ريف اللاذقية الشمالي تحت قبضة الجيش السوري

بقلم أحمد علي أبومهارة

خلال المراحل التي شهدتها الثورة الفرنسية وبحلول عام 1795 صاغت فرنسا دستورا سلمت بموجبه السلطة لمجلس عرف باسم مجلس الإداريينوخلال أربع سنوات قضاها المجلس في السلطة تراكمت الأزمات المالية، وتزايد السخط الشعبي، وتفاقم الفساد السياسي،

على أثر ذلك قام الضابط الفرنسي نابليون بونابرت بانقلاب عسكري ألغى بموجبه حكم المجلس، وتولى السلطة في فرنسا، ومثل هذا الانقلاب نهاية للثورة الفرنسية ونهاية للاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها منذ عام 1789.

شكلت الظاهرة الانقلابية وما يتبعها من حكم العسكريين أحد الملامح الرئيسية التي شكلت عالم السياسة في بلدان الوطن العربي، إذ أصبح الضباط العسكريين أحد مكونات السلطة الحاكمة في هذه البلدان، حيث اتسم عصر ما بعد الاستعمار الغربي بانتشار الدول العربية حديثة الاستقلال والتي حادت مؤسساتها العسكرية عن مهمة الجيوش الاحترافية وهدفها في الدفاع عن الدولة ضد الأخطار الخارجية وأولت اهتماما بالحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي فكانت النتيجة لاهتمام تلك الجيوش بالشؤون الداخلية موجة من التدخلات العسكرية لقلب أنظمة الحكم.

منذ عام 1949 وقعت في بلدان العالم العربي العديد من الانقلابات العسكرية جعلت هذه البلدان ترسخ تحت الحكم العسكري لعقود طويلة، فهل كانت هذه الانقلابات العسكرية ضرورة حتمية لإنقاذ البلاد من الكوارث الاقتصادية والسياسية؟ أم إنها كانت تعبيرا لطموحات القادة العسكريين ورغبتهم في الوصول للسلطة؟ لكن قبل الخوض في دوافع القادة العسكريين وانتهاجهم أسلوب الانقلاب العسكري كوسيلة للوصول للسلطة أستعرض ثلاثة استنتاجات:

الأول: كثير من البلدان العربية حكمت منذ القدم بواسطة نخب عسكرية في العهد المملوكي والعهد العثماني وكذلك في عهد الاستعمار الغربي، وتمتع القادة العسكريون في هذه العهود بمكانة تفوق المكانة التي كان يتمتع بها القادة المدنيون وما وقوع الانقلابات في العصر الحديث إلا امتدادا للحالة التاريخية الأولى في تعزيز هيمنة التقاليد العسكرية واسترجاع العسكر لدورهم التاريخي التقليدي في حماية الدولة ضد ما يحيق بها من أخطار.

الثاني: إن الانقلابات العسكرية التي حصلت في بلدان العالم العربي لم تكن تستهدف الإطاحة بالحكم المدني الديموقراطي كما يزعم البعض، بل إنها وجهت للإطاحة بالسياسات الفاسدة الممارسة على الصعيدين الداخلي والخارجي للدولة، ولم تكن منافسة عسكرية مدنية لإثبات أفضلية الحكم العسكري في مواجهة الحكم المدني، فكثير من الانقلابات العسكرية التي حصلت في العالم العربي قادها عسكريون وأسقطوا بها رؤساء عسكريين، ومثال ذلك الانقلابات التي حصلت في سوريا، أغسطس 1949 وفبراير1954 ضد الرئيسين العقيد حسني الزعيم، والعقيد اديب الشيشكلي والانقلاب الذي حصل في السودان الذي أسقط حكم العقيد جعفر النميري، والمحاولات الانقلابية التي كانت تستهدف الإطاحة بحكم الرئيس عمر حسن البشير وغيرها من الانقلابات التي حصلت في العراق وموريتانيا وكذلك المحاولات الانقلابية التي حصلت في ليبيا للإطاحة بحكم العقيد معمر القذافي أعوام 1973-1993 ففي ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة ينظر إلى العسكريين باعتبارهم حماة الوطن من الممارسات الفاسدة ودليل ذلك حصول كثير من الانقلابات العسكرية على التأييد الشعبي، الشعب لم يعد يهتم بالجيش أو من يحكم البلاد كل ما يهمهم حاليا عودة الاستقرار الذي غاب عن السابقبتعبير أحد الصحفيين السوريين.

الثالث: قليلة هي الحالات التي قام فيها العسكر في العالم العربي عقب انقلابهم بتسليم الحكم إلى سلطة مدنية، وإذا نظرنا إلى العالم من حولنا نجد أن أغلب مشاريع النهضة والتنمية تمت في ظل وصول النخب المدنية للسلطة بعد سقوط حكوماتها العسكرية كما هو الحال في دول أمريكا اللاتينية والدول الأسيوية، لكن في عالمنا العربي نجد أن الدول التي سقطت فيها الحكومات العسكرية مازالت تشهد انقسامات سياسية وحروب داخلية لم تنتهي، حالة العراق وليبيا كمثال فهذه الدول كانت أفضل ولا أقول مثالية في ظل الحكم العسكري.

