بقلم زاهي بشير المغيربي

تهدف هذه الورقة إلى التركيز على أثر أزمات بناء الدولة ومعالجة قضايا المرحلة الانتقالية والعملية الدستورية على التعايش السياسي والسلم المجتمعي في ليبيا.

***

الجزء الثالث

5- أزمة المشاركة

بعد السابع عشر من فبراير فُتحت كل الأبواب وشُرّعت كل النوافذ أمام المشاركة السياسية والاجتماعية، وكان ارتفاع التوقعات واتساعها بقدر ارتفاع السموات واتساعها، وتشكلت الأحزاب السياسية وتنامت منظمات المجتمع المدني وأُجريت الانتخابات المحلية والوطنية والتأسيسية.

إلا أن عقود التصحر السياسي وحظر الأحزاب وتقييد منظمات المجتمع المدني وغياب الانتخابات ألقت بظلالها المعتمة على الساحة السياسية وأنتجت أحزابا شائهة، ومنظمات مجتمع مدني قاصرة، وانتخابات لم تترجم نتائجُها تطلعات الناخبين وطموحاتهم، وتصرفات وسياسات للنخب الحاكمة لم ترق إلى مستوى توقعات المواطنين.

فقد تأثرت الأحزاب الناشئة بفترات المنع والقمع الماضية وعوز الخبرة بالعمل الحزبي والسياسي العلني، فهي تعاني ضعفا تنظيميا في إدارتها، وتفتقر إلى مشروع سياسي واضح المعالم، وإلى قاعدة اجتماعية حقيقية، وهي لذلك عاجزة عن تأدية دور الفاعل السياسي والاجتماعي القادر على إنجاح عملية التحول الديمقراطي، وإعلاء الصالح العام بالقطع مع القبيلة والغنيمة والعقيدة.

أيضا فإن الأحزاب التي نشأت حديثا عكست دينامية تصارعية عقدت المشهد وجعلت الوصول إلى توافقات وتسويات صعبا.

وبسبب سوء أداء الأحزاب، الذي يرجع أساسا إلى حداثة تجربتها، تنامى توجه مؤداه أن مناط الخلل في الأداء السياسي هو فكرة التعددية الحزبية نفسها، فظهرت دعاوى مناوئة لهذه الفكرة، تُرجم بعض منها عيانا في قانون انتخابات الهيئة التأسيسية وقانون انتخابات مجلس النواب وتتوج أخيرا في مسودة لجنة العمل للهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بمنع الأحزاب السياسية لمدة أربع سنوات من بدء العمل بالدستور الليبي الجديد.

وغني عن البيان أن مثل هذه النظرة السلبية لمفهوم التعددية الحزبية ولأداء الأحزاب إنما تسهم بدورها في عرقلة التحول الديمقراطي، وتحول دون التوافق النخبوي على السياسيات العامة. (المغيربي والحصادي)

وفي حين أن معظم أدبيات التحديث والتنمية السياسية والتحول الديمقراطي تتفق على أن وجود مجتمع مدني قوي وفاعل من العوامل الداعمة للنظام الديمقراطي، وعلى الرغم من بروز أعداد ضخمة من منظمات المجتمع المدني في ليبيا بعد ثورة فبراير، فإن المجتمع المدني في ليبيا يعاني من الكثير من الاختلالات الناجمة عن تجربة العقود السابقة، وأهم هذه الاختلالات هيمنة الدولة والتبعية التمويلية.

فقد كانت الدولة مهيمنة بشكل كامل على المجتمع المدني حيث إن النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التطوعية الأهلية تُنشأ وتُنظم ويعاد تنظيمها وحلها بقرارات ولوائح وقوانين من الدولة، كما أن منظمات المجتمع المدني لم تكن مجالا مستقلا ومنفصلا عن الدولة، بل كانت متضمنة في البنية التنظيمية الرسمية وتعتبر جزءا من آليات النظام السياسي الليبي آنذاك.

من جانب آخر، فإلى جانب خضوع المجتمع المدني تنظيميا وسياسيا لهيمنة الدولة فإنه كان خاضعا لسيطرتها التمويلية الأمر الذي قضى على استقلاليتها وفاعليتها وقدرتها على القيام بدور إيجابي في العملية السياسية.

