يركز التقرير الذي صدر عن معهد السلام الأمريكي على القطاع الديني في ليبيا وتأثيره الحالي ـ إيجابيا وسلبيا ـ على عملية بناء السلم، والانتقال الديمقراطي في ليبيا.
استنادا إلى نتائج الدراسات الاستقصائية التي أجريت في ليبيا في عامي 2014 و 2016 من قبل معهد السلام الأمريكي، كما استفاد التقرير من باحثين مقيمي في ليبيا ومن ذوي المعرفة المحلية بالأوضاع في ليبيا.
سلط تقرير أعده معهد السلام الأميركي الضوء على دور رجال الدين والرموز الدينية البارزة في الأزمة السياسية والصراع المستمر في ليبيا منذ العام 2011، وهل تستطيع تلك الفئة لعب دور حيوي في تفعيل دور الوساطة بين الفصائل الليبية، والمساهمة في دفع عملية السلام.
يستند التقرير، الذي كتبته زهراء لنقي مؤسسة «منبر المرأة الليبية» وبالوشا كاكار الباحثة بمعهد السلام الأميركي إلى نتائج مسح أجري في العام 2014 وآخر العام 2016، يتضمن آراء شريحة واسعة من الليبيين حول دور رجال الدين وتأثيرهم على الأزمة السياسية.
ويفصل التقرير الاتجاهات الدينية الرئيسة في ليبيا، والمؤسسات والممثلين المؤثرين بالدولة، ويضع تصوراً لكيف يرى الليبيون مساهمة القطاع الديني في بناء السلام وتعزيز العدالة والديمقراطية.
الأغلبية الليبية ترى أن المؤسسات الدينية لم تلعب دوراً يذكر في حل الأزمة ودار الإفتاء لم تساعد في تعزيز السلام
وتوصل التقرير إلى أن هناك انطباعاً سلبياً عاماً حول الدور الذي لعبه رجال الدين والمؤسسات الدينية خلال الفترة الماضية، وصلت إلى حد إشعال الصراع وتأجيج الخلافات بين الفصائل المختلفة. ومع احتدام الأزمة السياسية والأمنية في البلاد خلال الفترة الماضية، أصبح الخطاب الديني «مسيساً وسبباً رئيساً في زيادة الاستقطاب».
وأظهرت النتائج أن أبرز التوجهات الدينية في ليبيا هي على الترتيب: الإخوان والجهادية، ثم الصوفية، والسلفية، ومدني وسطي، وتكفيري.
ولاحظ التقرير أيضاً أن بعض المجموعات المسلحة حاولت الاندماج مع أيديولوجيات دينية لتحقيق أهدافها، وأقامت أطراف الصراع، سواء مسلحين أو سياسيين، انتماءات متداخلة مع مجموعات وأيديولوجيات دينية. لكن من الصعب تحديد علاقة ارتباط واضحة الأيديولوجيات الدينية والانتماءات القبلية. فمن الخاطئ الحكم أن جميع القوى السلفية موالية لمجلس النواب وخليفة حفتر أو العكس، ويعود ذلك إلى «لامركزية القيادات الدينية للمجموعات المسلحة الإسلامية، فكل مجموعة لديها شيخ خاص بها، لا يكون مسؤولاً فقط عن التوجهات الدينية بل أيضاً يقود المجموعة نفسها».
دور إيجابي ببناء السلام
وظهر من خلال نتائج الاستطلاع أن الأحزاب السياسية ترى دوراً إيجابياً لرجال الدين في الحياة العامة، وأن الشريعة يجب أن تكون ممثلة في الدستور. وتريد نسبة كبيرة من الليبيين من رجال الدين لعب دور في الحياة السياسية، وجهود بناء السلام وتعزيز التوافق. ففي مسح العام 2014، قال أربعة من كل خمسة ليبيين (85%) إن المؤسسات الدينية لديها دور مهم في تعزيز حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ورأى ثلاثة من كل أربعة (75%) أن المؤسسات الدينية لها دور إيجابي في تعزيز السلام، بينما قال ثلاثة من كل أربعة (75%) إن علماء الدين لديهم دور في توضيح مفاهيم القرآن والسنة والربط بينها وبين التشريعات والدستور. وقال 70% من المشاركين إن رجال الدين يمكنهم لعب دور إيجابي في تعزيز التوافق الوطني.
وفيما يخص دور المرأة، وجد 55% من المشاركين بالمسح أن رجال الدين لعبوا دوراً إيجابياً في تعزيز دور المرأة، وتعزيز حقوق الأقليات الدينية. ودعا 75% نشطاء المجتمع المدني للتعاون مع رجال الدين في جهود بناء السلام.
وأوصى التقرير بدعم مساهمة الرموز الدينية في عملية الانتقال الديمقراطي والتوافق الوطني، ومساعدتهم في بناء الثقة مع المجتمعات المحلية من خلال الحوار والعمل المشترك، وبناء استراتيجيات اتصال لتعزيز الثقة والعمل مع الإعلام والمجالس البلدية وتنفيذ القانون.
على المجتمع الدولي أن يبتعد عن الدين في ليبيا «فأي وجود أجنبي سيقوض من مصداقية وفاعلية الرسالة الدينية الوسطية»
وحول دور المؤسسات الدينية الرئيسة، لفت التقرير أولاً إلى انقسام واضح بين المؤسسات الدينية في ليبيا، فهناك وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وهي تتبع ما يعرف باسم «المؤتمر الوطني العام»، والهيئة العامة للأوقاف وهي تتبع مجلس النواب والمشير خليفة حفتر في الشرق. وهناك دار الإفتاء، المؤسسة الدينية الأعلى، لكنها لا تملك أي سلطة حقيقية ويدعم أعضاؤها قرارات المفتي.
وانقسمت رابطة علماء ليبيا هي الأخرى إلى فريقين العام 2014 على أسس أيديولوجية وجهوية إلى واحدة بالشرق وأخرى في طرابلس، وذلك بعد أن رفض أعضاء «المؤتمر الوطني» العام تسليم السلطة. وتسيطر المؤسسة بالشرق على الخطابات الإعلامية الصادرة باسم رابطة علماء ليبيا، بينما تحاول الموجودة بالغرب استعادة شرعيتها مع المفتي ودار الإفتاء و«فجر ليبيا». ولاحظ المسح زيادة تأثير الرابطة في المنطقة الشرقية والجنوبية مقارنة بالمنطقة الغربية.
واتفقت نسبة كبيرة من الليبيين (71%) على أن المؤسسات الدينية عامة لم تلعب دوراً يذكر في حل الأزمة، ورأى 73% من المشاركين بالمسح أن دار الإفتاء لم تساعد في تعزيز السلام ودعوا إلى تحديد دورها، وقال 50% إن المؤسسة يجب أن تخضع لإشراف هيئة أعلى، بينما قال 25% إنها يجب ألا تخضع لأي سلطة حكومية.
وفي هذا الشأن قال العضو السابق في «المؤتمر الوطني العام» ورجل الدين عبداللطيف المهلهل: «السلطة الممنوحة للمفتي تضعه فوق السلطات القضائية والتنفيذية، ولهذا أطالب بأن يكون المفتي مسؤولاً أمام مجلس القضاء الأعلى لحماية مبدأ الدولة المدنية».
الخطاب الديني
وتحدث التقرير عن استخدام الخطاب الديني لمآرب سياسية، وضرب مثالاً بالخطاب الديني للمجلس الأعلى للإفتاء، التابع للبرلمان، وقال إنه يستخدم الخطاب الديني لتعريف معارضيه وتقسيمهم إلى مجموعات سياسية، «فقد ساوى المجلس في خطابه بين الإخوان المسلمين ومجموعات عُرفت بخيانتها في عهد النبي محمد (ص)، وبالمثل شبه تنظيم داعش بالخوارج، بل قال إن الدستور ليس إسلامياً، بل انتقد صادق الغرياني بشدة بزعم أنه يدعو لكتابات سيد قطب، والذي تعتبره تكفيرياً ومن الخوارج». .
