بعد أكثر من ست سنوات من إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي، لاتزال المناطق الحدودية في تونس مرتعاً للسخط الاجتماعي والاضطرابات. فالشبان المغبونون يُعبّرون على نحو مُطّرد عن غضبهم من خلال احتجاجات ساخنة ومتقدة، وعنف في الشوارع، وفي بعض الحالات التطرُّف العنيف.
.
***
منطقة في حالة ثَوَران: الحدود الجنوبية الشرقية لتونس
واقع أن المنطقة الجنوبية الشرقية لتونس تغلي بالسخط الشديد والعداء للحكومة، ليس بالأمر المستجد أو المفاجىء، إذ أنها لطالما كانت مُبتلية بالإقصاء والحرمان.
فمن الحكم الاستعماري لهذه المنطقة إلى عهد بن علي، كانت هذه الأطراف الجنوبية مُهمّشة ومُدانة بكونها بيئة قَبَلِية، وجامحة، ومتخلّفة. وقد أدّى رسم الفرنسيين الحدود الاعتباطية، ومصادرة الأراضي وفرض الاستقرار الإجباري على البدو في المنطقة التي تعاني من ضعف الإمكانات الزراعية، إلى الإخلال بالحياة الرعوية لسكانها.
كما خلقت سياسة أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال، الحبيب بورقيبة، الذي أعاد التأكيد على هذه التوجهات غير المُتناظرة، شعوراً عميقاً بالظلم، وأشعل روح التمرّد ضد المركز.
أولى خطوات التحدي لهذا الواقع برزت غداة الاستقلال في العام 1956، حين اصطفّت الجهات الجنوبية إلى جانب العدو السياسي لبورقيبة، صالح بن يوسف، وهو قائد وطني جنوبي تحدى هيمنة جهاز الدولة وأدان موارد ومداخيل النخبة في تونس العاصمة والساحل الشمالي الشرقي.
هذه الخصومات السياسية نفسها بُعِثَت من جديد في الانتخابات الرئاسية العام 2014، حين صوّت الجنوب المُفقر بشكل كاسح ضد المرشح الرئاسي السبسي، الذي يُعتبر ركيزة مركزية راسخة لهياكل السلطة المُهيمنة التي حكمت تونس منذ الاستقلال. في كلا الحالتين، كان سكان الجنوب يعبّرون عن سخطهم من الانموذج الاقتصادي السائد الذي أدار الظهر لهم.
وهكذا، من مركزية الدولة السلطوية في عهد بورقيبة إلى الليبرالية الاقتصادية القائمة على المحسوبية خلال حكم بن علي، وجدت المناطق الجنوبية نفسها في الجانب الخاسر من اقتصاد مُختل التوازن للغاية.
عدا حفنة الوظائف في الجيش وفي الحكومة المحلية التي تصدّقت بها الدولة كمحسوبية سياسية، تعيّن على السكان الجنوبيين أن يعيلوا أنفسهم بأنفسهم من خلال العمل في اقتصاد السوق السوداء. فالعائلات في النواحي الحدودية مع ليبيا، تدبّرت أمرها بمعطيات معيشية متداعية تتكوّن في غالب الأحيان من عمل في التجارة غير المنظّمة والتهريب عبر الحدود.
وقد سرّعت العلاقات المتزعزعة مع القذافي، الذي قتل في تشرين الأول/أكتوبر 2011، تعزيز الطابع غير المنظّم للتجارة عبر الحدود. كما أشرع الإغلاق الدوري للحدود وطرد العمال التونسيين من ليبيا الأبواب أمام الكارتلات القَبَلية لتطوير خدمات مربحة عبر الحدود. وهكذا، طوّرت قبيلة التوازين التابعة لبن قردان وحلفائها من قبائل النوايل في ليبيا أسواقاً غير نظامية تتعاطى بالعملة، والاتجار بالبشر، وتهريب مروحة واسعة من السلع الليبية المدعّمة، من الوقود إلى السكر.
وفي العام 1993، دفعت العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على ليبيا السكان على كلا جانبي الحدود إلى الاعتماد على التهريب لتأمين لقمة العيش.
