عبد الله الكبير

لذلك فإن مبادرة الناس إلى الخروج والتظاهر مطالبين برفض التمديد، وإسقاط البرلمان ومجلس الدولة، في ظل أجواء القمع والقتل، إنما تؤكد أن الأوضاع لم تعد قابلة للاحتمال في مدن الشرق، ورغم أن المظاهرات خرجت في عدة مدن لم تكن بنغازي من بينها، إلا أنها كانت كافية للإعلان عن عودة الشارع لموقعه الفاعل في الحراك السياسي ضد الطبقة السياسية الفاسدة.
لا تملك القوى العسكرية والأمنية المساندة للبرلمان، والمسيطرة عليه في نفس الوقت سوى القمع لمواجهة المظاهرات، وهذا طبيعي ومألوف في كل بلد أو منطقة تقع تحت سيطرة عجوز حالم بالسلطة، من بقايا أجيال جنرالات الوهم والهزيمة في البلاد العربية، ولكن القمع وحده لا يكفي، بل ربما يزيد من تصاعد الاحتجاجات لتصبح الدماء بمثابة الوقود على نيران الغضب.
سيتحدد ذلك من حركة الميادين والشوارع، فإذا استسلم الناس لليأس وشعروا بالخذلان، وتراجع زخم المظاهرات، ولم تصرخ الميادين بأعلى صوت مطالبة بإنهاء مجلسي النواب والدولة، تكون النخبة السياسية قد نجحت في حرف الناس عن معركتها الحقيقية.
الطارئون علي السياسة لا يستوعبون دروس الماضي، لذلك سخر نائب في برلمان عقيلة بوسويط من مظاهرات البيضاء، حين وصفها بإجراء خاطئ من وزير الرياضة بإخراج الناس لممارسة الرياضة في طقس بارد!
ويعكس هذا الوصف الساخر حالة الإنكار لدى النائب، فهو يرفض تصديق خروج الناس ضد برلمان عقيلة، ويبدو أن موقف غالبية النواب سيكون في هذا الاتجاه، أي الانكار والرفض، ما يعني أن المواجهة معهم ستطول، إذ لن يسلموا بسهولة، ماينذر بتطور الصراع إلى ممارسة العنف ضد المحتجين، في تكرار لحدث مألوف منذ تاريخ قريب.
بينما أقر رئيس واعضاء مجلس الدولة، ماعدا القلة، بحق الناس في الاحتجاج والمطالبة بالتغيير، عبر التعجيل بإجراء الانتخابات، ورضخوا لمطالب الشارع، وتراجعوا عن موقفهم السابق، رافضين في جلسة علنية قرارات البرلمان الأخيرة.
على المستوى السياسي، يواصل أصحاب صفقة تقاسم السلطة ترتيباتهم لإخراج حكومة جديدة تزاحم الحكومة الحالية، وتؤكد العودة لحالة الانقسام، وبينما يظهر الارتباك في المواقف الدولية إزاء هذه التطورات، فإن انشغال العالم بالحرب في أوكرانيا وتداعياتها، سيدفع بالعوامل الداخلية إلى موقع التأثير الرئيسى في التطورات المقبلة.
وقد زادت مواقف المستشارة الأممية من هذا الارتباك، بمسايرتها للقوى السياسية المتحفزة للسلطة، من دون انتباه للحراك المتصاعد في الشارع، رفضا للتغيير من دون إجراء الانتخابات، وهي التي انتقدت سابقا الطبقة السياسية، وطالبتهم بالتوقف عن لعبة الكراسي الموسيقية لتكريس بقائهم في السلطة، وتحديد موعد للانتخابات.
ماهو عنوان المرحلة المقبلة؟
الصراع بين حكومتين؟ أم بين الشعب ونخبة سياسية فاشلة وفاسدة لا تريد المغادرة؟
سيتحدد ذلك من حركة الميادين والشوارع، فإذا استسلم الناس لليأس وشعروا بالخذلان، وتراجع زخم المظاهرات، ولم تصرخ الميادين بأعلى صوت مطالبة بإنهاء مجلسي النواب والدولة، تكون النخبة السياسية قد نجحت في حرف الناس عن معركتها الحقيقية إلى نفس دوامة الصراعات السابقة، التي تنتهي عادة بتسوية مؤقتة.
لذلك من المهم في هذه اللحظة أن تتشكل قيادة من مؤسسات مدنية وشخصيات بعيدة عن دائرة صراع السلطة، تدير الحراك وتنظمه.
فالعمل السياسي إذا افتقد للتنظيم لا يعول عليه.
************
أخبار لا تنبئ بخير قادم!
بعد إعلان مجلس النواب مساء اليوم الثلاثاء عن منح الثقة للتشكيلة الحكومية التي طرحها رئيس الوزراء المكلف فتحي باشاغا، انقسمت ردود الفعل بين مؤيد ومعارض ومحذّر من مغبة هذه الخطوة.
الرد الأبرز جاء كما كان متوقعاً من حكومة الوحدة، والتي أعلنت في بيان لها أنها مستمرة في عملها إلى حين إنجاز الانتخابات في شهر يونيو القادم، مؤكدة أن ما أقدم عليه “النواب” مخالفة للإعلان الدستوري وخطوة تفتقد للشرعية، ومتهمة مجلس النواب بالتلاعب والتزوير بنتائج التصويت.
كما أشار رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، إلى أن “منح النواب الثقة لحكومة جديدة هو مخالفة للاتفاق السياسي، وأن المجلس الأعلى للدولة يرفض الخطوات “المنفردة” للنواب”.
الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن السويحلي، أكد استمرار حكومة الوحدة الوطنية بمهامها حتى إنجاز انتخابات يونيو القادم، وأضاف السويحلي أن “المسرحية الهزلية لبرلمان عقيلة قد انتهت بقفزة أخرى في الهواء هي والعدم سواء، فضلاً عن التزوير والتلاعب الفاضح الذي شابها”، حسب قوله.
من جانبه، أشار رئيس الحزب الديمقراطي محمد صوان، إلى أن ما يجري الآن رغم كل الظروف الصعبة والاستقطاب الحاد والمخاوف المتبادلة والناجمة عن مراحل الصراعات السابقة العنيفة؛ إلا أنه “يمثل هذه المرة محاولة لاستعادة الليبيين زمام المبادرة السياسيّة والتأسيس للشرعية الصحيحة النابعة من الليبيين؛ فهم المصدر الأساسي للشرعيّة مهما كانت هشاشة المشهد الليبي، الشرعية التي كانت تُستمد من الاعتراف الدولي ابتداء من 2014”
بدوره، أشاد مندوب ليبيا السابق في الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي، بخطوة منح الثقة لحكومة باشاغا، وأعرب عن تهنئته “لكل الليبيين والليبيات بتشكيل أول حكومة بتوافق وطني بعيداً عن تدخل الأمم المتحدة والقوى الأجنبية.” كما دعا الدباشي “أن تكون الحكومة الجديدة في مستوى الآمال المعقودة عليها وأن توفق في جمع شمل الليبيين والوصول بهم إلى انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب وقت ممكن.”
الكاتب والباحث السياسي محمد الجارح، أكد في منشور له أن فتحي باشاغا “بات يملك اليوم فرصة لقيادة ليبيا الى الانتخابات بعد أن فشل عبد الحميد الدبيبة في ذلك”، مضيفا في الوقت نفسه أن طريقة تشكيل الحكومة لا تنبئ بخير، إلا أن قيادة باشاغا قد تكون مختلفة عن إدارة الدبيبة، وتشكل الفرق بين الفشل والنجاح.
ردود فعل متباينة تجاه حكومة باشاغا تعكس تباين الآراء بخصوصها وتظهر بوضوح أن مهمة الحكومة القادمة لن تكون سهلة في ظل رفض عدد من الأطراف السياسية الاعتراف بها، فهل سينجح باشاغا بتعبيد الطريق أمام حكومته وتحقيق ما وعد به وعجزت عنه حكومة الدبيبة بإيصال البلاد للانتخابات؟
____________
المصدر: صفحات التواصل الاجتماعي