول الدعم العسكري التركي في ليبيا، كانت القناعة التامة للأطراف المحلية وكذا الأطراف الخارجية المنخرطة فعليًا في الصراع الليبي باستحالة حسم الأمور عسكريًا وبعدم جدوى السلاح في إقصاء الطرف الآخر من المعادلة السياسية، ومن ثم ضرورة العودة إلى حل السياسي في ظل توازن الأوضاع ميدانيًا، وهو ما أعطى دفعة كبيرة للجهود الأممية والدولية.

وأسهم في توقف المعارك عند تخوم سرت والجفرة، وفتح هامشًا لحراك دبلوماسي؛ ليصلا في نهاية الأمر إلى تفاهم يرتكز على وقف دائم لإطلاق النار، والجلوس إلى طاولة حوار بهدف الوصول إلى تسوية سياسية تنتج منها حكومة توافق جديدة تضم جميع الفرقاء. أو تسوية تجنّب ليبيا الدمار، واستنزاف طاقاتها البشرية وإهدار مواردها ومقدراتها.

ثانيًا: الدور الدولي في الحوار السياسي الليبي

لا شك في أن دخول أمريكا بثقلها على خط الأزمة الليبية ودعمها جهود المبعوثة الأممية بالإنابة آنذاك «ستيفاني وليامز»، كان له دور حاسم في الضغط على طرفَي الصراع الليبي وتوجيهها نحو الاتفاق بأسرع ما يمكن. وفي السياق نفسه، جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو رافدًا لذلك، عندما قال إن «على الدول التي تتدخل في الشأن الليبي أن تكف يدها بأقرب وقت، وتترك المجال للفرقاء الليبيين كي يصلوا إلى حلول سريعة، نظرًا إلى ما لطول الأزمة من مخاطر على أمن واستقرار ليبيا وكامل المنطقة

وفي إثر ذلك، تم التوصل بين طرفي النزاع الليبي إلى اتفاق دائم وشامل لإطلاق النار. وتأليف لجنة عسكرية ليبية مشتركة (5+5)، تحت إشراف الأمم المتحدة، وبدعم من قوى دولية وإقليمية، كما تم التشديد على أن حل المشكلة يبقى بيد الليبيين أنفسهم.

يأتي هذا الدور في إطار حرص الولايات المتحدة على كبح الحضور والنفوذ الروسيين المتزايدين والداعمين للمشير حفتر، والحؤول دون استحواذ روسيا على السوق النفطية الليبية، وهو ما بات يؤرق أمريكا ويثير مخاوفها، وهذا ربما ما دفعها إلى التغاضي عن تدخل تركيا وتمتعها بهامش واسع في ليبيا، لوقف التمدد الروسي وحلفائه من المعسكر العربي، ومن هنا باتت أمريكا تنتظر الفرصة المواتية لدخولها على خط الأزمة الليبية بعد أن تكون رحى الصراع قد أنهكت الطرفين، وعدم قدرة أي طرف على حسم الصراع لمصلحته.

فأمريكا تدعم القوى الإقليمية للحفاظ على التوازنات، بغية استنزاف القوى الفاعلة وإعادة رسم خارطة النفوذ والتوازنات، وتحتفظ بالتدخل في اللحظات الأخيرة.

تبقى أمريكا اللاعب الوحيد القادر على أن يقود جهدًا شاملًا من أجل التوصل إلى اتفاق مُجمع عليه من جانب جميع الأطراف المؤثرة في الساحة الليبية، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أن أمريكا قادرة بصورة فريدة على دفع الفرقاء الليبيين إلى الدخول في عملية مفاوضات أساسها حسن النيات، وكذلك الضغط على الجهات الدولية والإقليمية الفاعلة في ليبيا كروسيا وتركيا وفرنسا ومصر والإمارات لوقف دعمها للأطراف المتنفذة على الأرض، وخصوصًا أن إدارة جو بايدن، ربما لن تتهاون مع التدخلات العبثية في ليبيا كما هي الحال مع إدارة ترامب السابقة، التي كانت تعبث بتبادل أدوار من طريق وكلائها في المنطقة.

وربما أن الحل لن يأتي من قوى منغمسة في الصراع الليبي، وتشحن وتعبئ الساحة الليبية على مقاس مصالحها بعيدًا من مصالح البلد الحيوية والمصيرية.