تسامح نظام بن علي، إن لم يكن شجّع، نمو المراكز غير القانونية للتجارة بوصفها صمامات أمان يمكن أن تُنفّس الاحتقان المجتمعي الذي قد ينفجر في شكل اضطرابات أهلية أو عمليات هجرة جماعية إلى المناطق الأكثر تطوراً في المدن الساحلية الشرقية. لكن، كان ثمة محظوران بارزان لهذه الاتفاقية غير الرسمية: فالكارتلات القبلية تعهّدت بعدم الانخراط في تهريب الأسلحة والمخدرات والتزمت مساعدة الحكومة على حماية الحدود من تسلل مهربي هذه المواد.
وحين كسرت الحكومة قواعد هذه الاتفاقية الضمنية، غرقت منطقة الحدود في بحر لجب من الاضطرابات. ففي صيف 2010، تمرّد التجار غير النظاميين والمهربين عبر الحدود ضد كلٍ من إغلاق معبر رأس جدير الحدودي مع ليبيا، ومحاولات أقارب بن علي سيئي السمعة فرض ضريبة خروج على التونسيين الذين يعبرون الحدود.
ولم يتوقف العنف والاضطرابات إلا بعد أن ألغى الرئيس الضريبة، وأمر بإعادة فتح المعبر الحدودي. السيناريو نفسه تكرر في أوائل 2015، بعد أن فرضت الحكومة التونسية ضريبة تصدير قدرها 15 دولاراً على الأجانب، مادفع السلطات الليبية إلى الرد بالمثل. ومرة أخرى، أدت الاحتجاجات الشرسة إلى إجبار السلطات على تعليق هذه الضريبة أيضا.
عرقل سقوط نظام بن علي نشاط الأسواق عبر الحدود، وشبكات التجارة، ومستويات السلوك. كما انه أربك التراتبيات التقليدية الداخلية والخارجية للسلطة القَبَلية، إذ باتت النخب القبلية المُهيمنة وكارتلات التهريب عُرضة إلى المنافسة من قبل قبائل كانت هامشية في ما مضى ومن أطراف مُغامرة. وقد عمد اللاعبون الجدد، الذين اغتنموا فرصة تشتت انتباه القوى الأمنية وعدم تنظيم اقتصاد الحدود، إلى توسيع مجالات تجارتهم لتشمل سلعاً كانت ممنوعة سابقاً كالكحول والمخدرات.
ومما زاد الطين بلّة في السوق السوداء دخول المتطرفين العنيفين على خط هذا الخليط، الأمر الذي أوجب التمييز بين الشبكات غير النظامية الحميدة للتجار عبر الحدود وبين رواد الجريمة المُنظَمة والعنف. لكن من سوء الحظ، تميل السلطات التونسية، ومعها الإعلام، على نحو متزايد إلى خلط كل أنواع التهريب غير القانوني بعضه ببعض بوصفه يشكل تهديداً لأمن الدولة. وهذا المنحى القائم على تجريم اقتصاد الظل، ينفّر السكان المحليين واللاعبين الاقتصاديين الذين تحتاجهم الحكومة للمساعدة على إدارة شؤون الحدود. هذا إضافة إلى أن ذلك يفاقم الأزمة الاجتماعية التي تغلي تحت سطح المنطقة الجنوبية.
والحال أن الموجة الرعناء من الهجمات الإرهابية في تونس وتوغّل الدولة الإسلامية في أعماق جنوب البلاد، يمكِّن ويعزز مقاربة الحكومة المستندة إلى شعار الأمن أولاً في المناطق الحدودية. وهكذا، رفع الهجوم في بن قردان في آذار/مارس 2016 من وتائر عسكرة المناطق الحدودية بهدف ردع الإرهاب وقطع دابر تجارة التهريب المُتنامية. كما حثّت الحكومة الخطى لبناء حاجز مناوىء للإرهاب يبلغ مداه 125 ميلاً على طول الحدود مع ليبيا. هذا الحاجز، الذي تُطلق عليه تونس اسم “نظام العقبات” مكوّن من أكوام رمال وخنادق مليئة بالمياه لمنع العربات والأشخاص الذين يحملون مواد مهرّبة من عبور الحدود. وفي سبيل منع المتشددين من دخول تونس عبر ليبيا، سيُجهّز هذا الحاجز بمجسات إلكترونية ويعزز بأبراج مراقبة وطائرات من دون طيار. لكن لايُحتمل أن تكون عسكرة الحدود فعّالة، إلا إذا أصبحت الحكومة جدّية في معالجة الأسباب العميقة لانعدام الأمن في الجنوب. فبناء الجدار لن يوقف الإرهاب ولن يحد من تدفق المواد المُهرّبة إلى البلاد. لا بل يشي التاريخ الحديث بأن إغلاق الحدود الجنوبية لايفعل شيئاً سوى تشجيع مهنة التهريب.
ففي حقبة الثمانينيات، أصبحت منطقة بن قردان ملاذاً رئيساً للتهريب، بالتحديد حين جرى إغلاق الحدود مع ليبيا. وبالتالي، لن تؤثّر عسكرة الحدود سوى على أضعف الناس الذين يعتمدون على الاتجار في الممنوعات، والذين يفتقدون إلى الوسائل والشبكات للتغلّب على عقبة الحواجز الحدودية. أما حلقات التهريب الأقوى والأغنى، فإنها ستستخدم الطرق الرئيسة، وستفيد من تواطؤ وتغاضي عناصر دوريات الحدود التونسيين ومسؤولين رسميين آخرين.
يُنحي المنطق البسيط في تونس لائمة البلايا الأمنية في البلاد على ليبيا. كما يعتقد العديد من المسؤولين التونسيين أن التهديدات الأمنية تنبع في الدرجة الأولى من الخارج، وبالتالي فهي تتطلّب أساساً مقاربة وردوداً أمنية. مثل هذه المقاربة تُعطي الأولوية لتعزيز عمليات مراقبة الحدود، وتطوير قدرات أجهزة المخابرات والمؤسسات الأمنية الأخرى في اكتشاف ومنع تنقّل المتشددين والمهربين عبر الحدود من ليبيا.
بالطبع، تركيز السلطات التونسية على تعزيز الحدود وزيادة الحواجز قابلة الحدود الليبية أمر مهم، لكنه يجازف بحرف الانتباه عن جذور الأسباب المؤدية إلى فقدان الأمن. ونتيجة لذلك، لم تنل المشاكل الاجتماعية– الاقتصادية التي تُشعل إوار السخط السياسي، والاضطرابات الاجتماعية، والتطرف العنيف، ما تستحق من الدولة، عدا تقديم الوعود ومعسول الكلام.
لقد أصبحت المقاربة التقليدية لمكافحة الإرهاب ثابتة من ثوابت سياسة تونس نحو الأطراف الجنوبية الشرقية من البلاد. ففي العام 2014، خاض السبسي بنجاح معركة الانتخابات الرئاسية بوصفه المرشح الأكثر قدرة على استعادة الاستقرار والأمن في البلاد. لكن بالنسبة إلى العديدين في الجنوب الذين رفضوا هذا الترشيح، تتم مطابقة عهد السبسي كرئيس مع القسوة والتعيير.
ويؤكّد استصغار السبسي للجنوب (وصف منافسه في الانتخابات الرئاسية للعام 2014، وهو الجنوبي منصف المرزوقي، بأنه “مرشح الجهاديين“)، شبهات العديدين بأن النخبة السياسية تتعمّد ترك هذه المناطق لتتآكل. وعلى أي حال، سبق للسبسي أن أثار زوبعة من الجدل في أيلول/سبتمبر 2011 حين تحدّث عن المناطق المتحضّرة في الساحل، مما يعني ضمناً أن المناطق الجنوبية غير مُتحضّرة.
والحصيلة؟ إنها تتمثّل في أن وعود السبسي للتصدي للفوضى والخروج على القانون على طول الحدود، اصطدمت مع حقيقة قاسية هي أن المجتمعات المحلية تعتمد في معيشتها على الانتقال الحر للأشخاص والبضائع. وهذا البُعد العابر للحدود في العلاقات القبلية والاجتماعية بين جنوب شرق تونس وبين غرب ليبيا، يجعل أي إعاقة للتجارة عبر الحدود قضية لاهبة ومُتفجّرة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المجتمعات المحلية في جنوب شرق تونس لديها بنية عائلية راسخة، وروابط اقتصادية وثقافية مع غرب ليبيا. ولذا، لايجب أن نستغرب إذا ما كانت عرقلة هذه التبادلات، تؤدي في الغالب إلى إشعال الاحتجاجات وأعمال الشغب.
