بقلم أحمد يونس

لا يوجد شيء مستحيل في السياسة، وقد علمتنا الأحداث أن كل شيء ممكن، من كان يتوقع مثلا أن حكم القذافي سينتهي بهذه الطريقة في ثورة 2011؟

ومن المميز في ليبيا أن كل شيء متوقع، وممكن، وإن كان خارجا عن المألوف والمنطق، ولعل خليفة حفتر يعد من أبرز الشخصيات الخارجة عن المنطق والمتوقع، فالرجل كان حليفا وصديقا للقذافي ثم انقلب عليه، وتحالف مع المعارضين له في وقت لاحق في 2011 ليعود مرة أخرى وينقلب على حلفائه ويشن حربا عليهم في 2014 بالتحالف مع أطراف داخلية وخارجية.

يرى كثيرون أن للعسكري العجوز حظوظا كبيرة في السيطرة على ليبيا أو الوصول إلى سدة الحكم بطريقة أو بأخرى لا سيما وأنه يتمتع بشعبية كبيرة (!!)، ولكن حتى تتضح الصورة بشكل جيد ولكي يسهل علينا التوقع يجب أن نحلل الواقع السياسي والعسكري في ليبيا بصورة موضوعية وبعيدا عن العواطف والتأثر بالصورة التي ينقلها الإعلام الموالي لحفتر أو المناهض له.

هناك طريقتان لوصول حفتر إلى السلطة، وهما الانتخابات، والسيطرة العسكرية، ولذلك يسعى قطاع كبير من مناهضي حفتر إلى منع وصول الرجل عبر الانتخابات من خلال طرق مختلفة وفي الجانب الآخر يصارع مؤيدو الرجل من أجل ضمان ترشحه في الانتخابات المقبلة، وفي الحقيقة من المستبعد أن يصل حفتر إلى سدة الحكم بعملية عسكرية بالنظر إلى القوة العسكرية الكبيرة في الغرب الليبي، وكذلك التوجه العام إقليميا وعالميا والقاضي باستحالة إيجاد حسم أو حل عسكري في البلاد.

من هو حفتر؟

خليفة حفتر هو رجل عسكري ابتعد عن الخدمة في ليبيا منذ أكثر من 30 عاما إثر أسره في تشاد خلال الحرب التي خاضها الجيش الليبي بأوامر القذافي، وعاد خليفة حفتر كقائد لقوات الثوار البرية في عام 2011.

للإنصاف يجب الاعتراف بأن خليفة حفتر رجل من قدامى العسكريين وعمل كقائد عسكري في الجيش منذ وقت بعيد، ولكنه ابتعد عن الواقع الليبي لفترة طويلة وعلى الرغم من أنه عاد إلى ليبيا في 2011 إلا أنه كان بعيدا عن دائرة الضوء بعد سقوط نظام القذافي، وحتى 2014 عند انطلاق عملية الكرامة، وهذه نقطة ضعف ودليل على الضعف أيضا.

الرجل كان قائدا للقوات البرية في الثورة، ألا يعتبر مسؤولا عن الخروقات التي حدثت؟ وعن الجماعات المسلحة التي حاربها في وقت لاحق؟ وبما أن حفتر يطرح نفسه كمنقذ لليبيا من حالة الفوضى الراهنة لماذا لم يفعل ذلك منذ 2011؟ ولماذا صمت وأخفى مشروعه خلال 3 سنوات حتى صيف 2014؟ في الحقيقة ليس للرجل أي مشروع إلا الوصول إلى السلطة.

خليفة حفتر رجل سبعيني يطمح للسلطة، كان يغار من صورة القذافي التي استقرت فوق ليبيا لأكثر من أربعة عقود، وللأسف فإن الزمن قد توقف بخليفة حفتر في الثمانينات ربما، فهو رجل يؤمن بالفكر العروبي القومي وبأفكار جمال عبدالناصر التي كانت رائجة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ويطمح لأن يكون صقر ليبيا الوحيد، وليس ذلك غريبا فالرجل كان رفيقا للقذافي في انقلاب 1969 وكان يراه قدوة له.

على الرغم من الصورة الوهمية التي يرسمها الإعلام الموالي لحفتر والتي توحي بأن الرجل قام ببناء مؤسسة أمنية وعسكرية في شرق ليبيا، إلا أن ذلك غير صحيح، لأن حفتر قام ببناء قواته (ميليشياته) من مجموعات قبلية وأخرى إجرامية، بالإضافة إلى عدد بسيط من العسكريين في الشرق الليبي من أتباع النظام السابق وأتباع السلفية المدخلية الموالين له.

