بقلم المهدي ثابت
ملخّص: تعرف ليبيا هذه الأيام حراكا سياسيا غير مسبوق نحو الحل السياسي الذي ثبتت ضرورته . يشمل الحراك كل أطراف الصراع في البلاد، بما في ذلك حكومة الوفاق.
ولا يعني هذا ان المخاض سيكون قصير الامد . ولكن قد ينبجس ضوء في نهاية النفق منبئا بفشل المشروع العسكري في البلاد الذي كان السبب الرئيس في إطالة امد الأزمة.
أشهر سنة 2018 ستكون حاسمة في ليبيا بلا ريب ،والتغيرات في المشهد ستكون كبيرة ومؤثرة مع تحسن الوضع الاقتصادي الذي سيدفع بدوره نحو مزيد إنضاج الرؤى. فهل تكون نهاية هذه السنة بداية الإنفراج الحقيقي في البلاد؟
مقدمة
تعيش ليبيا هذه الأيام حراكا سياسيا شديد التسارع بعيدا عن أصوات المدافع وأزيز الرصاص، وكأن الجميع أصبح مقتنعا أن السلاح أصبح غير مجد في المأزق الليبي، وليس هو الأداة لحسم مختلف الصراعات ولم يبق أمام اللاعبين السياسيين، بمختلف مشاربهم، سوى المراهنة على العملية السياسية المعقدة بالنظر لتراكم الملفات التي تنتظر الحل.
لكن حالة التيه وغياب الرؤية والوضوح تغلب على مجمل الأداء السياسي، لأن التدخلات الخارجية الفجة عطلت الحوارات الداخلية وعمقت هوة الخلاف وجعلت القرار الداخلي مرتهنا للخارج الذي لم يحسم أمره عبر حل واضح يلتقي حوله الجميع. إن الحراك القائم الآن يدفع نحو الحل السياسي، وهو حراك تتجاذبه كل أطراف الصراع في البلاد وغايته النهائية الوصول بالبلاد إلى انتخابات تشريعية ورئاسية تقطع مع سنوات الصراع والإقتتال .
فما أهم محاور هذا الحراك؟ ومن هي الأطراف الفاعلة فيه ؟ وما المدى الذي يمكن أن يصل إليه ؟ وما أهم العقبات أمام تتويج هذا الحراك السياسي القائم في البلاد؟.
مساعي الأمم المتحدة
إن طموح الأمم المتحدة من خلال بعثتها للدعم هو ّأن تنجز انتخابات رئاسية وتشريعية في ليبيا تتوج بها عملها في البلاد على امتداد سبع سنوات. وهي تدفع لذلك بكل السبل الممكنة عبر الحوار مع الأطراف الداخلية وعبر التواصل مع القوى الدولية. ويبقى هذا الطموح مشروعا، ولكن بلوغ غايته دونه عقبات كبيرة لعل أهمها مسالة الدستور، المحور الرئيسي في الحراك السياسي القائم ومحل خلاف وتجاذب بين التيارين الرئيسيّين في البلاد: تيار فبراير وتيار الكرامة والقوى المحسوبة على الإمارات العربية المتحدة.
تيار فبراير يدفع نحو الإستفتاء على الدستور قبل المرور إلى الإنتخابات والوضع النهائي، لأن الدستور في تقدير هذا التيار هو الضمانة الأساسية لإجراء انتخابات شفافة تستند إلى مرجعية قانونية عليا تنظم شروطها ومراحلها والنظام السياسي الذي سيختاره الشعب لإدارة البلاد. في حين نجد أن تيار الكرامة والأطراف المحسوبة على المعسكر الإماراتي، مثل تحالف القوى الوطنية الذي يقوده محمود جبريل وكذلك عارف النايض ومن يسانده.
هذه الأطراف تريد المرور إلى الإنتخابات قبل إقرار الدستور، وهي تطلب من البرلمان تعديل بعض فقرات من الإعلان الدستوري الذي نظم انتخابات 2012 ليكون مواكبا لاستحقاقات المرحلة.
والغاية من ذلك أن تكون الإنتخابات على مقاس هذا التيار حتى يحقق النصر الإنتخابي الذي تبحث عنه دولة الإمارات بعد فشل المشروع العسكري للجنرال خليفة حفتر.
مسودة الدستور الجاهزة هي مرفوضة من الأساس من تيار الكرامة في الشرق لأن مضمونها يدعو إلى الديمقراطية والقطع مع الحكم العسكري وهذا ينافي طموح الجنرال حفتر الذي لم يعد أمامه سوى إمكانية المشاركة في العملية السياسية والفوز فيها ليتمكن بعد ذلك من وضع دستور على مقاسه.
