بقلم محمد الأمين

فترات التردّي تمثل فرصة للأدعياء والمتحذلقين من كل نوع وشكل، فيُدلُون بِــدلائِهِم في ما يفهمون وفيما لا يفهمُون.. ولا حدود لجُرأتِهِم في تحليل أو تعليل أو تفسير أو تشخيص..

وقد أغرت الأزمة الليبية طائفةً كبيرة منهم.. فتحدّثوا عن كل شيء له علاقةٌ بها.. من اقتصاد، وطاقة، وجيوبوليتيكا، وعسكرية، وإثنيات، وإعلام، وفقه، وطوائف، وقانون..الخ

وتبعاً لما يتخبّطُ فيه البلد من استباحة، وبسبب عِظمِ مُصاب أهله وقلّة بَواكيهِ، ظهر جيلٌ جديد من الأفّاقين مهمّتُهم إغراق الليبيين في الوهم وإطالة أمدِ التيه وضياعهم وانصرافهم عن حقيقة شأنِهِم.

هؤلاء كثيرون للأسف ومهمّتُهُم محدّدة على ما يبدو.. مهمّتُهم هذه الأيام أخطر من تأجيج الفتنة عبر كافة مراحل النكبة.. بعضهم يحدّثك عن همٍّ يوميّ اسمه الدولار“!! ويصوّر أزمة الدينار أمام العملة الخضراء معضلة رئيسية تُحلُّ بحلّها كافة العُقد.. وتزول المشاكل.. أما البعض الآخر، فيغري الطيبيّن بإمكانية تنظيم انتخابات زاعماً انها الحل السحري لمشاكل ليبيا..؟

ولأنني قد تحدّثتُ في مقال سابق عن تهافت الحلّ الثاني، وكشفتُ بما أوتيت من حُجّة متواضعة، وبما تيسّر من إقناع، زيف هذه الترهات والأكاذيب، وفشلها، والجهات التي تقف وراءها.. وبيّنتُ لأُولِي الألباب من بني وطني أنه من الأفضل أن يظلّ هؤلاء في موقعهم كمغتصبين للسلطة خارج القانون، ومستبدّين بقوة الحديد والنار، بدل أن يصبحوا شرعيين بانتخابات مزورة تحت تهديد السلاح، فيضيع حقّ الليبيين في الاختيار الحرّ، ويفقدون فرصة طرد العملاء من المشهد أمام العالم بإرادتهم الجارفة.

لذلك فإنني سوف أتحدث هذه المرّة عن المشكلة/الفقّاعة التي يحاول الكاذبون تضخيمها وإقناع الناس بأنها أمُّ المشاكل في ليبيا فبراير.. وهي باختصار انهيار الدينار الليبي .. وندرة الدولار الأمريكي وغلاء قيمته.

لنتّفق أولاً على أمر منطقي وبديهي.. وهو مقوّمات ارتفاع قيمة العملة السيادية، التي أوجزها لك في ما يلي:
استقرار أمني.
استقرار سياسي.
سلم اجتماعي.
حركة إنتاجية مستقرة (زراعة، طاقة، صناعة، خدمات..الخ).
صادرات مستقرة ذات عوائد تحافظ توازن على الميزان التجاري.
قرار سياسي يوفر بيئة جالبة للاستثمار.
سياسة مصرفية مستقرة تتحكم في سعر العملة الوطنية وتدير حركة تداولها.
إدارة مصرفية ترعى عمليات فتح اعتمادات تمويل الواردات بمصارف الخارج، وتحترم أشد الاحترام الآجال والالتزامات، وشروط التعامل مع الموردين، لحفظ المصداقية، وعدم إرباك تدفق السلع من الخارج أكانت غذائية أو دوائية أو صناعية أو خدمية.
إدارة مالية واعية بآثار أية هزات تتعرض لها العملة الوطنية على مستوى معيشة المواطن، وتحافظ عليها من الهزّات.
هذا بإيجاز شديد، وتبسيط أشدّ.

فهل يمكن مثلا أن نتحدث اليوم عن معالجة لمشكلة سعر الصرف أو انهيار العملة بمعزل عن الأمن والاستقرار السياسي والأمني؟
هل يمكننا أن نثق في وصفاترعناء تزعم إمكانية إنقاذ السوق المحلية أو إمدادها أو إنعاشها أو رفع مستوى المعيشة في ظل شلل الإنتاج، وانهيار الصادرات، وانعدام أية مصداقية وثقة في الدولة الليبية بالخارج أعني لدى المورّدين والوسطاء والمصارف الأجنبية؟

إن ما يجري من جعجعة ولَغوٍ وخوضٍ يومي في هذا الأمر قد أدّى إلى تضليل المواطن البسيط وحتى بعض المثقفين، وأوصلنا إلى تمييع شديد لقضايا عالية الحساسية، لا ينفع أن يتداولها المنافقون أو أصحاب الأغراض والمتملّقون لهذا وذاك..