مأزق الحكم المدني كأحد الأسباب لتبرير الانقلاب العسكري

يرى كثير من الباحثين أن الانقلابات التي وقعت في العالم العربي جاءت على خلفية فشل النخب المدنية وتناحرها على السلطة وعدم إيجاد ألية للتعاون بينها للوصول لتوافق ينظم الحياة داخل الدولة، حيث أن تخلف المؤسسات المدنية ممثلة في الاحزاب والقوى السياسية عن تلبية طموحات الجماهير وضعف تنظيمها مقارنة بالتنظيم الذي تحظى به المؤسسة العسكرية وتزايد الوعي لدى قيادات الجيش بأن لديهم القدرة التي تمكنهم من إزاحة النظام الحاكم كلها عوامل فتحت المجال للعسكر للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة.

بحلول عام 1914 وانطلاق الحرب العالمية الأولى وجد العرب أنفسهم أمام مصيرهم لتقرير مستقبلهم فبدؤا الصراع مع الإمبراطورية العثمانية وأعلنوا الحرب ضدها فيما عرف بالثورة العربية الكبرى، تبعت هذه الثورة العديد من الانتفاضات اجتاحت العالم العربي وقد كان الهدف الرئيس من وراء هذه الانتفاضات المطالبة بالاستقلال وحق تقرير المصير.

وبنهاية الحرب العالمية الثانية منحت الدول العربية استقلالها، وفور الاستقلال وجدت التيارات والأحزاب الفكرية الشيوعية منها والليبرالية والاشتراكية والإسلامية التي ساهمت عبر قياداتها في الدفاع عن القضايا الوطنية وفي استقلال بلدانها عاجزة عن طرح الحلول والبدائل للمشاكل السياسية والاقتصادية التي عانت منها شعوب المنطقة ما زاد من حدة الاستقطاب بينها حول القضايا والأهداف الوطنية العليا ما أفقدها الدعم الشعبي.

 ففي مصر وهي من أكثر البلدان العربية نضجا سياسيا بدأ الاستقطاب السياسي بين القصر وحزب الوفد وأحزاب الاقلية وبلغ هذا الاستقطاب أشده في الانقسامات الداخلية للحزب الواحد وصراعات مريرة حول صياغة دستور الدولة وفي تناوب الوزارات بسرعة رهيبة حتى إن معدل بقاء بعض الوزارات في الحكم في الفترة الممتدة من 1922 إلى 1952 لم يزد عن السنة بسبب احتدام الصراع ما فتح المجال أمام العسكر في يوليو 1952 بقيادة الضابطين محمد نجيب وجمال عبدالناصر للانقلاب على السلطة ولم يتنازل العسكر في مصر عن الحكم طيلة 59 عاما ليأتي عام 2011 ليسقطه بانتفاضة شعبية تولى على إثرها المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية رئاسة الدولة في المرحلة الانتقالية نظم وأشرف فيها على استفتاء دستوري وانتخابات برلمانية.

وأخيرا انتخابات رئاسية في يونيو 2012 جاءت لمصر بحاكم مدني لكن سرعان ما كان لسوء الأوضاع الداخلية وتزايد الاستقطاب السياسي بين أنصار الرئيس محمد مرسي والأحزاب المصرية الأخرى وزيادة حدة المظاهرات الشعبية المنددة بحكم الرئيس مرسي دافعا لاستدعاء الإرث التاريخي للجيش المصري في السلطة وهو ما دفعه للتدخل وعزله للرئيس محمد مرسي وإنهاء حكم الإخوان المسلمين عام 2013.

لم تكن حالة النخب المدنية في السودان بأفضل من مصر فقد فشلت التجربة الديمقراطية الوليدة بفشل القوى السياسية المتعددة بعد الاستقلال في الاتفاق على صيغ توافقية لشكل الحكم والتنمية والدستور ومشكلة جنوب السودان وبسبب تشظيها وانقسامها فتحت الباب أمام الجيش المؤسسة الاكثر اتحادا وتماسكا ليطيح بالحكم المدني في نوفمبر عام 1958 لتبدأ مرحلة سياسية جديدة في السودان محورها تعاقب المدنيين والعسكريين على السلطة وتحالف المدنيين مع العسكريين للانقلاب.

أما العراق وسوريا فقد تحولتا إلى مسرح للانقلابات العسكرية المتتالية فسجلتا أعلى نسبة من الانقلابات التي وقعت في بلدان العالم العربي، فقد شهدت هاتين الدولتين أكثر الصراعات السياسية القائمة على التأثر بالأفكار القومية والوحدة العربية، وامتد هذا الصراع لقلب المؤسسة العسكرية حيث أصبحت هذه الأفكار المحرك الأساسي لبعض الانقلابات في هذين البلدين.

