بقلم د. محمد عبدالجليل بوسنينة
قد يرى البعض الرجوع على احتياطيات النقد الاجنبى لدى المصرف المركزى لمواجهة هذه الالتزامات ، وان هذه الاحتياطيات وجدت لهذا الغرض ،
وهنا ينبغى الا يغيب على هؤلاء ان هذه الاحتياطيات التى حرص مصرف ليبيا المركزي على المحافظة عليها جزء مهم منها محتفظ به كغطاء للعملة الليبية المصدرة ، وان استعمال ماتبقى من احتياطيات حرة فى ظل أنماط الإنفاق العام القائمة حاليا ومعدلات انتاج وتصدير النفط الخام المتدنية وغير المستقرة ، وفى ظل أسعار صرف الدينار الليبى المعمول بها اليوم كفيل باستنفاد هده الاحتياطيات خلال سنتين كحد أقصى مما يعرض الاقتصاد لانهيار كامل وعجز الدولة عن الوفاء بسداد المرتبات وتوفير احتياجات القطاع الخاص من النقد الاجنبى.
، وهو الوضع الذى يعمل المصرف على تفاديه، ناهيك عن تسديد الدين العام ومستحقات الشركات الأجنبية . ولن يكون هناك مجال للحديت عن اَي مشروعات تنموية جديدة او حتى امكانية استكمال المشروعات المتوقفة حاليا .
باختصار شديد إن اُسلوب ادارة الدولة الحالى من خلال حكومتين لا تعترف احداهما بالأخرى وكل منهما يرتب التزامات مالية ودين عام محلى ، ومصرفين مركزيين ، وسلطة تشريعية منقسمة على نفسها وغير قادرة على اتخاد القرارات الحاسمة لانقاد البلاد من الانزلاق نحو الهاوية ، قد رتب أوضاعا ستفضى الى وضع اقتصادي متأزم فى المستقبل تعجز فى ظله الحكومة مهما كانت إمكانات القائمين عليها عن الإيفاء بالتزاماتها ويعرض الدولة للإفلاس .
فالوضع جد خطير ولا يحتمل الانتظار أو التاخير ؛ ولانقاذ مايمكن انقاذه أرى انه على السلطة التشريعية ممثلة فى مجلس النواب ، وبالتنسيق مع المجلس الرئاسى، وبصورة عاجلة ، اى قبل نهاية هذه السنة ، تجاوز كل الخلافات واتخاد جملة من القرارات الحاسمة والجريئة ووضعها موضع التنفيد ، قبل بدء المرحلة الانتقالية الجديدة .
وفى تصورى يجب ان تتضمن هذه القرارات مايلى :
١– توحيد جهة الإنفاق العام ، بحيت تكون من مسؤولية وزارة المالية التى تتلقى الإيرادات النفطية وتدير حساباتها، ويشمل ذلك المرتبات لكافة القطاعات ومصروفات الباب الثانى ، والدعم والمستلزمات الطبية والادوية وما يعرف بمصروفات التنمية التى تتضمن منح الطلبة للدارسين فى الخارج ، بصرف النظر عن تبعيتها، وتجاوز كافة الخلافات السياسية المرتبطة بهذا الموضوع ووضع المصلحة العليا للدولة فوق كل اعتبار، وان يُسمح للمسؤولين والفنيين فى وزارتى المالية بوضع الترتيبات المناسبة واللازمة لتحقيق هذا التوجه ووضعه موضع التنفيد.
طالما كانت المبالغ التى يتم انفاقها مصدرها ايرادات النفط التى هى حق لكل الليبيين ، وان صرفها من قبل أى جهة فى الأغراض المحددة لها لا يعتبر منّة من أحد ، ولا فضل لتلك الجهة على غيرها، ولا يجوز حرمان اى جهة ليبية الاستفادة منها فى إطار القانون مهما بلغ الخلاف السياسى .
فالنفط ملك لكل الليبيين ولا يجوز حرمان أى اقليم او منطقة من مناطق ليبيا منه مهما كانت الأسباب .، مع ضرورة إخضاع تلك الجهة للمساءلة والمحاسبة الدورية من قبل مجلس النواب .
٢– التوقف عن ترتيب الدين العام ، خارج المحدد بالميزانية العامة الموحدة للدولة الليبية . ووضع آليات لسداد ماترتب منه فى الماضى . والغاء ازدواجية الميزانية العامة المعمول به حاليا .
