د. الفيتوري صالح السطي و د. محمد هدية درياق

المجتمع الليبي لم ينس تجاربه السابقة من الاستحقاقات الانتخابية، وهي انتخابات المؤتمر الوطني العام، وانتخابات مجلس النواب، وانتخابات هيئة صياغة مشروع الدستور، ولم ينس كذلك الانتكاسات التي حدثت بعد كل مرحلة، مما دفع بالعديد للنظر إلى الانتخابات القادمة بنظرة الأمل والتفاؤل… ولكن!.
الجزء الأول
ملخص:
مرت ليبيا بعدد من الاخفاقات في مرحلة التحول الديمقراطي بعد ما سمي بالربيع العربي وتحديدا بعد أول عملية انتخابية في 2012، لأنها مرحلة انسلاخ من نظام لآخر ترك أثارا عميقة فيها، وآلت البلاد إلى حالة الفوضى واستنزاف الموارد وتولت قيادة البلاد مجموعات ليس لديهم كفاءة تعمل لمصالحها الشخصية أو الجهوية أو لصالح أجندات خارجية.
غير أن تلك التجارب يرى البعض أنها مراحل لابد من المرور بها نظرا لحالة التحصر والتقوقع التي مر بها المجتمع الليبي، حيث جاءت مرحلة المؤتمر الوطني العام واستبشر الليبيون به خيرا، غير أنه هناك عديد من الاخفاقات التي صاحبت تلك المرحلة، منها: عدم الوعي السياسي بالعملية السياسية، وقلة المعرفة بأهمية التداول السلمي للسلطة، ونتج عن ذلك وصول خيارات سيئة لقيادة البلاد نتج عنها عدم اعتراف البعض بنتائج الانتخابات والذي بدوره أنتج الانقسام المؤسسي والسياسي وانتشار الفساد، وبنفس الاخفاقات تم انتخاب مجلس النواب وكانت مخرجاته أسوأ من سابقاتها وزادت معاناة المواطن وساء الوضع في ليبيا واستمر العبث بمقدرات الشعب الليبي. غير ان تلك الاخفاقات هي بمثابة مدرسة تعلّم منها الشعب واتخذ منها المناعة من أجل الانتصار مستقبلا في المسلك الديمقراطي.
وبعد طول انتظار جاء موعد لتنفيذ الاستحقاقات الانتخابية، موعدا قد مضى وآخر لم يأتي، غير أن هناك بعض الأصوات التي تسعى لبقاء كابوس التشتت وتعدد الحكومات والمؤسسات وتقف دون وحدة الدولة ورحيل الاوصياء على ليبيا والليبيين، منها وجود مجموعات مسلحة ترفض قيام الدولة الديمقراطية وتريد الاستمرار في السيطرة واستنزاف الموارد، وصدور تصريحات عن بعض الشركاء في الوطن بعدم الاعتراف ببعض الاشخاص حتى وإن تم انتخابهم من الشعب، وآخرين ينصبون أنفسهم أوصياء على الليبيين وغيرها.
المقدمة:
حدد معظم الباحثين والمهتمين بالدولة وقوتها مجموعة من العوامل التي تجعل الدولة قوية، منها العامل الجغرافي والموارد الطبيعية، وعدد السكان والنظام السياسي الذي يدير تلك الموارد. والإنسان بطبيعته يسعى دائما أن يكون الأفضل ولا يستطيع الفرد المشاركة في دفع الدولة لتكون قوية إلا من خلال اختياره للنظام السياسي الكفء، والقادر على القيام بدوره في توظيف العوامل السابقة بشكل جيد لكي تصبح الدولة قوية.
وتحقق في ليبيا أغلب متطلبات الدولة القوية لو توفر لها نظام سياسي وطني ليس له توجهات متشددة ويتمتع بالإرادة المستقلة عن الخارج بحيث يستطيع أن يدير البلاد بشكل جيد بعيدا عن تمزق المجتمع وانقسامه بعدما نهبت ثرواته، أصبح الاحتكام فيه للسلاح هو السائد والسيطرة للقوي وانتشر فيه أغلب أشكال الفساد. وطن واحد ولكن فيه أكثر من حكومة وجيش ووزارة، وغالبية الشباب ليس لديهم اهتمام بالسياسة يتكئ في معظم الأمور على غيره ويترك تدبير الامور لجهات جهوية أو قبلية أو مناطقية ذات توجهات مصلحية ضيقة.
رغم ذلك ظهر بريق أمل للقيام بالاستحقاقات الانتخابية وذلك بمحاولة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر 2021، وما بعدها من تعهدات وذلك باتفاق لجنة الحوار السياسي أو ما وعد به مجلس النواب بالاتفاق مع مجلس الدولة، بدعم وإجماع دولي. غير أن حكومة الوحدة الوطنية التي كانت نتاج اتفاق لجنة الـ 75 لم تنجح بشكل كاف بالتمهيد لإجراء الانتخابات وذلك بتوحيد المؤسسات المنبثقة عن الحكومات السابقة.
كما أن المجلس الرئاسي الذي أوكلت له مهمة تحقيق المصالحة الوطنية وممارسة اختصاص القائد الأعلى للقوات المسلحة بقي دوره غير واضح وعاجز عن تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وعن توحيد المؤسسات وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات يقبل بنتائجها، غير أن ازدياد يقين الليبيين للوصول إلى مبتغاهم بإجراء الانتخابات في موعدها بعد إصدار البرلمان الليبي قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مدعوم بموافقة الدول الكبرى وترحيب أممي، دفع بأعداد كبيرة للترشح لتلك الانتخابات يحذوهم الأمل في توحيد البلاد وإنهاء الإنقسام.
غير أن المجتمع الليبي لم ينس تجاربه السابقة من انتخابات المؤتمر الوطني العام إلى مجلس النواب ولجنة الستين، والانتكاسات التي حدثت بعدها، دفع بالعديد للنظر إلى الانتخابات القادمة بنظرة الأمل والتفاؤل. الأمل في نجاح الانتخابات والاتفاق على تكوين حكومة موحدة تفضي إليها صناديق الاقتراع والتي بدورها توحد المؤسسات والقوى العسكرية والأمنية وتسيطر على كامل التراب الليبي وتنهي الفوضى وتهريب الثروات خارج البلاد وتقضي على عصابات الجريمة المحلية والإقليمية والإتجار بالبشر، وإنهاء حالة الانقسام والتشرذم، وكذلك الخوف من حدوث انقسام سياسي وحرب أهلية ووصول أشخاص غير مؤهلين أو عملاء لقيادة الدولة في هذه المرحلة الصعبة باستعمالها للمال للسيطرة على حكم البلاد وانتكاس الوضع إلى أسوأ مما كان عليه.
لذلك تتلخص مشكلة هذه الدراسة بعرض الجوانب التي قد تضر بالعملية الانتخابية من خلال تجارب الماضي بعد انتخابات 2012 التي مر بها المجتمع الليبي والتي نعتقد أنها ساهمت في إفشال العملية السياسية، ذلك للتوضيح وتجنبا للانزلاقات التي قد تحدث بين الشركاء السياسيين من أجل الوصول لدولة مستقرة ذات مؤسسات موحدة وكذلك إنهاء الانقسام السياسي، في قراءة استشرافية للعوامل التي توثر على الإيفاء بالاستحقاقات الانتخابية القادمة.
بالنظر إلى ما سبق، قام الباحثان بتناول تلك الجوانب وذلك من خلال محورين:
أولهما: عرض الاخفاقات التي مرت بها العملية السياسية في ليبيا من انتخابات المؤتمر الوطني العام، وانتخابات مجلس النواب، وانتخابات لجنة صياغة مشروع الدستور.
ثانيهما : طرح قراءة تحليلة لما حدث للإيفاء بالاستحقاق الانتخابي في 24 ديسمبر 2021، وذلك بالتعريج على بعض الشعارات التي ظهرت على الساحة السياسية من الجهويين والمصلحيين التي تهدف لعرقلة العملية الانتخابية وتحاول الوقوف ضد قيام الدولة بدوافع داخلية وخارجية.
المبحث الأول: تجارب الماضي للانتقال السياسي في ليبيا من 2012 ـ 2014 والانتكاسات الناتجة عنها
مرت العملية السياسية في ليبيا بمجموعة من المحطات بعد عام 2011 في محاولة من قادتها لملء الفراغ السياسي الذي ظهر بعد تفتت مؤسسات الدولة والتي تعاني في الأساس من الضعف، حيث قام المجلس الوطني الانتقالي بالدعوة لإنتخابات المؤتمر الوطني العام والذي تولى قيادة الدولة. ولكن الذي حدث هو التصادم المستمر بين أعضاء المؤتمر مما أدى لانتكاسة العملية السياسية برمتها. لذلك سنحاول تتبع تلك المراحل ونعرض عيوبها والانتكاسات الناتجة عنها.