ويعتقد معظم الجنوبيين أن النظام السياسي خاضع إلى سيطرة نخبة شمالية شرقية همّها الرئيس إدامة تهميشهم وإقصاءهم. فبدلاً من معالجة ظروف التنمية الجهوية غير المتكافئة، تُعتبر الحكومة مُعرقلة للمصدر الوحيد للمداخيل المُتوافرة لسكان المناطق الحدودية. ولذا، لايتمحور العنف حول معارضة سيطرة الدولة على حدودها، بقدر ماينصّب على عدم توافر البديل الفعال للتجارة غير النظامية.
لقد فشلت الحكومات المتعاقبة في حقبة مابعد الثورة في تحقيق ولو تطوير بسيط في خدمات البنية التحتية التي تفتقد إليها بشدة المناطق الجنوبية الشرقية. وفي ما عدا جزيرة جربة، وهي جنّة سياحية تقع في الطرف الجنوبي من خليج قابس، فإن شطراً كبيراً من هذه المناطق يعاني من مستويات خفيضة من التنمية. على سبيل المثال، لدى ولاية تطوان، التي كانت مسرحاً للاحتجاجات ضد التهميش، أكبر عدد من الخريجين العاطلين عن العمل في البلاد (58%).
وعلى رغم المساحة الكبيرة للمنطقة الجنوبية الشرقية (25% من مساحة تونس) وحقول النفط فيها التي توفّر 40 في المئة من الإنتاج التونسي، إلا انها تعاني من بُنى مادية بائسة كالطرقات، والمستشفيات، والمدارس. ومثل هذه العجوزات تُشل النشاط الاقتصادي والقدرة على تقديم الخدمات الاجتماعية، حتى في الأنحاء التي شهدت تصنيعاً واسعا.
ففي ولاية قابس، التي تقع على طول الساحل الجنوبي الشرقي وتفاخر بانطوائها على أضخم المناطق الصناعية، يبلغ معدل البطالة والأمية مستويات أعلى بكثير من المعدل الوطني. هذه الظروف التي تجعل هذه المنطقة تختنق بأنفاسها جراء التلوّث الصناعي وظروف العمل غير الصحية ونقص توافر خدمات الاستشفاء والرعاية الصحية، تميط اللثام بشكل كامل عن مدى التهميش الذي تعاني منه المجتمعات المحلية هناك.
وقد أصبح شعار “الشعب يريد بيئة سليمة” لازمة ثابتة وعامة في الاحتجاجات على التلّوث الذي تحدثه صناعة الفوسفات، حيث يشتكي السكان المحليون من تصاعد وتائر العقم، والإجهاض، والسرطان وأمراض التنفس والقلب. كما أنهم ينحون باللائمة على مناجم الفوسفات ومصافي البترول لاستنزاف الموارد المائية المحلية، وتخريب واحات النخيل الساحلية، وإلحاق الضرر بمعيشة المزارعين.
ما يُثير حفيظة المناطق الفقيرة هو أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، أثبتت أنها غير قادرة على تصحيح هذه العجوزات. وقد كان يُتوقع من الإسلاميين، على وجه الخصوص، الذين عانوا من القمع في العهد السلطوي السابق، أن يقطعوا مع السياسات التي انحازت لصالح الأقاليم الساحلية. وبالفعل، عمد حزب النهضة خلال سنتي حكمه إلى زيادة المُخصصات العامة للمناطق الفقيرة بنسبة 30 في المئة، بيد أن التأخير المتواصل في تنفيذ مشاريع البنى التحتية (بفعل أسباب هيكلية وسياسية في آن)، حرف خطط الحكومة عن مسارها.
والحصيلة أن الأموال التي أُنفقت كانت أقل حتى من مستويات ماقبل الثورة.
علاوةً على ذلك، ساهمت النزاعات بين الحكومة المركزية وبين الممثلين المحليين وسلطات الولايات في إبطاء وتيرة الاستثمارات وتوظيف رؤوس الأموال. فعلى المستوى المركزي، أسفر فقدان التنسيق التنظيمي عن التنافر وعدم الاتساق في تخطيط وتنفيذ مشاريع التنمية في معظم الأقاليم المُهمّشة. كما أدى عدم التعاون بين وزارة التنمية الجهوية والتخطيط وبين وزارات الصناعة، والمالية، والاقتصاد، والعمل، والزراعة والبيئة، والتجهيز، إلى سياسات اقتصادية مُفككة، الأمر الذي دفع كل وزارة إلى السعي وراء مصالحها الضيّقة وصون مضمارها الخاص.