فمن يُريد إيهامك بإمكانية حلّ مشكلة الدولار والدينار بـحلول سحريةهو في الحقيقة يريد أن يهوّن عليك الأزمة السياسية، ويبسّط لك الأمر ويقنعك بأنه يمكن أن يوجد استقرار سياسي في وجود [جيوش + ميليشيات + 3 دول + برلمانين + 2 مصرف مركزي + 2 مؤسسة وطنية للنفط]!!؟؟
أيّة أكاذيب هذه؟ وأية صفاقة؟؟

وسوف يصل بك في آخر الأمر إلى أن المشهد السياسي والأمني والاقتصادي والنفطي بالخصوص ليست سوى عوامل ثانويةفي صنع المشكلة النقدية وانعدام السيولة.. وأن الميليشيات ربّما كانت عنصر توازن نقديأو سياسي“!! طبعا.. مادام لديك الاستعداد لسماع الأكاذيب..

الحقيقة البسيطة التي يمكن لأي أمِّيٍّ أن يفهمها دونما حقنٍ أو شحنٍ هي الآتية:
ليبيا بلد غني، موارده المالية واحتياطياته الوفيرة، ونفطه، وبُنيتُه، كانت قادرة على تحمّل أعباء الصراع في بداياته، واستطاعت بسياسات الترقيع والاستنزاف وبمدخرات النظام السابقالسلعية والغذائية والنقدية وحتى رصيد الثقةفي الاقتصاد والصادرات وقدرات التمويل، أن تستمر لبعض الوقت.. أعني إلى حدود نهاية 2013.

ليبيا بلد يعيش على الصادرات من النفط والغاز، ويستورد كل شيء تقريبا.. لكن البيئة غير الملائمة للإنتاج والتصدير أدت إلى شلّ الواردات، تجفيف السيولة.. وقد كان من الممكن لليبيا أن تتعايش مع بيئة عدم الاستقرار النسبية لأعوام إضافية أي إلى أن تستقر الأوضاع، ويتعافى البلد وموارده.. لكن هجمات النهب الشرسة.. والتبديد والاستنزاف المتعمّد للمال العام.. وخصوصا بعد الذي جرى عام 2014، قد زاد في سرعة الانهيار.. لماذا؟

للسياسة والأمن والاستقرار الدور المحدّد والرئيسي في ذلك.
فهل هنالك اقتصاد في العالم، أو بلد عبر التاريخ يستطيع تحمّل أعباء ملاك وظيفي لـثلاث دول؟

وهل هنالك بلد يستطيع تحمّل التزامات جيوش عديدة وميليشيات، فضلا عن مكافآت المسئولين بالحكومات الثلاث، وسفرياتهم ومهامهم، وما يحتاجه استمرار هذه الحكومات من رشاوى وعطايا وشراء ذمم ودعاية بالداخل والخارج؟

اعلم أن ليبيا/الغنية قد كان يمكن أن تتعايش مع مناخ مأزوم لعشرات السنين بإمكانياتها التي نعلمها ويعلمها الجميع.. لكنها أبدا لا تستطيع ذلك ضمن أزمة إنتاج وتوقّف صادرات حتى ولو كانت صادرات مجانية.. لأن دور الإنتاج المستمر وتدفق الصادرات في المقام الأول ليس جلب عائدات العملة الأجنبية فحسب، بل كذلك رفع مستويات الثقة بالاقتصاد، وطمأنة المورّدين والشركاء.

إن من يُوهمُون الناس بإمكانية حلّ مشكلة انهيار العملة الوطنية كمن يريد إيهامك بالقدرة على الحياة دون أن تتنفّس!! أو بالمشي من دون أرجُل!!

يمكن للاقتصاد الليبي حسب أكاذيبهم أن يجلب عملة أجنبية، ويعيد هيبة العملة الوطنية دون إنتاج ودون تصدير.. ودون حلّ للمشكل السياسي.. ودون تصفية للميليشيات التي تمتصّ الموارد الوطنية كما تمتص خفافيش الليل دماء النائمين من أنعام وبشر.

المشكلة في ليبيا لن يحلّها قانون معلّق في السماء أو نصّ من مؤسسات تشريعية مزدوجة أو ثلاثية متورطة في مصيبة البلد.. أو قفزات بهلوانية لمدراء المصارف أو تصريحات استعراضية أو تفلسفٌ مجاني لمتخصّصين وهميّين خلف الشاشات.. كما لن تحلّها أطنان النقد المطبوعة في لندن أو موسكو أو حتى في موزمبيق.

البيئة المستقرة العفيّة المنتجة هي التي تنعش الاقتصاد ولو كان يتعامل بالــ وَدَعْولو كانت عملتُه الحصىواعلم أن العملة النقدية سوف تكون جزءا من الماضي قريبا في العالم.. ولا شكّ أنك قد سمعت بالعملات الافتراضية، وانحسار التعامل بالأوراق النقدية والقطع المعدنية ببلدان كثيرة لفائدة نمط التبادل الجديد.

مشكلة ليبيا سياسية وكل ما سواها نتائج ستزول بحلّ المشكلة السياسية.. وحكاّمها اليوم مستفيدون من الوضع الراهن، وإمكانية اتفاقهم على إنقاذها وهمٌ محض.

والله المستعان.

______________
إيوان ليبيا

الكلمات الدالة:

 

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *