أكبر تحديات السلطة المُنتخبة هي توحيد الجيش الليبي والسيطرة على القطاع الأمني وثروات النفط

في أولويات السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا مهام صعبة وتحديات جسيمة.

العنوان الأكبر هو الالتزام بموعد الانتخابات.

لكن ميراث الحرب الأهلية والصراع القبلي والتدخلات الأجنبية تبدو مهام أكثر أهمية، وأكثر صعوبة.

والسلطة موجودة في موقع القرار بصورة مؤقتة، حتى الانتخابات المقرر لها نهاية 2021. أي أنها تمتلك عملياً 10 أشهر فقط لإضافة تغيير إيجابي وملموس للمشهد الليبي القاتم.

السطور التالية تستعرض أبرز التحديات العاجلة التي يتعين على السلطة الجديدة الشروع في التعامل معها على وجه السرعة.

أول ما تصطدم به السلطة في هذا الملف سيكون تمسك اللواء خليفة حفتر بمشروعه “الشخصي” في بناء قوة عسكرية  بقيادته ومحاولات انقلاباته المتكررة.

هناك أيضاً تدني مؤسساتية القوات الداعمة لحكومة الوفاق الوطني.

ويزيد الأمر صعوبة مع تطبيق المحاصصة التي يتدافع عليها الفاعلون الدوليون والإقليميون للاستئثار بمصالح اقتصادية مهمة في قطاع الطاقة الليبي.

وفي مطلع سبتمبر/أيلول 2020، تلقى مجلس الأمن تقريرين عن انتهاك بعض الدول حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. 

وتزايد بشكل خاص الدعم اللوجستي العسكري المباشر من روسيا لمجموعة فاغنر، وربما شركات عسكرية خاصة أخرى مقرها في الاتحاد الروسي، حتى يونيو/حزيران 2020.

منذ  عام 1979 هيمنت اللجان الثورية على الحياة السياسية، وتكوّنت من أتباع مخلصين لعقيدة القذافي. وقد قدَّر الدكتور محمد خلف الله في 2002 عدد عناصر اللجان الثورية بنحو 60 ألفاً. 

كانت هذه اللجان الثورية مسلحة تسليحاً جيداً، بصلاحيات قضائية لإنشاء محاكم ثورية، تطارد المعارضين وتحكم عليهم بالسجن والموت أحياناً.

ثم استولت قوى الثورة العسكرية على ترسانة أسلحة القذافي الضخمة. وكانت كمية السلاح الأكبر من نصيب مدن المنطقة الغربية، وخصوصاً مصراتة والزنتان. 

انتشار السلاح في ظل المظالم المتراكمة عبر عقود وغياب مؤسسات الأمن والقضاء أدى إلى إنتاج ظروف غير مستقرة في البلاد، وسرَّع من الصدام بين قوى الثورة والكتائب والشخصيات المنشقة عن النظام خصوصاً في شرق البلاد.

انهالت التوصيات الدولية على المجلس الانتقالي بضرورة جمع السلاح وتفكيك ميليشيات الثوار ودمجها تحت قيادة الجيش، إلا أن هذا كان مستحيلاً لعدة أسباب منها:

غياب ثقة الثوار بتمثيلهم السياسي.

التنافس القبلي والمناطقي على الريادة والمكاسب، الذي تحول لاحقاً لنزاعات مسلحة وفرت غطاء لنزاعات أخرى.

التخوف من عودة أزلام النظام السابق بثوب الثورة على رأس الأجهزة الأمنية والعسكرية.

تمسك الثوار بالمكاسب المادية والسياسية التي حققوها، حيث كانوا على يقين من ضياعها فور تسليمهم السلاح أو حل كتائبهم.

تمسك الثوار بمطالبهم بتصفية الجيش من الرتب العليا و”أزلام النظام”، أي الفلول.

حاول القذافي تهميش دور القبيلة بحكم انحداره من قبيلة القذاذفة الضعيفة، لكنه إزاء محاولات الانقلاب حرص على إعادة دور القبيلة بتقوية قبيلته وأبناء عمومته، وتحالفات مع قبائل مثل المقارحة والورفلة وأولاد سليمان، وتأجيج التناقضات والصراعات بين القبائل الأخرى.

وبعد سقوط نظام القذافي، وعند تحديد منتصف 2012 موعداً للانتخابات، بدأت عمليات الاستقطاب السياسي والمناطقي وآثارها تظهر بوضوح.

وجاء دور معظم القبائل بعد الثورة مماثلاً لما كان عليه قبلها، مع انتشار السلاح الذي عزَّزَ من قدرة القبيلة على مساومة السلطة على مغانم ومكاسب محددة. 

أصبح دور القبيلة الآن هو البحث عن الغنيمة ومنافسة القبائل عليها دون اعتبار للعواقب السياسية.

“الأصدقاء والحلفاء” يزحمون ساحات الحروب ويصادرون القرار الليبي

في خضم الفوضى التي غرقت فيها البلاد، ساندت قوى أجنبية المعسكرين المتنافسين؛ فساندت تركيا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، بينما ساندت كل من روسيا والإمارات ومصر قوات شرق ليبيا بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر في الشرق.

أصبحت هذه القوى “موجودة” في القرار السياسي والعسكري.

وأنابت بعض الدول ميليشيات ومرتزقة وشركات أمنية.

وسهلت لحلفائها الحصول على السلاح والدعم التقني والغطاء السياسي.

لكن انتخاب السلطة المؤقتة الجديدة كان الإجماع الأول لكل الفرقاء في الأزمة الليبية.

الجميع أعربوا عن سعادتهم بالاتفاق.

وانضمت حكومات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا إلى الولايات المتحدة في الترحيب بالحكومة الانتقالية الليبية الجديدة، لكنها مع ذلك حذرت من أن الطريق “لا يزال طويلاً”. 

وقالت وزارة الخارجية التركية إن لديها ثقة بأن المجتمع الدولي لن يسمح هذه المرة بإفشال الفرصة التاريخية في ليبيا.

رحبت دولة الإمارات بتشكيل السلطة التنفيذية الليبية الجديدة، معربة عن أملها في أن تحقق هذه الخطوة الأمن والاستقرار والتنمية.

رحب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بالوصول إلى اتفاق حول سلطة موحدة في ليبيا، كانت هناك أصوات مصرية تتحدث عن مؤامرة “إخوانية تركية” في انتخابات السلطة التنفيذية الليبية، التي عُقدت في جنيف.

الموقف المصري يأتي انسجاماً مع الموقف الدولي، وخاصة الإدارة الأمريكية الجديدة، من أجل إنهاء حالة الصراع في ليبيا، كما يرى المحلل السياسي الليبي عبدالله الكبير في حديثه مع موقع الحرة. “بما أن الموقف الأمريكي والغربي بشكل عام مع هذا التوجه، ففي اعتقادي أن الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة مثل مصر والسعودية والإمارات لابد لها أن ترحب بصرف النظر عن أنها توافق هذا التوجه أم لا”.

القوى الدولية تضغط على الأطراف المتنازعة في ليبيا لوقف الحرب . 

وعودة الصراع تعني تعزيز الوجودين الروسي والتركي العسكري في ليبيا، وهو ما لا تريده الولايات المتحدة ولا فرنسا. 

ثم جاءت دعوة رئيس البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة بـ”الشروع فوراً في سحب القوات التركية والروسية من ليبيا.. بما فيها جميع العناصر المرتزقة والمندوبين العسكريين الأجانب”، والتي تُعدّ تحولاً ملحوظاً في سياسة الإدارة الجديدة مقارنة بسياسة الرئيس السابق دونالد ترامب.

الدولة أولا .. ثم باقي الملفات

 

توقفت المباحثات الليبية طوال الشهور التي سبقت الحكومة الوطنية الجديدة أمام عدة عقبات يجب التعامل معها، قبل الحديث عن نجاح المصالحة.

وما زالت هذه العقبات قائمة.

ورغم غياب الكثير من التفاصيل بشأن آليات التشاور واتخاذ القرار بعد تشكيل الحكومة المؤقتة، يبقى النجاح في حل المشكلات التالية هو المؤشر الأساسي لنجاح المعادلة الليبية أخيراً في صُنع دولة حديثة، طالما حلم بها الليبيون.  

اختيار الفريق الحكومي لن يكون مهمة يسيرة في سياق المحاصصات والترضيات السياسية والقبلية والجهوية، رغم إعلان الدبيبة أن خياره سيكون التعويل على التكنوقراط. 

وعاصفة الترحيب في عواصم العالم لا تخفي الصعوبات أمام إعادة ترتيب المشهدين السياسي والأمني. 

كما لم يتضح موقع حفتر وعقيلة صالح في الترتيبات الجديدة، حيث تحاشى جميع أعضاء الفريق الجديد التعليق على هذا الأمر رغم أهميته في تحديد مآلات الوضع الأمني والعسكري في البلاد.

يبدو برنامج الدبيبة أقرب إلى بيان انتخابي يتحايل على الأزمات المتشابكة والمتراكمة، وربما يتجاوز به السقف الزمني الممنوح لحكومته، والذي لا يزيد على تسعة أشهر، في حال مرت مرحلة التشكيل ومنح الثقة بسلاسة. 

وخلال هذه المدة الوجيزة تصبح المهمة الرئيسية للحكومة هي الإعداد للانتخابات، والحفاظ على الاستقرار وصولاً إليها. 

ولو نجحت السلطة التنفيذية المؤقتة في العبور بسفينة ليبيا تجاه الانتخابات والاستقرار السياسي، ربما تكون الفرصة قد حانت لميلاد أول دولة حديثة على التراب الليبي.

وربما تكون فرصة للاحتفال، حتى لو ظلت بقية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فوجود “الدولة” كفيل بالوصول إلى حلول ذات يوم، وإن غداً لناظره قريب.

__________

مواد ذات علاقة