بقلم أنور بوخرص
بعد أكثر من ست سنوات من إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي، لاتزال المناطق الحدودية في تونس مرتعاً للسخط الاجتماعي والاضطرابات. فالشبان المغبونون يُعبّرون على نحو مُطّرد عن غضبهم من خلال احتجاجات ساخنة ومتقدة، وعنف في الشوارع، وفي بعض الحالات التطرُّف العنيف.
***
رواق العنف: حدود تونس الغربية
تؤوي حدود تونس الغربية بعضاً من المواطنين الأكثر حرماناً في البلاد، حيث تضم 30 في المئة من مجموع السكان، و55 في المئة من الفقراء. تقدّم ولاية القصرين، التي سُلِّطت الأضواء الدولية عليها في العام 2012 بعدما تحوّلت مناطقها الجبلية عند الحدود مع الجزائر إلى ملاذٍ للمقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة، المثال الأفضل عن تأثيرات اللامساواة الحادّة والتفاوت الشديد بين المناطق الساحلية الأكثر تطوراً في الشمال الشرقي وبين المناطق الداخلية والغربية. المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الولاية التي تضم نصف مليون نسمة، هي الأسوأ في البلاد.
السبب وراء هذا الوضع المؤسف هو طبيعة التنمية الاقتصادية التي تميل تاريخياً لمصلحة المناطق الساحلية في الشمال الشرقي. ويعزو سكّان القصرين هذا التفاوت إلى سياسة متعمّدة تنتهجها النخبة السياسية والاقتصادية لمعاقبة المنطقة على تمرّدها. للقصرين وسواها من المناطق الغربية رصيدٌ طويل في معارضة السلطات المركزية بدءاً من الحقبة الاستعمارية.
فقد خاضت القبائل في الغرب مقاومة ضارية ضد السيطرة الفرنسية. وبعد الاستقلال، أبدت هذه المناطق استياءها من سيطرة النخب في المناطق الساحلية على أجهزة الدولة. إحدى المحطات البارزة في الرواية عن الحرمان والقمع المتعمدَين لمناطق الأطراف على أيدي النخبة الساحلية في الشمال الشرقي كانت في العام 1963، عندما أُعدِم الأزهر الشرايطي، ابن ريف قفصة في جنوب غرب تونس والزعيم الكاريزماتي للتمرد المناهض للفرنسيين، بتهمة التخطيط لاغتيال بورقيبة.
أما التونسيون الذين لايُبدون تشكيكاً شديداً بنوايا الدولة، فيلقون اللوم على السياسات النيوليبرالية التي اعتمدها بورقيبة أولاً، وليس على أي انتقام سياسي من مناطق الأطراف في غرب البلاد. لقد تسبّب ترويج بورقيبة للسياحة والنمو الذي تقوده الصادرات، باختلالات شديدة في التوازن الاقتصادي والجهوي. فالهدف الأساسي من بناء قطاعات البنى التحتية الأساسية الوطنية، كان تحفيز النمو الاقتصادي في العاصمة والمناطق الساحلية في الشرق.
واستُخدِمت الاستثمارات الكبرى في البنى التحتية للمواصلات من أجل ربط الجزء الشرقي الوسطي للبلاد بالمنطقة المتروبوليتانية حول تونس الكبرى، حيث تتركّز القطاعات ذات القيمة المضافة العليا مثل الأقمشة والسياحة. ولقد ساهمت المعاملة التفضيلية لهذه المناطق في ظهور انقسامات جهوية حادّة، إذ أصبح الحزام الاقتصادي الساحلي شريان الحياة للاقتصاد التونسي، مع مساهمته بأكثر من 85 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في البلاد. هذا ويتمركز 56 في المئة من السكان و92 في المئة من المصانع الصناعية، على مسافة أقل من ساعة في السيارة من المدن الكبرى الثلاث، تونس وصفاقس وسوسة.