لقد تاه غسان سلامة وسط هذه الخلافات وأضاع طريق خارطته التي وضعها لتكون السبيل إلى الحل. والسبب، ربما يمكن في الفخ الذي وضعه ” برنادينو ليون ” في اتفاق الصخيرات، والمتمثل في الدور الأساسي للبرلمان في التعديل الدستوري وفي صياغة المرحلة انطلاقا من الإتفاق.
فالبرلمان اليوم هو أكبر معطل للعملية السياسية لأنه مرتهن إلى الجنرال حفتر. ولن يتقدم البرلمان بالعملية السياسية إلاّ إذا ضمن فيها لحفتر موقعا قياديا .يؤهله في النهاية لحكم البلاد وهو في ظل التوازنات القائمة في حكم المستحيل
حكومة الوفاق واللعب على المتناقضات
تلعب حكومة الوفاق في ظل الحراك القائم دورا مهما. وهي بدأت تدرك بعد مرور أكثر من سنتين على انتصابها في طرابلس لخيوط اللعبة . وهي الآن تسعى إلى مراكمة عوامل القوة مستندة في ذلك إلى الشرعية الدولية وعلى حالة الضعف التي عليها أطراف الصراع في الداخل .
فمن جانب هي الطرف الذي يملك المال ومصادره وهي تصرف الإعتمادات للأطراف التي تساندها والتي تسير في ركبها حتى توسع من دائرة هيمنتها ونفوذها لفرض سلطة الدولة. ومن جانب آخر تلعب دور الطرف المحايد في الصراع الذي يعمل على إطفاء الحرائق وإضفاء السلام، وهذا من صلب وظيفتها التي جاءت من أجلها.
إن فايز السراج يسعى الآن لأن يكون الطرف الأقوى في البلاد عبر التحكم في سير الأحداث والتطورات مراعيا في ذلك التوازنات الداخلية والضغوطات الخارجية. فداخليا يتعامل مع القوى الفاعلة سواء كانت سياسية أو جهوية بمنطق الترضية والمبادلة حتى لا تضعف الدولة ولا يقع الصدام.
واستطاع بذلك الحفاظ على موقعه وموقع حكومته وتمكن من خلال دعمه لكتائب العاصمة من الحفاظ على السلم داخلها. إنها قلعته الحصينة التي بقيت خارج دائرة الحرب والاقتتال. وببقاء العاصمة آمنة شرعن وجود حكومته وبدأ يتمدد خارجها من خلال الإستثمار في تناقضات القوى السياسية والعسكرية، وخاصة في المنطقة الغربية الذي يسعى جاهدا لبسط سيطرته عليها كاملة.
وهو إذا تمكن من ذلك، فإنه سيتمكن من المسك بخيوط اللعبة في كامل البلاد. في المقابل تسعى دولة الإمارات إلى التمكين لحلفائها السياسيين في المنطقة الغربية، وهي المنطقة الأهم في البلاد ديمغرافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا .
إن الامارات بعد فشلها في الحل العسكري من خلال حليفها حفتر، تسعى الآن إلى توجيه السياسة في المنطقة الغربية بما يخدم مصالحها سواء عبر الضغط على السيد السراج ليكون أقرب إلى حلفائها أو من خلال الدعم المادي والأمني والسياسي لحلفائها لتقوية شوكتهم بما يجعلهم أقوى من الحكومة الشرعية ومن قوى فبراير المشتتة والتي لا تملك داعما أجنبيا قويا.
ويوجد اليوم صراع خفي وغير ظاهر بين النفوذ الإماراتي في المنطقة وبين حكومة الوفاق. ولكن هناك أيضا من يتحدث عن تحالف غير معلن من خلال رضوخ فايز السراج للأجندة الإماراتية، إذ أن سياساته فيها الكثير من التقاطع مع المصالح الإماراتية.
وهذا يعود إلى الضغط الإماراتي القوي وعلى التواجد المكثف السياسي والمالي لهذه الدولة. ذلك أن السراج لا يستطيع أن يتجاوز الضغوط الخارجية القوية، لأنه لا يملك من أسباب القوة الداخلية ما يمكنّه من الوقوف أمام الطموحات الخارجية التي تبحث عن تواجد فعال في الساحة يمكنها من فرض وجودها في الوضع النهائي.
…
البقية في الجزء الثاني
***
المهدي ثابت ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
___________