٣– توحيد مجلس ادارة مصرف ليبيا المركزى ، والالتزام باحكام قانون المصارف فى هذا المجال والايعاز لمصرف ليبيا المركزى من قبل السلطة التشريعية باتخاد التدابير المناسبة لمعالجة المختنقات النقدية والمالية واقرار سياسة سعر الصرف التى يراها مناسبة وتحديد آليات التنفيد وتوقيته .
٤– تبنى الإطار العام لحزمة السياسات الاقتصادية التى وضعها فريق الخبراء متعدد الأطراف المكلف من قبل المجلس الرئاسى والسياسات الاقتصادية التفصيلية التوافقية المتممة التى أعدت تحت إشراف مصرف ليبيا المركزى فى طرابلس ، حيث تتضمن هذه السياسات المقترحة معالجات لكامل المشاكل الاقتصادية القائمة حاليا ومقترحات بالإجراءات الممكن اتخاذها حيال هذه المشاكل .
٥– توحيد مصادر النقد الاجنبى ( الجهات التى تدير نقد أجنبى ضمن مهامها ومسؤولياتها والتى لها مداخيل بالنقد الاجنبى )، بحيت تدار فى شكل مجمع لهذه الموارد لدى مختلف الجهات ، وتحت إشراف جهة واحدة (قد تكون لجنة مشتركة) و عدم ترتيب أية التزامات بالنقد الاجنبى أو أوجه صرف خارج مايتفق بشأنه كموازنة للصرف بالنقد الاجنبى على مختلف الاوجه لمصلحة جميع الأقاليم والمناطق الليبية ووفقا لأولويات محددة ، الى حين تجاوز الازمة .
هذه الإجراءات ستكون كفيلة بايقاف النزيف وتمهيد الظروف المناسبة للدخول فى مرحلة انتقالية جديدة ينتهى خلالها الانقسام السياسى، وضبط وتنظيم الإنفاق العام وإدارة موارد النقد الاجنبى المحدودة .
اما خلال المرحلة الانتقالية الجديدة (مرحلة مابعد الانقسام والنزاع ) فان الاعتبارات التالية ستكون مفيدة فى التمهيد لبناء الدولة :
١– سيكون على الحكومة المقبلة تبنى رؤية محددة للاقتصاد الوطنى تتمحور حول تنويع الاقتصاد وخلق مصادر جديدة للدخل (تجارة العبور، المناطق الحرة ، الصناعات التصديرية ، السياحة ) وتقليل الاعتماد على دخل النفط وصولا الى الاستغناء عنه . واستغلال مصادر الطاقة النظيفة . ..
٢– ستكون اعادة هيكلة الاقتصاد الوطنى المدخل الاستراتيجى المناسب لتحقيق الروءية المنشودة ، بحيت يضطلع القطاع الخاص الوطنى بدور رئيسى فى انتاج السلع والخدمات وتمويل جزء مهم من ميزانية التنمية ، وإيجاد شراكة حقيقية مع القطاع العام فى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة .
٤– تتطلب المرحلة المقبلة مراجعة بعض القوانين والتشريعات النافذة وإصدار ما يستوجب إصداره من قوانين تتناسب مع استحقاقات المرحلة وتحدياتها .
٥– وضع أولويات للعمل ضمن برنامج تعتمده الحكومة وترصد له الأموال اللازمة يقتضى قيام الحكومة ببسط الأمن واستتبابه وتفعيل دور الشرطة وبناء الجيش وإعادة تقديم الخدمات العامة المتمثلة فى التعليم والصحة ومعالجة المختنقات التى تعانى منها هذه القطاعات والاهتمام بالبيئة وحل مشكلة الكهرباء وتوفير مياه الشرب .
٦– اعادة بناء موءسسات الدولة وتفعيل دورها بحيت تصبح هذه المؤسسات الاحتوائية (lnclusive institutions) تعمل على بناء القدرات وتبنى الحوكمة كأسلوب فى الادارة واتخاذ القرارات وتعتمد الشفافية والتداول السلمى للسلطة على كافة المستويات وتحارب الفساد .
٧– البدء فى بناء شبكة للحماية الاجتماعية تستهدف الفئات السكانية الهشة والمعوزة والفقراء ومن هم على حافة خط الفقر، الخ ،،،، بحيت تؤسس بناءً على استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية .
***
د. محمد عبدالجليل ابوسنينة ـ اقتصادي ليبي ومستشار بالمصرف المركزي وعضو الهيئة التأسيسية لتيار ليبيا الدولة
___________
صفحة الدكتور ابوسنينة على الفيسبوك