هذه المجموعات غير منضبطة، وغير مؤهلة للعمل الأمني، ويتخللها فساد كبير جدا، يصعب تخيله أو وصفه، ولعل ما يجمع هذه المجموعات المسلحة هو توحدها خلف حفتر ضد عدو يرسمه الإعلام بشكل جيد في كل مرة.

ولكي نتخيل ضعف هذا الجيش الوهمي، يمكننا أن نستحضر عدة نقاط، أولها مثلا طول الحرب والفشل العسكري الذريع في مدينة بنغازي حيث استمرت الحرب منذ صيف 2014 وحتى بداية 2018 ، على الرغم من أن حفتر شن الحرب بدعم شعبي من معظم سكان الشرق الليبي ضد عدة مئات من الثوار في بنغازي، الذين بدؤوا في استخدام السلاح بعد عام 2011 ومعظمهم صغار في السن وينتمون لعدة مجموعات مختلفة إسلامية وغير إسلامية.

بالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة إلى حرب درنة، التي أعلن حفتر انتهاء العمليات فيها في 29 يونيو الماضي على الرغم من أن المعارك مستمرة في وسط المدينة ، وهذا يعني أن حفتر لم يستطع حسم معركة ضد بضع عشرات من الشباب من أهالي مدينة درنة الصغيرة على الرغم من الدعم الجوي الذي تحصل عليه من الإمارات ومصر في معركته التي شنها ضد المدينة الساحلية الصغيرة.

وصول حفتر إلى السلطة … مِن صالح مَن؟

على الرغم من الدعم الذي تحصل عليه خليفة حفتر منذ بدء عملية الكرامة في 2014 من الإمارات ومصر والسعودية، إلا أن هذه الدول ليس من صالحها أن يصل حفتر إلى السلطة، ولكن لماذا؟

ليس من مصلحة هذه الدول إعادة نموذج مشابه للقذافي إلى الحكم، في دولة نفطية ذات موقع استراتيجي مثل ليبيا، الأمر سيكون مزعجا جدا لهذه الدول، أن يصل رجل عسكري يشتهي السلطة منذ عقود إلى حكم دولة غنية تعداد سكانها قليل، رجل لا يؤمن بالديمقراطية وسيعمل على توريث الحكم بطريقة أو بأخرى.

الأمر سيفتح الباب واسعا أمام مغامرات جديدة لقائد ثورة الكرامة كما يعرف بنفسه، قوة مالية وعسكرية ستكون تحت إمرة ديكتاتور مصاب بجنون العظمة ويؤمن بالأفكار الناصرية القومية وقد توقفت به الساعة في ثمانينيات القرن الماضي. وهذا آخر ما تتمناه الأنظمة الحاكمة في السعودية والإمارات.

ماذا بخصوص الداخل الليبي؟ وفي صالح من وصول العجوز إلى السلطة؟

الإجابة سهلة وبسيطة جدا، الأمر في صالح أبناء حفتر فقط، وفي الحقيقة ليس من مصلحة السياسيين على مختلف توجهاتهم أن يصل عسكري إلى الحكم يؤمن بثقافة حكم الفرد، ويفتقر إلى العقلية البناءة التي تقدم مشروعات لبناء الدولة أو لمشاركة الحلفاء السابقين في الكعكة، وإن توهموا عكس ذلك.

المقربون من دائرة صنع القرار يعرفون ذلك جيدا والعقلاء منهم منتبهون لهذه النقطة، ولذلك لا يمكنني أن أصدّق النواب – لا سيما البارزين منهم – عندما يدعون بأنهم يدعمون وصول حفتر إلى سدة الحكم، ربما هم يدعمونه كوسيلة لمحاربة خصومهم السياسيين، وتوحيد صف معسكر الكرامة، أو يدّعون ذلك خوفا من حفتر أو خوفا من مؤيديه، وجزء بسيط جدا يتوهّم بأن حفتر فعلا هو منقذ ليبيا.