في غضون ذلك، تُرِكت المناطق الغربية لتقبع في بؤر الفقر والتخلّف. لذلك ليس مفاجئاً أن يكون الغرب، في التاريخ الحديث لتونس، منبع المقاومة والثورة. لاتزال الأحداث التي طبعت الهجوم المسلّح الذي شنّه اليوسفيون التونسيون (الذين تأثّروا بصالح بن يوسف) والليبيون المدعومون من القذافي لزعزعة استقرار نظام بورقيبة، تحظى بالدعم من عدد كبير من الأشخاص في المنطقة، فهم يرون فيها الوسيلة الوحيدة لمقاومة الإهمال والتمييز من الدولة. منذ ذلك الحين، تجذّرَ في تلك المناطق تقليدٌ من الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات العنيفة اعتباراً من العام 1984، مع اندلاع أعمال شغب دموية بسبب لقمة العيش والتي بلغت ذروتها في العام 2008 مع الثورة في الحوض المنجمي في ولاية قفصة.
وفي خريف 2010، شكّلت ولايتا سيدي بوزيد والقصرين المحرومتان منطلقاً للانتفاضة التي أدّت إلى انتهاء حقبة بن علي الممقوتة من التونسيين. لكن بعد ستة أعوام على الثورة، لاتزال أكثرية الشباب في هاتين المنطقتين المهمشّتين تعاني من الإقصاء من الوظائف، والتأمين الصحي، والضمان الاجتماعي، والمرافق العامة.
لايزال النموذج الاقتصادي شديد المركزية نفسه الذي تسبّب بتهميش التونسيين وإضعافهم طوال سنواتٍ إبان الثورة، قائماً حتى الآن. وتثير الجهود الآيلة إلى معالجة أوجه التفاوت بين المناطق، الشكوك، وحتى العداء، لدى الأفرقاء المستفيدين من الوضع القائم. لاتزال النخبة في المدن والساحل تمارس قدراً كبيراً وغير متكافئ من التأثير في الاقتصاد والسياسة التونسيَّين. وهذا هو السبب خلف القيود التي تعرقل تطبيق إصلاحات المنظومة اللامركزية المنصوص عليها في دستور 2014. ويُهدّد تعزيز السلطات المحلية والجهوية خطوط الانقسام السياسية والاقتصادية القائمة في البلاد، لذلك تعمد النخبة السياسية إلى تعطيل هذه العملية بدلاً من دعمها.
على سبيل المثال، تضع وزارة الداخلية، المكلّفة الإشراف على تنظيم اللامركزية وتطبيقها، عراقيل إدارية لتبطيء وتيرة الإصلاحات أو تمييعها. والنتيجة هي أن قوانين اللامركزية لاتزال غارقة في مستنقع السجالات السياسية حول إعادة رسم الخطوط البلدية والجهوية، ونقل الكفاءات إلى البلديات ومجالس المناطق وتكليفها بها. كذلك جرى تأجيل الانتخابات البلدية والجهوية مرات عدة بسبب الخلافات السياسية، لكن حتى كتابة هذه السطور، الموعد المقرر لإجراء الانتخابات هو 17 كانون الأول/ديسمبر 2017.
أدّت وتيرة التغيير البطيئة إلى استفحال الإحباطات، ماتسبّب بدق إسفين أعمق بين سكّان الأطراف وقادتهم السياسيين. وغالباً مايندّد العاطلون عن العمل، في احتجاجاتهم، بالطبيعة المركزية للدولة وعدم الاستجابة من جانب الإدارة المحلية والجهوية. وكانت موجة الاحتجاجات التي عمّت المناطق الغربية في مطلع العام 2016 موجَّهة ضد السلطات المحلية التي غالباً ماتُظهر ازدراء ولامبالاة باحتياجات المتظاهرين ومطالبهم. كثيراً مارفض حكّام الولايات وسواهم من المسؤولين المحليين حتى الانخراط في حوار مع المتظاهرين.
