بقلم محمد فتوح
يستعرض التحقيق الدور الكامل الذي تلعبه السلفية المدخلية في ليبيا، بداية من نشأته في عهد القذافي، ومواقفه المتباينة من الثورة الليبية، وما يتصل بفضاء الفتوى الخاص به، وأهم الرموز فيه،
وصولا للتحول الذي شهده التيار باعتباره حركة عسكرية منضوية تحت لواء خليفة حفتر، لتصبح بمرور الوقت، أهم فاعل عسكري في ثوب ديني ضد مكتسبات ثورة 17 فبراير 2011.
الجزء الثاني
المداخلة والوقوف ضد ثورة 17 فبراير
يمكن القول ودون الخوض في كثير من التفاصيل في هذا الصدد، إن المجتمع الليبي لم يتأثر بصورة كبيرة بالعلمانية، أو بإزاحة الدين –الإسلامي– من الفضاء العام تحديدا، مما جعل الشعب الليبي “محافظا” إلى حد كبير، ومُقدِّرا لعلماء الدين المحليين، وقليل الخِصام معهم،
الأمر الذي جعل العديد من أبنائه يستجيب للمشاركة في ثورة 17 فبراير/شباط بناء على فتاوى علماء دين محليين لهم مكانة سابقة في المجتمع الليبي، وكان على الرأس منهم الشيخ صادق الغرياني، والذي أفتى بوجوب المشاركة رجالا ونساء ضد القذافي “والجهاد ضد طغيان كتائبه“
استجاب عدد كبير من الليبيين لفتوى الغرياني، والذي سيصبح رمزا شعبيا ومفتيا للبلاد عقب نجاح الثورة، وسيتحول في الوقت ذاته عند المداخلة إلى ممثل للخوارج، وتابع للمبتدعة.
ونتيجة للعداء التاريخي بين القذافي والتيارات الإسلامية، فقد انخرط غالبية الإسلاميين مع القبائل للمشاركة في الثورة، كجماعة الإخوان المسلمين، وشيوخ الجماعة الإسلامية المقاتلة، إلى جانب عموم السلفيين، باستثناء المداخلة، لكن الأمر الذي يتقاطع في عموم المشهد الليبي، هو تأثير المشيخة الدينية على السلوك الشعبي، سواء تمثل في التيار المشارك بالثورة، أو لدى التيار المضاد كالمداخلة، إلا أن هذا التأثير لا يلغي بالتأكيد العوامل الداخلية التي ساهمت في تشكيل المواقف الفردية والجماعية إزاء الأحداث السياسية المتعاقبة في المشهد الليبي.
مع بداية الثورة، وجد نظام القذافي الفرصة سانحة لاستدعاء ورقة المداخلة من جديد، واستخدامها في إفشال الحراك الثوري. ليخرج الساعدي القذافي بهيئته المدخلية في لقاء على قناة العربية يتحدث “كطالب علم سلفي” عن تحريم المشاركة في الثورة ووجوب الطاعة لوليّ الأمر،
وقد استطاع الساعدي القذافي –نجل معمر– أن يتحصل على فتوى تحرم الخروج على والده من علماء دين سعوديين، وهو ما جعل المداخلة –بدورهم– يفتون أتباعهم بعدم الانخراط في الثورة ولزوم منازلهم.
انخرط بعض رموز المداخلة في التعاون المباشر مع النظام، والدفاع عنه، والتحذير من علماء الثورة، حيث قام الشيخ المدخلي “محمد الأنقر” بالرد على الشيخ صادق الغرياني، واصفا فتواه ضد القذافي بالباطلة، وأن هذا المنهج هو منهج “الإخوان المفلسين” وبحسب شهادة ثوار ل“ميدان” كانوا على احتكاك بالحالة الإسلامية قبل الثورة فإن “الأنقر كان يُفتي بالتعاون مع الأمن، والإبلاغ عن شيوخ وخطباء المساجد المعارضين للنظام حينها“.
أما “مجدي حفالة“، أحد الوجوه المدخلية البارزة والمعروف بـ “أبو مصعب“، فقد استصدر منه النظام فتوى بلزوم البيت وتحريم الخروج على الحاكم، وقد بثَّ “حفالة” فتواه عبر القنوات التابعة للنظام.
وهو ذاته الرجل الذي تغير موقفه عقب انتصار الثورة، وذلك بعدما شنّت جموع شعبية سهام نقدها لـ “حفالة” واصفين إياه بالخائن، ليخرج “أبو مصعب” في تسجيل صوتي لاحق، مُصرِّحا أنه أفتى بحرمة الخروج على القذافي تحت التهديد!
انتشرت فتاوى المداخلة بصورة واسعة، نظرا لدعم النظام الليبي، والذي سخّر لهم كافة وسائل الإعلام الحكومي، بما فيها من برامج تلفزيونية وحوارية.
لم يكتف النظام بوسائل الإعلام، ليرسل رسائل نصية –بحسب شهادة لـ“ميدان“- عبر شركتي الاتصالات “المدار وليبيانا” التي يمتلكها “محمد القذافي” نجل معمر القذافي، والتي حملت مضامين تروج لفتاوى المداخلة، بطاعة وليّ الأمر، وتنفير من علماء السوء الذين أيّدوا الثورة!
إلا أن انتكاسة الثورة لم تقف عائقا أمام تمدد المداخلة الفعلي على الأرض، فبعد هزّة الثورة، وفي شهادة لأحد النشاطات الليبيات لـ“ميدان“، فقد أكدت أنه “عقب الثورة، استفاد الكثيرون من مكسب الحريّة الذي انتزعهُ الثوارُ عبر ثورتهم الدامية، وعلى الرغم من أن المداخلة كانوا منبوذين شعبيا في عديد المناطق الليبية، يلمزهم الناس بأنهم “مناصرون للنظام القديم“،
فقد استفادوا من مكسب الحرية الذي أتاحته الثورة استفادة قصوى لم يتح لها مثيل في عهد القذافي، حيث بدأوا في افتتاح مكتبات خاصة، ومدارس السلفية الابتدائية، والمعاهد الشرعية على الطراز المدخلي، ومراكز العلاج بالرقية، الأمر الذي مثّل حالة دينية غريبة على المشهد الديني الليبي، الذي يغلب عليه المالكية والتصوّف.”
بالإضافة لما سبق، فقد أضاف “طالب علم” ليبي شارك في الثورة لـ“ميدان” قائلا: “استولى المداخلة بالقوة، والعنف، على عدد من منابر المساجد، وتغلغلوا في المناطق النائية والبعيدة، والتي يحظى أهلُها بتعليم متدنٍّ مع ضعف في الحال الاقتصاديّ.
أما هيئة الأوقاف الإسلامية، فقد استمات المداخلة للسيطرة عليها، وتطور بهم الحال مبكِّرا إلى تشكيل جماعات مسلحة صغيرة تثيرُ الشغب تجاه من تتعارض معهم المصالح بصورة مباشرة.”
أما عن الكيفية فيذكر شهود شرعيون (فاعلين في المجال الديني) لـ“ميدان” كانوا شاهدين على هذه الحقبة، كان المداخلة “يقتحمون مكاتب الأوقاف لتمرير سياستهم ويهددون باستخدام القوة إن لم يُستجب لمطالبهم، لقد تحول المداخلة إلى متوحشين، لا في خطابهم فحسب، بل وفي سلوكياتهم الدينية“.
وتقاطعت الأحاديث من قبل الشهود لـ “ميدان” بقولهم: “بدأ الناسُ يسمعون بين الفترة والأخرى عن جماعة من أصحاب “اللحى والإزار” يهجمون على خطيب من خطباء المساجد وينزلونه من على المنبر وينصِّبون إماما من عندهم، لأن هذا الخطيب مُبتدع يريد أن يلبس على الناس في شؤون دينهم“.
بالإضافة لعملهم على الأرض، نشُط المداخلة كذلك على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأوا ينشرون “الفتاوى السلفية“. وبحسب شهادات ميدانية من الداخل الليبي في هذه الفترة لـ “ميدان“: “بدأ التيار المدخلي يستعيد نفسه شيئا فشيئا، من خلال جهود عملية مستمرة تمثّلت في مجموعة من الخطب والدروس في المساجد، وعبر مواقع التواصل، وعقد حوارات ولقاءات ونقاشات، وقد تمركزوا في مناطق معينة اكتسحوا مساجدها، وبدأوا يلبسون على الناس انطلاقا من منابرهم، ولاقت مساجدهم إقبالا من عموم الناس، إذ لم يميّز الناس بينهم وبين غيرهم من الإسلاميين.”
إلا أن النظر لفاعلية المداخلة وتأثيرهم الميداني وتكتيكاتهم في التمدد في الداخل الليبي لا يمنحنا صورة واضحة حول الأسباب التي تقف وراء هذا الزخم الذي اكتسبه المداخلة، سواء بالمقدرة المالية، أو التأثير الرمزي الذي يعمل على التعبئة، مصطحبين معهم تصورا دينيا مصحوبا بحشد “مَشيخي” للتأثير على قطاع من الجماهير،
وهنا، فإننا اتجهنا للبحث وراء الفاعليين الخارجيين الداعمين لهذا التيار، ويأتي على رأس هؤلاء الداعمين، المملكة السعودية.
***
محمد فتوح ـ محرر رواق
___________