أكدت البعثة الأممية إلى ليبيا، من جانبها، دعمها جهود اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) الرامية إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار، وطالبت جميع الأطراف بدعم هذه الجهود بغية خلق بيئة ملائمة لإجراء الانتخابات في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2021.

كما جددت البعثة دعوتها كل الأطراف الفاعلة المحلية والدولية المعنية إلى ضمان التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار ودعمه وفقًا لقرارات مجلس الأمن. وفي السياق نفسه، أكدت وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية نجلاء المنقوش، حرص وزارتها على إنجاح هذا الاستحقاق الانتخابي، وعبّرت عن تقديرها للموقف الأمريكي الداعم للمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، وحرصها على أمن ليبيا واستقرارها. وتأتي هذه التطورات وسط تنامي الحديث عن وجود عقبات تعترض مسار العملية الانتخابية المقبلة.

وفي السياق نفسه، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ضرورة خروج القوات الأجنبية كافة من ليبيا، ودعم بلاده مخرجات الاتفاق السياسي ولا سيما اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5). وقال لافروف إن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود في بناء مؤسسات الدولة الليبية، ولا سيما الأمنية والعسكرية، أما المنقوش فقد ثمّنت من جهتها الدور الروسي الفاعل في وقف إطلاق النار ودعم العملية السياسية في ليبيا.

ثالثًا: آلية تأليف الحكومة الليبية ورؤيتها لإنجاز استحقاقات المرحلة

يعَدّ ملتقى الحوار السياسي الليبي إحدى الجهات التي مارست دورًا سياسيًا خلال مرحلة مهمة من تاريخ ليبيا، من خلال تصويته لاختيار السلطة التنفيذية، التي أعقبت حكومة الوفاق الوطني ومجلسها الرئاسي بعد انتهاء مدة ولايتها المتضمنة في الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015).

بدأت مباحثات الملتقى من تونس وبمشاركة 75 عضوًا تم اختيارهم من جانب البعثة الأممية يمثلون ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الليبي، وتم الاتفاق على خارطة طريق انتقالية، تضمنت توحيد مؤسسات الدولة المنقسمة على نفسها بين شرق البلاد وغربها، وتنتهي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 .

عدّت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هذا التطور فرصة مهمة ومشجعة لليبيين لإنهاء المرحلة الانتقالية، وكانت البعثة الأممية، قد أقرت آلية معقدة، نسبيًا، للترشح والتصويت تفاديًا للفشل في انتخاب قيادة للمرحلة الانتقالية، أو فوز فريق لا تتوافر فيه الشروط المطلوبة التي توافق عليها أعضاء الملتقى المجتمعون في جولة تونس والمتمثلة باختيار رئيس للمجلس الرئاسي من الشرق ونائبين له من الغرب والجنوب، ورئيس وزراء من الغرب.

كما اشترطت البعثة الأممية، بأن المشاركة في منتدى الحوار السياسي الليبي تتطلب تقديم تعهد مكتوب بعدم الترشح في المؤسسات الجديدة التي سيتم إنشاؤها.

اختار أعضاء الملتقى السلطة التنفيذية الجديدة، وتمت عملية التصويت على مرحلتين، حيث أُجريت الجولة الأولى في 3 شباط/فبراير 2021، بنظام التصويت الفردي لعضوية المجلس الرئاسي وفقًا للمجمعات الانتخابية، إلا أن فشل التصويت على الأفراد في حسم المنافسة، أفضى بالتوجه نحو مرحلة التصويت على القوائم، بعد عدم حصد أي منهم النسبة المطلوبة من التصويت وفق آلية المجمعات الانتخابية للأقاليم الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان)، حيث اشترطت الآلية التي أقرّتها البعثة الأممية أن تضم كل قائمة أربعة مرشحين، وفق التركيبة المتفق عليها مسبقًا.

