بقلم عبدالرزاق مختار

شهدت السنوات الخمس الأخيرة في ليبيا حالة من الفوضى طالت كل شيء وعبثت بكل ما هو قائم وترنحت دولة المؤسسات المنشودة تحت وقع ضربات قاصمة كادت تقضي عليها في مهدها.

إذ طغى قانون القوة على قوة القانون وتضخمت الكيانات غير الشرعية على الكيانات الشرعية واستقوى كل من امتلك السلاح فبات يهدد الآخرين ويستخف بهيبة الدولة ويسخر من سلطاتها الثلاث عماد قوتها ومنعتها ورسوخها.

وتفشى الفساد بين الأفراد وساد الظلم وشاع الانتهاك وضاق الوطن على الشرفاء والأنقياء واستشرى بين عدد غير قليل من المواطنين سلوك الابتزاز للدولة مستغلين حالة عدم الا ستقرار التي تمر البلاد بها لفرض إملاءاتهم بغير وجه قانوني إضافة إلى كون ذلك يتنافى مع مباديء الدين الإسلامي الحنيف.

ووسط هذه الظلمة الحالكة لاح أمل في بزوغ شمس دولة المؤسسات واستعادة الدولة هيبتها وصون مقدراتها وحماية سيادتها بإشهار جهات تشريعية وتنفيذية كطوق نجاة لإنقاذ مايمكن إنقاذه وإنهاء حالة الفوضى والعبث وانتهاك الحرمات والحريات والبدء في تأسيس دولة القانون والمؤسسات وإعلاء الشرعية واسترداد هيبة الدولة. إلا أنه للأسف الشديد سرت عدوى الاستقواء والاستخفاف بالقانون والاستعلاء على أحكام القضاء لبعض الجهات والأطراف المتنفذة في ليبيا والتجرؤ على أحكامه والتغول على السلطة القضائية من خلال عدم الاعتداد بأحكام نافذة صدرت من القضاء وجاءت مخالفة لما ابتغاه بعض الأطراف وتعارض مع مصالحهم الآنية الضيقة فلم يتوانوا في عدم الاعتراف بها وإصرارهم على رفضها بل وتحريض الآخرين على رفضها وعدم احترامها. وهذا يشكل كارثة إضافية تضرب كيان الوطن المنهك في آخر حصن له وهو القضاء.

والغريب في الأمر أن يجد هذا التعدي الصارخ على السلطة القضائية من قبل بعض الأطراف تشجيعا وثناء. على أن احترام القضاء كان ولم يزل الجدار الحقيقي للأمم والدول، فإن انهار انهار معه كل شئ، ومازال التاريخ يذكر موقف تشرشل الشهير خلال الحرب العالمية، حيث تقدمت مديرة مدرسة إلى القضاء البريطاني ضد بناء مطار حربي بجوار المدرسة مطالبة بنقله بعيدا فحكم القضاء لصالحها فاعترض المسؤولون في وزارة الدفاع البريطانية وبلغ اعتراضهم مسامع تشرشل وزير خارجية بريطانيا آنذاك الذي قال: إن هزيمة بريطانيا في الحرب العالمية أهون عندي من التعدي على أحكام القضاء.

ولا بأس أن نذكر الأطراف الليبية بموقف من التراث الإسلامي العظيم الذي ينتمون إليه يجسد احترام القضاء. حين أمر الخليفة أبو جعفر المنصور أحد القضاة بتخصيص دار ﻷحد القادة. فرد عليه القاضي والله لن أفتحها إلا ببينة“. فقال المنصور: “والله لقد ملأت الدنيا عدلا حتى يرد علي قضاتي أوامري“.

ونذكر هنا حادثة لم تمر عليها سوى أيام قلائل حين أوقفت المحكمة الفيدرالية الأمريكية قرارا للرئيس الأمريكي بخصوص منع بعض الجنسيات من دخول الولايات المتحدة وقد أذعن الرئيس الأمريكي لقرار المحكمة ولم يجرؤ على إلغائه.

إنني أناشد جميع الأطراف في ليبيا دونما استثناء خاصة الجهات العليا أن تكون قدوة في احترام أحكام القضاء. واتباع الخطوات الإجرائية المعروفة ودرجات التقاضي المتفق عليها عند الاعتراض على أية أحكام حفاظا على ما تبقى من هيبة الدولة الليبية مجسدا في السلطة القضائية واحترام أحكامها. أو الاعتراض عليها وفق الإجراءات التي حددها القانون والجميع مطالب بالانصياع لها حتى يستقيم أمر البلاد و تخرج من عتمة الفوضى والاستقواء. نحن لا نريد قضاء السلطة بل سلطة القضاء إن كنا نريد بالفعل بناء دولة المؤسسات والشرعية التي ينشدها الليبيون الشرفاء.

***

عبد الرزاق مختار ـ سفير ليبيا في تركيا وعضو سابق في المجلس الوطني الإنتقالي

 ____________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *