د. عبد الرحمن الهذلي
لم يفلح الاتفاق السياسي في الصخيرات الذي وقع في 17 ديسمبر 2015 في وضع حد للانقسام الليبي الناشئ بعد انتخابات صائفة 2014.
الجزء الأول
لم تفلح البعثة الأممية في ليبيا في إلزام أطراف الأزمة بتفعيله. بل ذهب غسان سلامة في وضع خطته السياسية الشاملة إلى إصلاح ذات الاتفاق مدخلا لإعادة إحياء المسار السياسي قبل أن يضطر للاستقالة أمام شعوره بالخذلان من المجتمع الدولي.
لكن خليفته بالإنابة، الأمريكية ستيفاني ويليامز، مستفيدة من دعم حكومتها الجديدة (بعد انتصار بايدن)، وتغير رياح المعركة على الأرض، وانخراط القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي في مسار المصالحة، نجحت في جمع الفرقاء الليبيين في ملتقى سياسي سيمثل إطارا جامعا لهم.
ولم تنته سنة 2020 حتى اجتمعوا لينجحوا في التوافق على آليات اختيار السلطة التنفيذية الموحدة والمؤقتة ووضع خارطة طريق ووثيقة صلاحيات المؤسسات التنفيذية (في لقاءات تونس أواسط نوفمبر 2020).
وبعد حوالي ثلاثة أشهر (فبراير 2021) عادوا ليجتمعوا تنفيذا لخارطة الطريق. فأسفر اللقاء عن إعادة توحيد المؤسسات السياسية بانتخاب ترويكا رئاسية ورئيس حكومة، في انتظار الأصعب وهو إعادة الوحدة للمؤسسة العسكرية.
إلا أن مسار الوقائع بعد مؤتمر جينيف يثبت أن الواقع أعقد مما يتصوره البعض. ذلك أن بؤر المقاومة للمصالحة، خاصة في ظل انتشار السلاح، لا تزال تعطل تلك الاتفاقات.
مقدمة
بعد ست سنوات من الانقسام السياسي والصراع المسلح، بدا أن مؤتمر برلين (19/1/2020) قد أعاد الفرقاء إلى سكة الحوار السياسي. لكن اختلال الموازين العسكرية لصالح قوات حفتر المحاصرة لمدينة طرابلس كان يعطل تلك السكة. ومن هنا تأتي أهمية الهجوم المعاكس الذي شنته قوات الوفاق المدعومة من تركيا في إعادة التوازن المفقود وإقناع الطرف المقابل باستحالة الحل العسكري.
وحينها انفتحت من جديد طريق الحل السياسي فأثمر تأسيس ملتقى الحوار السياسي الذي أطر جهود الليبيين من أجل استعادة شرعية المؤسسات عبر انتخابات رئاسية وتشريعية.
وأسفرت الجهود الأممية مع ممثلي المجتمع الليبي الخمس والسبعين عن مؤتمري تونس (نوفمبر 2020) وجينيف (فبراير 2021) تنفيذا لمخرجات مؤتمر برلين واللذين وضعا أسس توحيد المؤسسات عبر الاتفاق على آليات اختيار السلطة التنفيذية الجديدة وتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية.
في هذا المقال نسعى إلى رصد مخرجات المؤتمرين
أولا، تأسيس ملتقى الحوار السياسي ومخرجات حوار تونس
يوم 25 أكتوبر 2020 أعلنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، انطلاق المشاورات السياسية بين الفرقاء الليبيين ضمن عملية ملتقى الحوار السياسي الليبي (يشار إليه بالملتقى لاحقا) والذي بدأ أولى اجتماعاته يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول عبر آلية الاتصال المرئي. بينما انطلق اللقاء المباشر يوم 09 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 في العاصمة التونسية.
وقد أشاع توقيع اتفاق وقف دائم لإطلاق النار في جميع أرجاء ليبيا يوم 23 أكتوبر أجواء تفاؤلية أسست لها قبل ذلك الاجتماعات التشاورية التي أجرتها البعثة الأممية مع العديد من الفرقاء الليبيين في الأشهر السابقة.
فضمن المسار التشاوري التمهيدي لملتقى الحوار السياسي الليبي، عقدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلال شهر أكتوبر أربع جلسات تشاورية من خلال تقنية الاتصال المرئي حول أهمية المشاركة الفعالة للمرأة الليبية في المرحلة المقبلة.
وشاركت فيها 120 سيدة من الأحزاب والتكتلات والمبادرات السياسية، والأكاديميات، والناشطات من المجتمع المدني، والإعلاميات والخبيرات في القانون.
وضمت الجلسات مشاركات يمثلن الأمازيغ والطوارق والتبو، وكذلك من النازحات والمغتربات. وبلغت نسبة مشاركة الشابات في الجلسات ما يقارب 40%. ونشرت مخرجات هذه الجلسات في وثيقة تحمل عنوان ” الخلاصة والتوصيات من الجلسات التشاورية بين قيادات نسائية ليبية من الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، حقوقيات، أكاديميات، اعلاميات ومدافعات عن حقوق الإنسان مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، حول المسار السياسي، العسكري، الاقتصادي وحقوق الإنسان“.
وفي إطار التحضير للمُلتقى، قام رؤساء مجموعة عمل برلين المعنية بالقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان (هولندا وسويسرا وبعثة الأمم المتحد ة للدعم في ليبيا) بعقد جلستي حوار تشاوريتين في أكتوبر ونوفمبر 2020 مع ممثلي المجتمع المدني الليبي من نشطاء حقوقيين واجتماعيين وخبراء قانونيين ومثقفين.
وكانت تلك الجلسات تهدف الدعوة لعملية مشاركة شاملة قائمة على حقوق الإنسان عبر جمع آراء ممثلي المجتمع المدني الليبي حول القضايا الأساسية المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان.
وحملت الوثيقة الصادرة بتاريخ 7 نوفمبر 2020 أي قبل يومين من انطلاق الحوار بتونس عنوان “مبادئ أساسية لخارطة طريق قائمة على احترام حقوق الإنسان نحو سلام مستدام في ليبيا“. وكانت تهدف إلى توجيه أعمال منتدى الحوار السياسي الليبي وكذلك أي اتفاق آخر بشأن خارطة طريق ليبية نحو السلام المستدام.
وتقرر توزيعها على جميع المشاركين كوثيقة عامة. وقد نشرت لاحقا مع وثائق الملتقى. وتضمنت التوصيات التالية:
أولا: أن يكون الحوار السياسي الليبي قائما على احترام الحقوق؛
ثانيا: أن يعكس أي اتفاق سياسي الاحتياجات والمصالح ومظالم المتضررين وأسرهم،
ثالثا: إنهاء الإفلات من العقاب؛
رابعا: حقوق المرأة وتمكينها ومشاركتها الهادفة؛
خامسا: تهيئة بيئة مواتية للسلام والاستقرار والديمقراطية في ليبيا.
يعتبر الملتقى تتويجا لمسار كامل من اللقاءات السابقة. فهو يعتبر امتدادا لمخرجات مؤتمر برلين حول ليبيا، والتي تمت المصادقة عليها من قبل مجلس الأمن في قراره 2510 (2020) وقرار مجلس الأمن 2542 (2020).
كما تقرر أن يأخذ في الاعتبار توصيات لقاءات “مونترو” والتفاهمات التي تم التوصل إليها في محادثات “بوزنيقة” والقاهرة.
وقد وجهت البعثة الأممية الدعوة لـ 75 شخصية ليبية ممثلة لكافة أطياف المجتمع الليبي السياسية والاجتماعية للانخراط في أول لقاء للملتقى السياسي الليبي الشامل عبر آلية التواصل المرئي.
وانبنى اختيار الشخصيات المدعوة إلى المشاركة في الحوار على مقاييس أهمها الشمولية والتمثيل الجغرافي والسياسي والقبلي والاجتماعي العادل. وضمت المجموعة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بالإضافة إلى القوى السياسية الفاعلة من خارج نطاق المؤسستين، مع الحرص على تشريك المرأة والشباب والأقليات بحيث يكون الحوار شاملا لكافة أطياف ومكونات الشعب الليبي.
برمج اللقاء الأول عن بعد (عبر الاتصال السمعي البصري) يوم 26/10/2020. وخطط له أن يُحيط المشاركين علما بآخر المستجدات في المسارات الاقتصادية والعسكرية ومسار حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إلى جانب التوصيات التي أفرزتها الاجتماعات التي عقدتها الممثلة الخاصة للأمين العام مع ممثلين عن المجتمع الليبي من البلديات والنساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني.
وبغاية المزيد من النجاعة والفاعلية، حرصت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلال فترة الحوار السياسي ( 9- 15 نوفمبر2020 على ضمان مشاركة أكبر قدر ممكن من الليبيين في الحوار السياسي من خلال أدوات تفاعلية. فأطلقت موقعا الكترونيا تفاعليا لتلقي المساهمات من الليبيين وتعليقاتهم حول سير أعمال الملتقى خلال اجتماع تونس، والاجتماعات المستقبلية ضمن عملية ملتقى الحوار السياسي الليبي.
يظهر الدور الإيجابي للبعثة في هذه المرحلة من خلال الضغط على المشاركين وتحميلهم مسؤولية إنجاح الحوار والتزام المشاركين بالتنحي عن المناصب السياسية والسيادية خلال المرحلة التمهيدية للانتخابات.
وقد رسمت للحوار هدفا واضحا وهو “إيجاد توافق حول سلطة تنفيذية موحدة وحول الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات الوطنية في أقصر إطار زمني ممكن من أجل استعادة سيادة ليبيا وإعطاء الشرعية الديمقراطية للمؤسسات الليبية“.
أسفرت الحوارات التي امتدت لقرابة الأسبوع عن اتفاقات مهمة ومشجعة بعد الغرق في الصراع منذ 2014. وذكرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، إن خارطة الطريق الصادرة عن الجولة الأولى لملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس ووثيقة الاختصاصات ومعايير الترشح والبيان الصادر عن المشاركات هي المخرجات الرسمية لهذه الجولة.
***
د. عبد الرحمن الهذلي (باحث تونسي)
______________