وعلى الرغم من الفرص المتاحة الآن للمجتمع المدني لتوكيد استقلاليته التنظيمية والتمويلية، غير أن المعضلة تتمثل في أن العقود الطويلة من خضوع هذه المنظمات لهيمنة الدولة واعتمادها شبه الكامل على تمويل الخزانة العامة، صعّبت عليها تأمين تمويل لنشاطاتها من مصادر ذاتية مستقلة.

أضف إلى ذلك أن عقلية الاعتماد على الدولة، أي العقلية الريعية، السائدة في المجتمع الليبي تساعد على استمرار سعي المجتمع المدني لتأمين تمويل الدولة لنشاطاته، غافلا عن أو متجاهلا القيود التي يفرضها هذا التوجه على استقلالية المجتمع المدني وفاعليته. (المغيربي، 2002)

وإذا كانت الانتخابات التنافسية تمثل المظهر الرئيس لمشاركة المواطن الفرد في العملية السياسية، فإن انعدام خبرة المواطن الليبي بهذه العملية، نظرا لأن آخر انتخابات أُجريت في ليبيا كانت انتخابات مجلس النواب عام 1965 أثناء العهد الملكي، ألقت بظلالها على الانتخابات التنافسية المحلية والوطنية التي نُظمت في ليبيا منذ العام 2012، وخاصة في ما يتعلق بحسن اختيار الناخب الليبي لممثليه في المجالس المنتخبة.

وعلى الرغم من أن هذا كان متوقعا في ضوء هذه الظروف، وأن اكتساب الخبرة عبر تكرار المشاركة في العملية الانتخابية سوف يُسهم إلى حد كبير في اختيار الممثلين ذوي الخبرة والكفأة بدلا من أن يكون الاختيار على أسس قبلية أو جهوية أو شخصية، فإن سوء أداء المجالس المنتخبة على كل المستويات وعجزها عن حل كل المشاكل الاقتصادية والأمنية، فضلا عن تدني قدرات سلطات الدولة في الاستخراج والتنظيم والتغلغل والتوزيع، إلى جانب صراعات النخب السياسية الحاكمة وانقسامها، انعكس بشكل سلبي على فكرة الانتخابات ذاتها وأدى إلى تنامي مشاعر العزوف عن المشاركة في الانتخابات،

بل وتزايد النزوعات إلى رفضها، والدعوة لوجود قيادة سياسية وعسكرية قوية تقود البلاد في هذه المرحلة، وتحولت التوقعات المرتفعة إلى إحباطات متزايدة. وكل هذه مؤشرات سلبية حول احتمالات التحول الديمقراطي وحظوظ التعايش المجتمعي والسياسي.

خلاصة القول:

نتج عن السياسات الريعية للدولة الليبية خلال العقود الخمسة الماضية ترسخ العقلية الريعيةبين مختلف النخب والجماعات التي أصبحت تنظر إلى السيطرة على الدولة بمنطق الغلبة والغنيمة وبوصفها السبيل الوحيدة لتحقيق أهدافها على حساب الأفراد والجماعات الأخرى.

وكان من الحتمي، نتيجة لذلك، أن صارت العلاقات بين مختلف النخب والجماعات علاقات تصارعية وصفرية، وأصبحت الدولة مركز ومحور الصراع وليس مجرد كونها الهيئة التي تنظم التنافس بين النخب والفئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة وتضبط حدوده وأدواته.

وحسبنا للتمثيل على مظاهر انقسام النخبة السياسية في ليبيا أن نذكر التشريعات الإقصائية، كقانون العزل السياسي، وعمليات التخوين المتبادل، والفشل في الاتفاق على السياسات العامة، والمواقف المتضاربة من دمج التشكيلات المسلحة وبناء الجيش والشرطة.

وفي ظل مثل هذه الأوضاع يصبح من الصعب أن يكون هناك اتفاق عام على قواعد العمليات السياسية والالتزام بها، خاصة بين النخب السياسية.

ومن غير المحتمل أن تقبل أي مجموعة قواعد العملية الانتخابية إذا كانت هزيمتها تضر بمصالحها ضرراً كبيراً.

وهذا يعني أنه إذا كان على الخاسرين القبول بنتائج العملية الانتخابية الديمقراطية، فإنه يتعين على الفائزين أن يقبلوا أن هناك قيوداً مهمة على ما يستطيعون فعله بقوتهم الجديدة.