معظم من عملوا في دهاليز السياسة والإعلام والتجارة ويفكر بالمنطق والعقل، وتذوق طعم الحرية في العمل السياسي والإعلامي ، لا يمكن أن يكونوا داعمين لوصول حفتر إلى سدة الحكم. لأن الرجل سيحكم سيطرته على كل شيء، وسيعيد تطبيق القوانين والأنظمة التي كانت سائدة في عصر صديقه القذافي، وهو أمر سيحد من الحريات العامة والخاصة، وسيؤثر بشكل كبير على حرية العمل السياسي ومكاسب الناس.

 العوامل الداخلية

خليفة حفتر قام ببناء تحالفاته القوية والقبلية في شرق ليبيا مع القادة القبليين، وقادة المجموعات المسلحة المختلفة ، وقام بالاعتماد بشكل كبير جدا  في حربه على المجرمين وعلى أتباع السلفية المدخلية، وهذه التحالفات على الرغم من أنها تسببت في وصوله إلى واجهة المشهد السياسي إلا أنها تحالفات غير ثابتة، فبمجرد أن يختفي حفتر ستتفكك هذه التحالفات، وهذا الأمر بدا واضحا عندما انتشرت إشاعة مرض حفتر خلال بداية العام، وكذلك يمكن أن يتسبب تغيّر الخطاب الإعلامي الممول من الخارج في تحلل هذه التحالفات وتخلخلها بشكل كبير.

كما أن العواطف التي تربط أهالي الشرق بحفتر ستذوب سريعا جدا إذا ما وصل حفتر إلى الحكم واستقر في طرابلس، كما جرى مع المجلس الوطني الانتقالي سابقا، بسبب مشاكل المركزية، وبعد المسافة، وما يعده أهالي الشرق إهمالا لمناطقهم، ولذلك يمكن تعريف حفتر وعلاقته بالشرق بأنه بطل الشرق الليبي في مواجهة الغرب الليبي، وهذا ما يمثله حفتر لكثير من المتعصبين قبليا ومناطقيا.

 كما أن المنطقة الغربية بتشابكاتها القبلية والمناطقية والعسكرية المختلفة تشكل حجر عثرة كبير جدا أمام وصول حفتر إلى السلطة.

كيف يمكن إقناع مصراتة بوصول حفتر إلى السلطة؟

وكيف يمكن إقناع قادة المجموعات العسكرية المختلفة في العاصمة وخارجها؟

وكيف يمكن أن يقبل السياسيون الذين ينعمون بهامش كبير من الحرية باستبدال كل المميزات بقائد أوحد، لا يرى إلا نفسه فقط مختوما بالنياشين والأوسمة فوق عرش ليبيا؟

العالم الغربي

العالم الغربي بدوره ليس من مصلحته أن يصل عسكري مستبد يؤمن بالقومية وأقرب إلى الاشتراكية ويميل إلى التحالف مع روسيا، إلى السلطة في دولة نفطية غنية مثل ليبيا، هذا سيشكل عبئا لا داعي له في النظام العالمي، وعلى عكس ما يراه البعض، فالغرب يعرف جيدا أن حفتر لن يتمكن من إنهاء الفوضى في ليبيا بسهولة ويعلم أنه فشل عسكريا في الشرق الليبي، الأمر أصبح صعبا جدا، ولا يحتاج إلى استبداد وديكتاتورية فقط.

الغرب يعلم جيدا أن حفتر فشل في بنغازي وفشل في درنة، ويعرف المتنفذون في الغرب أن حفتر سيكون حجر أساس في نظام وراثي غير جيد، ويعلمون أيضا أن خليفة حفتر ليس شريكا جيدا والأمر كان واضحا مثلا من خلال تهديد حفتر باستهداف البحرية الإيطالية خلال الأشهر الماضية.

على كل حال، الأوضاع في ليبيا تتقلب بسرعة والتقلبات تعتمد بشكل كبير جدا على التأثيرات الخارجية والغربية على وجه الخصوص، وفي اعتقادي لو كان الغرب سيسمح لحفتر بالوصول إلى السلطة، لكان فعل ذلك منذ عام 2014 ، الأمر يختلف كثيرا في ليبيا عن مصر، والفارق الأهم هو وجود الأرصدة الليبية والنفط (وكذلك انتشار السلاح بين الشباب)، ولذلك فلن يدعم الغرب عودة الديكتاتورية العسكرية في ليبيا، كل شيء ممكن في الدولة التي تأتي بالجديد، ولكن وصول حفتر إلى السلطة أمر مستبعد على الأقل في اعتقادي الخاص.

***

أحمد يونس/ أكاديمي ليبي

_____________

مواد ذات علاقة