ولاستعادة الخطاب الديني الوسطي، قال التقرير إن الدولة بحاجة إلى «اجتهاد وسطي» يقوم على الجمع بين المدارس الدينية المختلفة وذلك لوضع فهم صحيح للقرآن والسنة. هذا إلى جانب تنفيذ برامج دينية صحيحة طويلة الأجل في المؤسسات التعليمية لدعم التعليم الوسطي الديني. وفي هذا الشأن رأى التقرير أن المجتمع الدولي يجب ألا يكون له دور لأن «أي وجود أجنبي سيقوض من مصداقية وفاعلية الرسالة الدينية الوسطية».
أظهر المسح أن الليبيين يثقون في الرموز الدينية التقليدية أكثر من ثقتهم في الأيديولوجيات الدينية نفسها، لكنها أيضاً ثقة محدودة يجب تحليلها، وما زال الليبيون يحددون الحدود الفاصلة بين الدين والدولة.
الليبيون يختارون الغرياني والصلابي وبلحاج كأكثر 3 شخصيات دينية مؤثرة
لكن نسبة كبيرة من الليبيين رأت أن دور رجال الدين جاء سلبياً خلال الفترة الماضية.
ففي استطلاع العام 2014، قال اثنان من كل ثلاثة (65%) إن لديهم انطباعاً سيئاً نحو دور رجال الدين السياسي، وقال تسعة من كل عشرة (88%) إن جميع الرموز الدينية تلعب دوراً سياسياً. أما استطلاع العام 2016 فأظهر تحسناً نسبياً، إذ قال 70% من المشاركين إن رجال الدين لديهم دور في عملية الانتقال الديمقراطي، وجاءت إجابات 65% من المشاركين إيجابياً، و35% سلبياً.
ورغم الانطباع السلبي نحو الدور الراهن الذي تلعبه الرموز الدينية في الحياة السياسية، أكد كثير ممكن شاركوا في الاستطلاع اعتقادهم أن رجال الدين يمكنهم لعب دور حيوي في جهود الوساطة السياسية والوساطة بين المجموعات المسلحة إذا تعاونوا مع القيادات القبلية. ففي استطلاع العام 2014، قال 71% إن رجال الدين يمكنهم القيام بدور الوساطة، وقال 58% إن دورهم سيكون أكثر فاعلية في حال تعاونت الرموز الدينية مع القيادات القبلية.
وبالمقارنة بين رموز الدين والقيادات القبلية، عبر نحو نصف الليبيين (45%) عن اعتقادهم بأن القيادات القبلية يمكنها أن تنجح في حل النزاعات المسلحة دون الحاجة للتعاون مع القيادات الدينية، وهو أمر لا يستطيع رموز الدين فعله دون تعاون مع المجتمعات القبلية (نحو 14% فقط قالوا إن الرموز الدينية يمكنها النجاح وحدها)، بينما رأى 35% أن تعاون القيادات الدينية والقبلية يمكن أن تفضي إلى نتائج إيجابية.
وفي هذا الشأن أوصى التقرير الأميركي بتكثيف التعاون بين القيادات الدينية والقبلية، خاصة القيادات القبلية ذات طابع ديني. فالرموز الدينية النحلية يمكنها أن تلعب دوراً بارزاً في دفع الفصائل المختلفة نحو بناء السلام. وأظهرت النتائج أن أفضل جهود الوساطة المحلية هي التي تتم بالتعاون مع الرموز الدينية الموثوقة والقيادات القبلية.
وفيما يخص الشخصيات الدينية الأكثر بروزاً من حيث دورهم السياسي خلال العامين الماضيين، كان المفتي صادق الغرياني الأكثر بروزاً بنسبة 60%، يليه علي الصلابي (32%)، ثم عبدالحكيم بلحاج (13%). وجاءت آراء المشاركين حول تأثير الرموز الثلاثة سلبية على مسار السلام والعدالة، إذ قال 66% في مسح العام 2014 إنهم لعبوا دوراً سلبياً، و90% في مسح العام 2016. واتفق المشاركون على أن الثلاث شخصيات ساهمت في تأجيج الصراع وإشعال أعمال العنف، بينما يعتقد واحد من كل ثلاثة أشخاص أن الشخصيات الثلاث يمكنهم المساهمة في تحقيق العدالة والمساواة.
معظم الليبيين يرون أن الغرياني ومجلس الفتوى التابع له تدخل «بشكل غير لائق» في السياسات الحزبية
وإلى جانب الثلاث شخصيات السابق ذكرها، هناك أكثر من 150 شخصية دينية أخرى يعتبرها الليبيون مؤثرة في الحياة السياسية، 93% منهم شخصيات محلية، مما يبرز تنوع القيادات الدينية اللامركزية.
واعتقد معظم الليبيين أن المفتي الأكبر الصادق الغرياني ومجلس الفتوى التابع له تدخل «بشكل غير لائق» في السياسات الحزبية. وأثرت خطاباته وفتاواه بشكل واضح على السياسات الليبية، ورأى البعض أنه «تخطى الحدود سياسياً، وأساء استخدام منصبه لتعزيز أجندة سياسية حزبية، ومفاهيم متعصبة عن الاسلام»، رغم أن بعض آرائه قبل العام 2014 بدت أنها تهدف إلى تثبيط العنف وتعزيز المصالحة، مثل إدانته مداهمة المقابر على يد مجموعات سلفية متشددة، وقتل ضباط من قوات معمر القذافي خارج سلطة القانون، بل تحدث عن الوفاق الوطني وأزمة نازحي تاورغاء، ولعب دوراً في الوساطة بين مجموعات مصراتة ومجموعات تاورغاء في مارس العام 2013. لكن في المقابل أثار كثير من آرائه جدلاً واسعاً، مثل تصريحه أن التصويت لحزب تحالف القوى الوطنية برئاسة محمود جبريل «ضد الإسلام لأن الحزب يعتزم تضييق نطاق الشريعة الإسلامية»، ودعم فرض قانون العزل السياسي.
وقال أحد المشاركين: «كان للمفتي الأكبر فرصة للتأثير في دفة الأمور وتوجيهها بعيداً عن الأمور السياسية». ورأى آخر أن الغرياني «كان له تأثير سيئ على الشؤون الليبية، ويدعم أطرافاً بعينها، وهي أطراف تسعى للسلطة».
ففتاوى وتصريحات الغرياني، وفق التقرير، تخطت التأثيرات السياسية، ففي العام الماضي تحركت «سرايا الدفاع عن بنغازي» اعتماداً على فتاوى الغرياني لتحرير مدينة بنغازي من سيطرة خليفة حفتر.
وظهر أيضاً اسم عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي الصلابي، كأحد الرموز الدينية المؤثرة في ليبيا. ورغم معارضته الاتفاق السياسي الذي رعته الأمم المتحدة، وجهوده لزيادة الدعم المحلي لـ«عملية فجر ليبيا»، يرى كثير من الليبيين أن علي الصلابي يدعم الحوار السياسي، حيث دعا كثيراً إلى التوافق الوطني منتقداً محاولات إقصاء رموز النظام السابق، وإدانته استخدام القوة ضد مدينة بني وليد، معقل معمر القذافي، وهي مواقف تسببت في تراجع شعبيته بين التيارات الإسلامية.
ورأى ليبيون أيضاً أن الصلابي مقرب للغاية من قطر، لكنه يواجه معارضة من قبل المجموعات السلفية للتوسط بالنيابة عن نجل معمر القذافي لدى «المجموعة الليبية المقاتلة». وقال عضو سابق في مجلس طرابلس البلدي: «يصور الصلابي نفسه كوسيط محايد، لكنه يخفي نواياه فقط. فتصريحاته متناقدة، فهو يقول شيئاً لـ بي بي سي، وتصريحاً مغايراً للجزيرة».
***
_____________
ترجمة بوابة الوسط