مما لاشكّ فيه أن غالبية البلديات تفتقر إلى الإمكانات المادّية أو إلى تفويض واضح لتلبية المطالب. كما تنقصها الموارد البشرية المؤهَّلة التي تُعتبَر ضرورية للتخطيط لاستراتيجيات إنمائية شاملة وتصميمها. وتعاني مجالس التنمية الاقتصادية المحلية من النقص في أعداد الموظفين، ولاتمتلك موارد كافية كي تتمكّن من تطوير أي خطط عمل فعلية ومتكاملة من أجل إشراك الشباب على الصعيدَين الاجتماعي والاقتصادي.
مع الشحّ في الأموال المتوافرة لبرامج الخدمات والرعاية الاجتماعية، تدير السلطات المحلية حفنة من برامج المساعدات العامة لاحتواء الاضطرابات الاجتماعية في أوساط المعدمين الذين يشعرون بالاستياء. خلال عهد بن علي، أنشئت برامج اجتماعية على غرار صندوق التضامن الوطني، وصندوق العمالة الوطني، والبنك التونسي للتضامن، وذلك من أجل التخفيف من وطأة الفقر وأوجه التفاوت بين المناطق. وُضِع التصوّر الخاص ببرنامج Les Chantiers (برنامج الأشغال العامة) في عهد بورقيبة، وجرى تطويره في عهد بن علي كمصدر أساسي للتوظيف في المناطق الأشد فقراً في البلاد.
وقد أمّن البرنامج وظائف قصيرة الأمد في مجالات صيانة الطرقات، وتنظيف شبكات الصرف الصحي وتركيبها، والتخلّص من المياه الآسنة، والحفاظ على التربة، والأنشطة الحرجية. بيد أن السلطات المحلية استخدمت الأموال لترسيخ شبكات الزبائنية التابعة لها، وتعزيز قدرتها على فرض سيطرتها الاجتماعية وهيمنتها السياسية. كانت للمسؤولين الكبار في الإدارة المحلية حصص سياسية لإعادة توزيع الوظائف على عائلاتهم أو بيعها إلى شبكات زبائنية أخرى.
استمرت هذه المنظومة الفئوية والزبائنية في مرحلة مابعد الثورة. ففي غياب أي تفكير جدّي في حدود النموذج الاقتصادي، لجأت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة إلى المقاربات السطحية القديمة نفسها والحلول المسكِّنة المؤقتة. على سبيل المثال، استخدمت جميع الإدارات التونسية منظومة مايُسمى Les Chantiers لبناء شبكات الدعم وتهدئة التشنّجات الاجتماعية المتصاعدة. ويولّد التلاعب المستمر بهذه المصادر لنقل الدخل، التي تشكّل أحياناً الوسيلة الوحيدة لشراء السلم الاجتماعي، أتون غضب متأججاً يعبّر عن نفسه باطّراد في الاحتجاجات وعنف الشوارع. وتتسبّب الاضطرابات بدورها بعرقلة النمو الاقتصادي الذي يشكّل حاجة ماسة، كما تحول دون ترسيخ الإصلاحات الديمقراطية.
فضلاً عن ذلك، تفاقمت المحنة الاقتصادية للمناطق الواقعة عند الحدود الغربية، مع إحكام عدد من المقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة قبضتهم على المناطق الوعرة في جبلَي الشعانبي وسمامة على مقربة من الحدود الجزائرية. جوبِهت الهجمات التي شنّتها كتيبة عقبة بن نافع وتنظيم جند الخليفة الموالي للدولة الإسلامية في القيروان في تونس، بتكثيف الهجمات الجوية على الأراضي الخاضعة إلى سيطرة هاتَين المجموعتين، فضلاً عن نشر المزيد من الأسلحة والعناصر. وقد كانت لتعزيز المراقبة على الحدود الجزائرية تداعيات اجتماعية سلبية على الأشخاص الذين تتوقّف أرزاقهم على التجارة غير النظامية عبر الحدود، في وضع مشابه إلى حد كبير لما يحصل عند الحدود الليبية.