أولا: انتخابات المؤتمر الوطني العام
من خلال الانتخابات التي جرت في 7 يوليو 2012، حل المؤتمر الوطني العام في ليبيا محل المجلس الوطني الانتقالي كسلطة عليها في البلاد متمتعا بالسلطات التشريعية وتولى مهام أعلى سلطة في الدولة خلال الفترة الانتقالية، وضم المؤتمر في عضويته 200 عضوا، وانتهت مهامه في 7 نوفمبر 2014.
حصل حزب العدالة والبناء على 17 مقعدا، مقابل تحالف القوى الوطنية الذي فاز بـ 39 مقعدا، وبين تلك الكتلتين المحسوبتين على التيار الإسلامي والليبرالي حدث تصادم وعدم اتفاق في كثير من الاستحقاقات ومنها الفشل في تشكيل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور والتي كانت ستحدد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بما لا يتجاوز فبراير 2014.
الانقسام وعدم التوافق داخل المجلس على شكل الدولة، حال دون إصدار الدستور في موعده، بالاضافة إلى الإنفلات الأمني، مع عدم استطاعة السلطة المنتخبة فرض شرعيتها، وبانتهاء فترة ولايته اصدر المؤتمر قرار بتمديد عمله إلى نهاية العام، وفشل في إنجاز مشروع الدستور ووضع قانون انتخاب مجلس النواب.
ونظر لتلك الصدامات وعدم الاتفاق والتوافق حدث تعثر شديد في عملية الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة ويرجع ذلك لمجموعة من الأسباب أهمها:
1ـ غياب الوعي السياسي
لغياب الوعي السياسي آثار سلبية عديدة، فلا يمكن للمجتمع أن يحدد مستواه بين المجتمعات ويتعرف على واقعه في ظل غياب الوعي السياسي لأفراده، كما يصعب على المجتمع تحديد مواطن القوة والضعف والعوامل المؤثرة فيه في ظل غياب الوعي السياسي بسبب صعوبة التنبؤ بتداعيات الظروف السياسية التي تحيط به، وذلك للقصور الناتج من عدم الفهم وكيفية التصرف للخروج من المآزق التي قد تحدث أثناء التقلبات السياسية والحراكات الشعبية.
إن خير دليل على ذلك ما صارت إليه الأمور بعد عملية تغيير النظام السياسي في 2011، حيث انقسم الرأي ما بين تيار يرى تبرير الاستبداد خوفا من نتائج الثورات في ضوء انخفاض الوعي وتفشي الأمية السياسية، وتيار آخر يرى الثورة هو طوق النجاة للتخلص من الاستبداد وحصول الشعوب على حريتها.
ونظرا لقلة الوعي وعدم الفهم حدث كثير من اللغط وانحرفت الجماهير عن مبتغاها. لذلك يحتاج الفرد إلى سياسة واعية، وشاملة للظروف والأزمات التي تجتاح المجتمع ليكون قادرا على التعرف على الظروف التي تحيط به محليا وعالميا.
إن غياب الوعي السياسي يضع الديمقراطية الواعدة في خطر، ويفتت مفهومها ويفقدها سلوكها السليم، كما يترتب على غياب الوعي السياسي الكثير من الإشكالات التي تضر بحياة المجتمع، أهمها الفهم الغلوط للنظام السياسي الذي يخلط بين السياسة والأخلاق، فالديمقراطية ليست مجموعة أفكار ومبادئ تكتب في نصوص دستورية فحسب، بل هي ممارسة وسلوك ومعاملة المجتمع كله لتلك الافكار والمبادئ والحقوق. لذلك يعتبر الوعي السياسي للمجتمعات هو الاساس في التطبيق الفعلي للديمقراطية، وبذلك الوعي يحدد الإنسان المطلوب منه ويلتزم به، وإن إي انخفاض في نسبة الوعي يهدد الديمقراطية ويسيئ لسمعتها.
ومن خلال الدراسة التي أجريت على عينة من النخب الشبابية (طلاب الجامعات)، أظهرت النتائج أن الطالبات أكثر إلماما ووعيا بالجوانب السياسية من الطلاب بنسبة 60%، ويرجع ذلك الارتفاع لظهور تأثير وسائل الإعلام والتي تعتبر أكثر الوسائل نقلا وتأثيرا للوعي السياسي حسب رأي العينة، ومعظم الطالبات يكون عملهن المنزلي أو المكتبي قريبا من تلك الوسائل، بينما الشباب الذكور يقضون معظم أوقاتهم في الاعمال الميدانية بعيدا عن تلك الوسائل.
كما تبين من خلال نتائج التحليل أن هناك علاقة طردية بين العمر والوعي السياسي، حيث تبين بأن الطلاب الأكبر أعمارا هم الاكثر إلماما بالجوانب السياسية. وهذا يعتبر من المسلمات لان هناك علاقة طردية بين العمر والمستوى العام للمعرفة.
كما بينت النتائج وجود علاقة عكسية بين مستوى الدخل والوعي السياسي، حيث أظهرت النتائج أن الفئة الأقل دخلا أكثر وعيا ومعرفة بالجوانب السياسية، وذلك نظرا لانشغال ذوي الدخل المرتفع أكثر من الفئات الأخرى.
كما أظهرت النتائج وجود علاقة طردية بين مستوى الوعي السياسي ونوع السكن لصالح سكان المدينة عن القرى (خارج المدن)، حيث اتضح بأن سكان المدن أكثرا إلماما ووعيا بالجوانب السياسية بنسبة 70% عن القاطنين خارج المدينة، ويرجع ذلك لوجود قنوات نقل الوعي والمعارف والثقافة السياسية بالمدن أكثر من الأرياف، وانشغال الارياف أكثر من سكان المدن بالأعمال الزراعية.
2ـ غياب المعرفة السياسية:
قام الباحث (الفيتوري السطي) بدراسة لقياس المعارف السياسية لطلاب الجامعات الليبية في العام 2018، اشتملت الدراسة على عينة من النخب الشبابية (طلاب الجامعة)، واستهدفت العينة طلاب جامعتي سرت وعمر المختار، وركزت الدراسة على جوانب المعرفة السياسية، بشكل أكثر تفصيل ودقة، حيث تم تقسيم المعارف إلى معارف قانونية المعرفة بمؤسسات الدولة السياسية، والمعرفة بالقيادات والشخصيات السياسية وبالتاريخ والجغرافيا وبأنواع أنظمة الحكم وبطرق ممارسة العملية السياسية.
وبينت النتائج أن مستوى المعارف لدى الشباب متوسط بنسبة 60% من العينة، كما أوضحت النتائج نسبة المعرفة لدى الإناث أكثر منها لدى الذكور، وأرجع الباحث ذلك لانشغال الذكور بأمور الحياة اليومية وقلة وسائل نقل المعرفة السياسية والتي تكون ناقلة للمعارف بطريقة بسيطة وسهلة مثل قنوات الإعلام والانترنت، بعكس العناصر النسائية والتي يكون معظم أماكن العمل مهية بتلك الوسائل، مع تتبع الإناث لتلك القنوات.
أما حسب العمر بينت النتائج وجود علاقة عكسية بين قبول المعرفة السياسية والعمر. أما حسب محل الإقامة فتبين وجود علاقة طردية بين مكان السكن والمعرفة السياسية “كلما زاد الازدحام السكاني، زادت المعارف السياسية”. وهذا يؤكد على أهمية الإكتظاظ السكاني في نقل المعرفة السياسية بين أفراد المجتمع سواء بين الافراد أنفسهم أو كثرة التعرض لوسائل نقل الثقافة والتي تكون متوفرة بشكل أكثر.
وحسب مستوى دخل الفرد والأسرة بينت النتائج أن ذوي الدخل المتوسط هم أكثر معرفة بالجوانب السياسية، ويعلل ذلك بأن أصحاب الدخول المرتفعة تكون الأغلبية منهم من أصحاب المهن والوظائف الخاصة والتي يكون فيها الانشغال بالعمل أكثر، مع عدم وجود الوقت لديهم وانشغالهم عن تتبع قنوات نقل المعرفة السياسية ويكون الاهتمام أكثر بتقبل المعرفة المهنية والوظيفية.
النتائج وجود علاقة عكسية بين العمر ومستوى المعرفة السياسية، وهذه النتيجة تدل على قلة اهتمام الأنظمة السياسية السابقة بتوظيف قنوات نقل المعرفة السياسية للشباب فنتج عن ذلك شباب مفرغ من محتوى المعارف السياسية
…
يتبع
***
د. الفيتوري صالح السطي ـ استاذ مساعد ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة سرت، ليبيا.
د. محمد هدية درياق ـ استاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة سرت، ورئيس المركز الأكاديمي للدراسات المستقبلية.
_________________
مجلة اتجاهات سياسية: العدد الثامن عشر ـ مارس 2022