ووفقاً لهذا العامل، يعتمد ترسيخ الديمقراطية على ممارسة الأطراف الفائزة الاعتدال ومراعاة بعض القيود عند وضع السياسات العامة المختلفة.

وفي واقع الأمر، يلزم أن يتم الاتفاق على القيود المفروضة على تغيير السياسة العامة قبل اكتمال عملية التحول الديمقراطي، أي أثناء المرحلة الانتقالية. (المغيربي والحصادي)

واقع الحال، أن أزمات الهوية والشرعية والتغلغل والتوزيع والمشاركة في حالة ارتهان متبادل، تؤثر وتتأثر ببعضها البعض وتنعكس على عمليات بناء الأمة وبناء الدولة ومن ثم، وبالضرورة، على احتمالات التعايش المجتمعي والسياسي.

فمن ناحية، يرتبط الأداء الاستخراجي والتنظيمي للدولة بشكل وثيق مع أدائها التوزيعي، فالدولة لا تستطيع ممارسة وتوسيع قدراتها ووظائفها التوزيعية إلا بالقدر الذي تسمح به قدراتها الاستخراجية والجبائية والتنظيمية.

وبدون شك فإن شرعية الدولة ومؤسساتها تتأثر بشكل مباشر بأدائها الاستخراجي والتنظيمي والتوزيعي.

من ناحية أخرى، فإن للشرعية علاقة آصرة مع الهوية من حيث إن شرعية الدولة تتأثر، سلبا وإيجابا، بمدى تشكل هوية وطنية مشتركة تشعر من خلالها كل الأعراق والطوائف والقبائل والمناطق بانتمائها لكيان سياسي واحد يجمعها معا دون إقصاء أو تمييز أو تهميش.

وكذلك، فإن تقييد فرص المشاركة في العملية السياسية أو إحساس المواطنين والجماعات بعدم جدواها، نظرا لسوء أداء مؤسسات الدولة وقياداتها ونخبها السياسية ولشعورهم بعدم قدرتهم على التأثير على محتوى واتجاه السياسات العامة، قد يؤدي إلى العزوف عن العملية السياسية، أو الأسوأ من ذلك، توسل العنف ضد الدولة والجماعات الأخرى أداة لتحقيق هذه الجماعة أو تلك.

وما يترتب عن ذلك من عواقب سلبية بالنسبة للتحول الديمقراطي والتعايش المجتمعي والسياسي.

ـــــــــــــ
المراجع

أبو شهيوة، مالك (2016)، تحديات بناء الدولة ما بعد الدكتاتورية ومتطلبات نجاح عملية التحول الديمقراطي ’الحالة الليبية‘، مجلة عراجين، الإصدار الثاني، العدد التاسع، صفحات 67-107.

ألموند، جبرائيل (1987)، تطور دراسات التنمية السياسية، في محمد زاهي بشير المغيربي (مترجم ومحرر)، التنمية السياسية والسياسة المقارنة: قراءات مختارة، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، 1998، صفحات 29-78.

ألموند، جبرائيل وآخرون (1996)، السياسة المقارنة: إطار نظري، ترجمة محمد زاهي بشير المغيربي، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس.

محفوظ، محمد (2014)، التعايش من منظور مختلف، جريدة الرياض، النسخة الإلكترونية، العدد 16710، 25 مارس 2014.

المغيربي، محمد زاهي بشير (1993)، التحديث وشرعية المؤسسات السياسية: النظام الملكي الليبي، 1951-1969″، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، المجلد 21، العدد الثالث/الرابع، خريف/شتاء 1993، صفحات 37-56.

المغيربي، محمد زاهي (2002)، الدولة والمجتمع المدني في ليبيا، مجلة المؤتمر، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، العددان الثامن والتاسع، سبتمبر وأكتوبر 2002، صفحات 20-27.

المغيربي، زاهي والحصادي، نجيب (2014)، التحول الديمقراطي في ليبيا: تحديات ومآلات وفرص، بحث مقدم لأعمال ندوة حول الانتقال الديمقراطي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس، مارس 2014.

هنتنجتون، صاموئيل (1971)، تطور دراسات التغيير: التحديث والتنمية السياسية، في محمد زاهي بشير المغيربي (مترجم ومحرر)، التنمية السياسية والسياسة المقارنة: قراءات مختارة، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، 1998، صفحات 149-199.

________________\

المصدر ـ أرشيف موقع ليبيا المستقبل

مواد ذات علاقة