أُجريت الجولة الثانية والأخيرة في 5 شباط/فبراير 2012، وبعد فرز الأصوات أعلنت مندوبة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة آنذاك، ستيفاني وليامز، عن فوز القائمة الثانية، بأغلبية أصوات أعضاء الملتقى، بــ 39 صوتًا من أصل 74، ليكون محمد يونس المنفي رئيسًا للمجلس الرئاسي، وعبد الله حسين اللافي وموسى الكوني نائبين له، وعبد الحميد محمد الدبيبة رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية. كانت هذه النتائج بمنزلة خلط جديد للخريطة السياسية الليبية، حيث ظهرت أسماء جديدة مقابل اختفاء أسماء كان يعتقد بأنها كبيرة ومؤثرة انتخابيًا، مثل القائمة التي ضمت صالح وباشاغا وجويلي والنصر.

بعدما نالت الحكومة ثقة مجلس النواب، في 10 آذار/ مارس 2021، أكد الدبيبة التزامه بدعم المجلس الرئاسي في تحقيق المصالحة الوطنية، وقال إن هناك استحقاقات تنتظرنا، أبرزها اعتماد قانون الانتخابات وقانون الحكم المحلي والموازنة العامة للبلاد. وأضاف أن حكومته «ستلتزم بإجراء الاستحقاقات في مواعيدها، وعلى أسس ديمقراطية، وسوف توفر لها وزارة الداخلية التأمين والحماية، مع اللجوء وطلب المساعدة من المنظمات الدولية، ومنها الأمم المتحدة، لدعم الانتخابات لوجستيًا وأيضًا في مراقبة الانتخابات.

من الواضح أن البرنامج الذي أعلن عنه الدبيبة يقفز على الأزمات المعقدة والشائكة التي تربك المشهد السياسي والأمني والاجتماعي الليبي. كما يتجاوز في جانب كبير منه السقف الزمني الممنوح لحكومته.

يبدو جليًا أن البعثة الأممية أسهمت في عرقلة عمل الحكومة الليبية الجديدة، وخصوصًا بعدما فرضت قاعدة تقسيم المناصب السياسية على الأقاليم الليبية الثلاثة (طرابلس الغرب، برقة، فزان)، وهو ما صّعب مهمة الحكومة في سياق تعدّ فيه المحاصصة والترضيات السياسية والقبلية والجهوية عامل الفرز الأهم.

أخذت العملية الانتخابية في ليبيا منعطفًا خطيرًا عندما سّن مجلس النواب قانونًا انتخابيًا مثيرًا للجدل في أيلول/سبتمبر 2021 من دون تصويت، وهو ما أثار استياءً كبيرًا في الأوساط السياسية الليبية، كونه صُمم خصيصًا على مقاس أشخاص بعينها (المشير خليفة حفتر)، بحسب رأي الكثيرين، ويفسر ذلك بغياب توافق في الآراء في شأن الأساس القانوني للاقتراع، وتضارب في المصالح وبعض الثغر في وساطة الأمم المتحدة، وهو ما أدى إلى فشل في إجراء الانتخابات الرئاسية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021.

ووجهت الانتقادات إلى رئيس مجلس النواب والمرشح الرئاسي عقيلة صالح على أنه المسؤول عن قوانين الانتخابات التي تمثل كارثة حقيقية.

في 21 أيلول/سبتمبر صوّت مجلس النواب على سحب الثقة من حكومة الدبيبة لأسباب تتعلق بسلبيات حول إعداد الميزانية والإنفاق الحكومي، إلا أن هذا الإجراء قوبل بالرفض داخليًا ودوليًا، اعتقادًا بأن طبيعة الحكومة ومهمتها مؤقتة، وتتمثل بتسيير أمور البلاد إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتسليم السلطة للمؤسسات المنتخبة، إذ أعلنت البعثة الأممية في ليبيا عبر بيان لها بهذا الشأن، أن حكومة الوحدة الوطنية هي «الحكومة الشرعية حتى إجراء الانتخابات».

تأتي استقالة المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش بصورة مفاجئة، الذي بدا بصورة واضحة أنه عاجز عن إدارة الملف الليبي، وهذا ما ذهب إليه هاميش كينير من معهد فريسك ماكلفروت إلى فشل كوبيتش وما تسبب به من إرباك رافق عملية سّن القوانين المنظمة للانتخابات. في إثره، تم تعيين الأمريكية ستيفاني وليامز كمستشارة خاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، حيث عقدت في الآونة الأخيرة عدة اجتماعات بين مختلف القوى السياسية الليبية في محاولة واضحة لإنقاذ الملف الليبي المعقد بفعل التدخلات الخارجية السلبية والاستقطابات الحادة.