تؤدي عرقلة الاقتصاد غير النظامي إلى تعميق شعور الشعب بالتهميش الاقتصادي والاستبعاد الاجتماعي. ويخلّف ذلك إحساساً بالمرارة في أوساط السكان المحليين الذين يعتقدون أن التدابير الحكومية الأمنية تُطبّق على حساب معيشتهم. وقد اشتكى كثيرون من أنهم علقوا وسط إطلاق النار المتبادل بين قوات الأمن وبين الجماعات الإرهابية. علاوةً على ذلك، جعل تصاعد استخدام أسلحة المدفعية والغارات الجوية الحياة في قرى عدّة صعبة، إذ إنها كانت تؤدي في بعض الأحيان إلى تدمير المزارع والأراضي الزراعية الأخرى.
وفي خضم ذلك، برزت ردود فعل متنامية في وجه نموذج مكافحة الإرهاب الذي يضع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل في الدرجة الثانية على سلم الأولويات. فعلى سبيل المثال، غالباً ماتزامن الارتفاع في حدّة التنافس الاجتماعي مع تشديد تدابير مكافحة الإرهاب بأمر من السبسي. وقد اكتسبت الاضطرابات العنيفة في كانون الثاني/يناير 2016 زخماً بالتحديد خلال فرض حالة الطوارئ في البلاد قبل هذه الاضطرابات بشهرين.
نتيجةً لذلك، وجدت نفسها الحكومة والمناطق الحدودية على السواء عالقةً في هذه الحلقة المفرغة من العنف. فالإرهاب يضفي شرعية على النُهُج المتشددة المستخدمة في مكافحة الإرهاب، التي غالباً ماتؤدي آثارها إلى تصاعد وتيرة التوترات الاجتماعية والعنف السياسي. فعلى سبيل المثال، يدفع اختناق الاقتصاد غير النظامي الأشخاص، الذين لايملكون خيارات عديدة والذين اعتمدوا تاريخياً على التهريب كمصدر قوتهم اليومي، إلى حافة الهاوية.
الجدير ذكره هنا أن الحوافز الضرورية للخروج من هذا المأزق شبه معدومة، ذلك أن مستوى التهديد الإرهابي لايزال مرتفعاً، كما أن اللاعبين السياسيين الذين يملكون القدرة على التعهّد بتعزيز أهداف التنمية المستدامة ومعالجة الأسباب الأساسية التي تغذي التطرّف لايتمتّعون بالمصداقية. ولذا، تتأثر منطقة الحدود الغربية بشكل مضاعف بازدياد حدّة القتال وما يقابله من تدابير صارمة لمكافحة الإرهاب. من جهته، يؤدي الإرهاب إلى استشراء التخلّف وعدم المساواة، في حين تُعمّق النُهُج المتشدّدة لمكافحة الإرهاب حالة الانقسام في المجتمعات وتزيد من الإحباط المتنامي للشباب.
تستغل الجماعات المتطرّفة نفور الشعب من نظامها السياسي لتفكيك سلطة الحكومة. وفي المناطق الحدودية الفقيرة التي تتحمّل العبء الأكبر من سياسة الحكومة الأمنية المتشدّدة، يزداد حقد الناس على الشرطة والأجهزة الأمنية. ومن الواضح أن انعدام الثقة والعداء يعيقان عملية مكافحة الإرهاب ويهيئان أيضاً بيئة حاضنة لتجنيد المتطرفين. ليس من المستغرب، إذاً، أن ينضّم بعض الشباب إلى الجماعات المسلحة العنيفة المتحصّنة في منطقة جبل الشعانبي، أو المختبئة في الضواحي الفقيرة لمدينة القصرين مثل حي النور، مسقط رأس أحد منفذي الهجوم الذي استهدف المتحف الوطني في باردو.
***
أنور بوخرص ـ باحث غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. وهو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في كلية ماكدانيل في وستمنستر، ميريلاند.
______________