وفي بيئة يغشاها اللااستقرار، كان المحافظون الذين عيّنتهم حكومة يقودها الإسلاميون، يواجهون مقاومة عنيدة وحرون من النخب المحلية، والنقابات، والإدارات الجهوية. إضافة إلى ذلك، عمّقت حقيقة أن معظم المحافظين الذين عيّنهم النهضة كانوا يفتقدون إلى الخبرات الاقتصادية والإدارية، مشاعر التوتر وفقدان الثقة. وهذا الأمر سحب نفسه أيضاً على منطقة التجارة الحرة الموعودة بين بن قردان ورأس جدير، وعلى قناة نقل الغاز بين قابس وليبيا.
تعرّض رئيس الحكومة يوسف الشاهد منذ تعيينه في آب/أغسطس 2016 إلى ضغوط شديدة لإعادة تنشيط وتسريع تنفيذ المشاريع الاستثمارية المُعلّقة. والحال أن إقامة المناطق الصناعية والتجارة الحرة في النواحي الحدودية كان اختباراً لنوايا الحكومة. بيد أن النوايا الحسنة وحدها لاتكفي.
وعلى سبيل المثال، لم يتم تصميم مناطق التجارة الحرة المُقترحة على نسق المواقع الاقتصادية الخاصة المغربية والمدن الصناعية في طنجة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحويل طنجة مؤخراً إلى مركز تصنيع رئيس ومعبر تجاري، تطلّب استثمارات كثيفة في المرافىء، والطرقات، والنقل الجوي، وإمدادات المياه، إضافة إلى مروحة واسعة أخرى من الإجراءات لاجتذاب المستثمرين وتدريب العمال في الصناعات الآلية والفضائية. الفضل في نجاح مثل هذه المبادرات يُنحى إلى وجود إرادة سياسية قوية وراءها.
وكما مع أي شيء آخر في المغرب، تتحرّك المشاريع التي يأمر بها الملك بخطى أسرع. أما المشاريع التي تفتقد إلى هذه الحظوة، فهي تتعثّر في لجج البيروقراطية المُترنحة، والنزاعات السياسية، والتجاوزات في التكاليف. ومن الواضح أنه ليس ثمة مثيل لهذه الأمور في نظام الانتقال الديمقراطي في تونس.
لاريب أن الشاهد واجه صعوبات جمّة. فمع وجود بنى تحتية بائسة، وتعداد سكاني متناقص، وعمال أقل كفاءة من باقي الأقاليم على طول الساحل الشرقي المتوسطي لتونس، كان بديهياً أن تكون المناطق الجنوبية أقل جذباً للمستثمرين.
هذا علاوة على أن العقبات البيروقراطية والفساد اعترضت طريق ترقية الأعمال. ثم جاءت التهديدات الأمنية المتصاعدة لتزيد الطين بلّة، عبر إثارة مخاوف الاستثمارات الأجنبية المباشرة. والواقع أن هذه التحديات الكأداء ليست قصراً على الحدود الجنوبية، إذ أن حدود تونس الغربية مبتلية هي الأخرى بمشاكل الفقر المُدقع، واللامساواة الحادة، والبطالة الكاسحة، وتفاقم نشاطات المتطرفين.
حتى الآن، فشلت حكومة الوحدة الوطنية في استنهاض الإرادة السياسية وفي توفير الأصول المالية لحفز التنمية الاقتصادية في النواحي الحدودية التي تعاني من التخلّف. والمدهش هنا هو غياب أي خطط عمل متسقة لتحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المحلية الحدودية.
مثل هذا الشح في وتائر التقدم الاقتصادي يخلق مرجلاً مشتعلاً بالحنق والغضب، قد يعبّر عن نفسه بشكل مطّرد في شكل احتجاجات، وعنف في الشوارع، وتطرّف عنيف.
***
أنور بوخرص ـ باحث غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. وهو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في كلية ماكدانيل في وستمنستر، ميريلاند.
______________