بدأت الشكوك تحوم حول شرعية الانتخابات وقبول نتائجها، ولا سيّما بعد ترشح كل من سيف الإسلام القذافي، والمشير خليفة حفتر، وبدا التلويح بعدم قبول الاعتراف بأي منهما، مصحوبًا باستخدام القوة المسلحة من جانب بعض الميليشيات والجماعات المسلحة، وكذلك من جانب عملية «بركان الغضب»، التي هددت بإغراق صناديق الاقتراع في غرب البلاد.

وفي ظل تبني مجلس النواب الليبي رؤية مغايرة تمامًا عن تلك التي يتبناها المجلس الأعلى للدولة لوّح رئيسه خالد المشري باللجوء إلى القوة وتطبيق سياسة الأمر الواقع، ودعا أنصاره إلى الاحتجاجات والاعتصامات أمام مقر المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بل ذهب أبعد من ذلك عندما طالب بمحاصرة المفوضية.

وكان المجلس الأعلى للدولة قد أصدر بيانًا أكد فيه رفضه التام للقوانين الانتخابية وليس لإجراء الانتخابات في موعدها، مع تحميل المفوضية الوطنية للانتخابات والبرلمان المسؤولية عن ما يترتب عنه من عواقب وخيمة عن مواقفهما والتمسك بتلك القوانين التي يراها – حسب بيان المجلس الأعلى للدولة – أنها مناوئة لاستعادة الثقة والوحدة ومعززة للانقسام بين الليبيين.

وفي خطوة مهمة ومشجعة للخروج من الأزمة الليبية القائمة، استقبل المشير خليفة حفتر في بنغازي في 21/12/2021، كلًا من فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، وأحمد معيتيق، نائب رئيس المجلس الرئاسي، إضافة إلى عدد من المرشحين للرئاسة ضم العارف النايض، وعبد المجيد سيف النصر، ومحمد المنتصر، وناقش الاجتماع آخر تطورات العملية الانتخابية وآليات سدّ الفراغ السياسي بعد 24 كانون الأول/ديسمبر.

كما شدّد الاجتماع على ضرورة كسر الحاجز القائم بين الشخصيات والفعاليات السياسية في شرق البلاد وغربها، والتشديد على إجراء الانتخابات في أقرب وقت، ومواجهة المعرقلين للانتخابات الرئاسية في ليبيا، ورأب الصدع بعد أن بات تأجيل الانتخابات أمرًا محسومًا وتجنب العودة إلى نقطة الصفر. هذا واتفق المجتمعون على أن تجرى لقاءات مماثلة لاحقًا في العاصمة طرابلس.

يبدو واضحًا أن الاجتماع كان يهدف إلى التحضير لمرحلة ما بعد 24 كانون الأول/ديسمبر، من خلال تأليف حكومة جديدة، لا يرأسها الدبيبة، وتغيير أعضاء المجلس الرئاسي، ووضع خارطة طريق للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. غادر باشاغا، إلى القاهرة وأجرى لقاءً مع رئيس الاستخبارات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، وتم التباحث بشأن المصالح المصرية، مقابل تقديم القاهرة كل أوجه الدعم اللازم لباشاغا في أي مهمة مرتقبة خلال المرحلة المقبلة، مع التشديد على الثوابت الخاصة بحفظ الأمن الإقليمي.

وفي وقت سابق، تلقت مصر إشارات إيجابية عقب إعلان باشاغا ترشحه للانتخابات الرئاسية، بعدم المساس بكل الاتفاقيات الموقعة بين القاهرة وحكومة الوحدة الوطنية. ولدى مغادرته القاهرة توجه باشاغا إلى أنقرة للقاء المسؤولين الأتراك، حيث تناول اللقاء رؤيته بشأن إدارة البلاد حال قيادته لحكومة «انتقالية» ترتيبات المرحلة المقبلة.

يتبع في الجزء الثاني بدءاً بـ رابعًا: تبعات تأجيل الانتخابات الليبية وردود الأفعال المتباينة

***

 د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ـ عميد كلية القانون، جامعة الجفرة ـ ليبيا

______________

مركز دراسات الوحدة العربية

مواد ذات علاقة