بقلم إيان بلاك
مقال قديم يعالج مسألة متجددة نشر على الغارديان بتاريخ 26 نوفمبر 2014، وهو ملخص لتقرير حقوقي نشره المعهد الدانماركي (ديغنتي) وهي منظمة تعمل ضد التعذيب.
التقرير تناول الثمن الفادح الذي يدفعه الليبيون من “التعذيب” و”الإخفاء” و”الاغتيال” و”القتل” الذي يحدث في ليبيا منذ انطلاق الثورة في فبراير 2011 وخلص إلى أن النزاع المستمر في البلاد ترك ثلثي السكان يعانون من مشاكل نفسية.
التقرير سرد معلومات وأرقام بناء على دراسة ميدانية وكشف عن صورة مدمرة عن الآثار الإنسانية التي خلفها النزاع الجهوي والقبلي وبين الفصائل المختلفة، الذي تعاني منه البلاد منذ الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011.
يقول التقرير إن خُمس عائلات ليبيا (20%) اختفى فرد من أفرادها، فيما قالت نسبة 11 % من العائلات إن أحد أبنائها قد اعتقل، وأبلغت نسبة 5% من السكان عن قتل أحد أفراد العائلة.
ووجد الباحثون أن نسبة 46% من الذين اعتقلوا عانوا من الضرب، و20% من تعذيب خلال الجلوس بأوضاع غير مريحة، و15% تعرضوا للخنق، وما بين 3-5 % قالوا إنهم عانوا من انتهاكات جنسية أو التعذيب بالعصي الكهربائية.
ويقول التقرير الذي شاركت في إعداده جامعة بنغازي إن “الأرقام المتوفرة لدينا تشير إلى انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان قد حدثت في ليبيا”. كما يحاول التقرير تقييم الحاجات النفسية والعقلية،.
واستندت نتائج التقرير على عينة بحثية مكونة من 2.692 عائلة، شاركت في الإجابة عن أسئلة الدراسة، التي اكتملت في أكتوبر 2013. لكن من المؤكد أن الوضع قد زاد سوءا.
وأظهرت النتائج أن 29 % من الأفراد الذين شاركوا فيها تحدثوا عن حالة من القلق، و30 % عن الكآبة، كما أظهرت أن الضغوط النفسية التي يعاني منها أفراد العائلة جاءت نتيجة للقلق والتفكير بالوضع السياسي وغياب الاستقرار، ونسبة من أشاروا إلى هذا الوضع كانت 63.6 %، فيما أشارت نسبة 56.6 % إلى أن سبب الضغط النفسي جاء نتيجة لغياب الأمن وفقدان الأمل، ونسبة 46.4 % قالت إن السبب هو التفكير في المستقبل. وقالت نسبة 30 % إنها تعرضت للعنف أثناء مشاركتها في التظاهرات.
وذهب الكاتب إلى أنه رغم استمرار الأزمة التي تركت آثارها على نفسية الليبيين، إلا أنهم لم يحصلوا على أي دعم من المنظمات الدولية الإنسانية. فقط نسبة 2 % قالت إنها تلقت دعما من منظمات غير حكومية.
ويشير التقرير إلى أنه عوضا عن الدعم الخارجي بحث الليبيون عن دعم محلي: فنسبة 72 % قالت إنها حصلت على دعم من العائلة، و48 % من الأصدقاء، و43% من أطباء نفسيين، و24 % من قادة وأئمة دين، و18 % من الأطباء التقليديين.
كما يبين التقرير أن المجتمع الليبي لا يكترث للبحث عن علاج للمشاكل النفسية، وهناك عدد قليل من الأطباء والمعالجين النفسيين ممن لديهم مصادر محدودة لمعالجة الذين أصيبوا من تداعيات الحرب وآثار التعذيب.
ويقول أيضا “بالإضافة لهذا هناك شعور بالعار الاجتماعي فيما يتعلق بمن يصابون بمرض عقلي. وعادة ما ترد الأعراض المرضية النفسية إلى الرموز التقليدية مثل الحسد والعين والسحر“.
وتنقل الصحيفة عن أحلام كمالالي، التي عملت في فريق “ديغنتي”، قولها إنها تتذكر كيف كانت أفلام الفيديو تصور التعذيب والاغتصاب بين الناس، كانت تتم تسمية الأشخاص فيها مثل “سفاح مصراتة” و”مغتصب البريقة”، حيث كانت مشابهة لأفلام الرعب، فقد كانت أفلام التعذيب وسيلة لنشر الرعب، بحسب قولها.
كما أشارت الدراسة إلى أن التهجير والنزوح الداخلي عامل من عوامل المرض النفسي: فنسبة 18 % من المشاركين قالت إنها تعرضت للتشريد أثناء النزاع، فيما قالت نسبة 16 % إنها لا تزال تعيش حالة التشرد في الوقت الذي أجري فيه اللقاء معها. وهناك ما يقدر بـ35.000 من أبناء تاجوراء شردهم المقاتلون في مصراتة، وحرقت بلدتهم بتهمة دعم النظام السابق.
ويلفت التقرير إلى النشوة التي اعترت أهالي بنغازي عند بداية الثورة الليبية في فبراير 2011، لكنه يرى أن الآثار قصيرة المدى الناجمة عن الثورة وأربعين عاما من حكم القذافي الديكتاتوري لا تزال دون علاج.
ويذكر التقرير أن هناك حالة من غياب الثقة بسبب المخاوف من انتشار العملاء والمخربين، الأمر الذي يعد حاجزا أمام بناء دولة فاعلة قائمة على مؤسسات ديمقراطية وحكم القانون.
ويقول أحد معدي التقرير أنه “لا أحد يمكن الثقة به ولهذا تظل ساكتا، وقد ترك هذا أثره على عملنا مع الناجين من التعذيب، فقد كان من الصعب دفع أشخاص للتحدث معا أو الحديث عن العمل والخطط للمستقبل، فهم لا يثقون ببعضهم البعض، وحتى على مستوى المهنة“.
وتؤكد الصحيفة أنه في الوقت الذي نُظر فيه للإطاحة بنظام القذافي بمساعدة من دول حلف الناتو ودول الخليج وتركيا بأنه قصة نجاح من قصص الربيع العربي، إلا أن غياب مؤسسات الدولة الوطنية القوية أدى لدخول الميليشيات المتنازعة في صراع على السلطة.
وقالت نسبة الثلث من المستطلعين إنها لاحظت تغيرا في ظروف حياتها للأفضل عما كانت عليه في ظل القذافي رغم عدم الاستقرار، وفشل البرلمان في الاتفاق على قيادة وأساس شرعي للبلد.
وجاء في التقرير أن “الحلم بقيام ليبيا مستقرة تعيش بسلام وديموقراطية، الذي ساد حديث الناس وآمالهم بعد سقوط نظام القذافي، قد حلت محله مفردات ممارسة العنف، التمزق والخوف والعدوانية“.
ويتابع “لا يزال مستقبل ليبيا غير واضح، ولكن نتائج الدراسة تظهر أن آثار النزاع العنيف وتداعياته عميقة وستؤثر على المجتمع الليبي في المستقبل أيا كان النظام السياسي وشكل الحكم“.
ويخلص التقرير إلى أن أي حكومة ليبية في المستقبل ستواجه تحديات ضخمة للتخفيف من المعاناة الإنسانية وتحسين الحياة النفسية، ولكن مع استمرار النزاع الداخلي فمن المتوقع أن يحدث عدد آخر من انتهاكات حقوق الإنسان، ما سيفاقم مشاكل الصحة العقلية ويؤثر على النسيج الاجتماعي وقدرات الدولة الليبية.
______________