الجيش والسلطة في ليبيا

تشير المصادر التاريخية أن الجيش الليبي ارتبط تأسيسه بالجيش السنوسي الذي تألف من المهاجرين الليبيين المقيمين على الأراضي المصرية في فترة الاحتلال الإيطالي، وقد كان قوام هذا الجيش خمس كتائب ساهمت بالتعاون مع بريطانيا في هزيمة القوات الإيطالية في ليبيا، وبعد انتهاء الحرب قامت بريطانيا بتسريح ثلاث كتائب من هذا الجيش وحولت كتيبتين إلى قوة من الشرطة المحلية وقد كان الهدف إبقاء البلاد دون جيش ليظل الاعتماد على بريطانيا في توفير الحماية، وبقت البلاد بدون جيش حتى نيل الاستقلال حينها قرر الملك الراحل إدريس السنوسي إنشاء مدارس عسكرية لتخريج ضباط عسكريون يشكلون النواة الأولى للجيش الليبي، وقد شهدت ليبيا أول تدخل عسكري في السلطة سنة 1969 عبر انقلاب قام به مجموعة من الضباط على رأسهم العقيد معمر القذافي أسقطوا به النظام الملكي وأنشئوا الجمهورية العربية الليبية متأثرين بالمد الوحدوي العروبي الذي سيطر على عقول الجماهير العربية في ذلك الوقت.

بحث العسكر في ليبيا عن صيغة تنظيمية تحكم بها البلاد تحل محل الأحزاب السياسية فشكل ما عرف بتنظيم اللجان الثورية وهو عبارة عن خليط من المدنيين والعسكريين ومنح هذا التنظيم نسبة معينة في تمثيل الحكومة، فلم تشهد ليبيا ظاهرة العسكريتارية كما في بلدان أخرى سيطر العسكر فيها على الحكم، فالعسكريون لم يتقلدوا الوظائف العليا في الدولة باستثناء الوظائف المعنية بحفظ الأمن، فالحكومات التي تعاقبت في ليبيا من سنة 1969 إلى سنة 2010 كانت النسبة الأكبر في تمثيلها للمدنيين.

السابع عشر من فبراير 2011 كان موعدا لانطلاق ثورة مسلحة طالبت بإنهاء حكم العقيد معمر القذافي شهد الجيش خلالها انقساما أدى إلى تكوين جيش التحرير الوطني في شرق البلاد ضم الضباط والجنود المناوئين لحكم القذافي تحت إمرة المجلس الانتقالي الجهة السياسية الممثلة للثورة.

خاض الجيش خلال هذه الثورة الحرب الأقوى في تاريخه بعد حرب تشاد ضد حلف الشمال الأطلسي (الناتو) وقوات المجلس الانتقالي أدت إلى إنهاكه وتشرذمه ومقتل قياداته مما عسر بعدئذ مهمة بنائه في بلاد سيطرت المليشيات المسلحة على مفاصلها التي رأت في بناء الجيش عائقا لمشروع يرى في بنائه خطرا ينبغي الخلاص منه.

بسقوط نظام القذافي شهدت البلاد استقطابا سياسيا عنيفا بدأ بأول عملية انتخابية لليبيا بعد الثورة أنتجت لنا جسما تشريعيا (المؤتمر الوطني العام) سيطرت عليه الجماعات الإسلامية الراديكالية التي انتهجت العنف المسلح لإقصاء غيرها من التيارات السياسية الأخرى وشكل في مدة لا تزيد عن سنتين سبعة حكومات تنفيذية منبثقة عن هذا الجسم التشريعي اثنان منها لم تتجاوز مدة بقائها في السلطة شهرا كاملا كدليل على التخبط السياسي الذي مر به المؤتمر الذي علقت عليه أمالا في نقل الدولة إلى تحول ديمقراطي تعددي حقيقي.

فشل المؤتمر الوطني العام وحكوماته التنفيذية في إدارة الدولة وتسبب في انهيار الاقتصاد الليبي المعتمد على النفط الذي توقف إنتاجه بسبب الصراعات المسلحة التي دعمها، ودعا في ديسمبر 2013 لتمديد فترة ولايته الانتخابية وسط رفض شعبي لهذا التمديد وكرد فعل على قرار المؤتمر دعا اللواء خليفة حفتر وهو عسكري في الجيش الليبي في فبراير 2014 لحل المؤتمر الوطني العام وتشكيل حكومة مؤقتة تشرف على انتخابات تشريعية فيما اعتبر المؤتمر الوطني دعوته انقلاب عسكري ضد الثورة يستلزم مواجهته.

في مايو 2014 أطلق الجيش الليبي عملية عسكرية عرفت باسم عملية الكرامة ضد المؤتمر الوطني والجماعات الإرهابية وقد أعلن مجلس النواب المنتخب في يونيو 2014 خلفا للمؤتمر الوطني العام دعمه لهذه العملية ونصب اللواء خليفة حفتر قائدا للجيش الليبي.

الخلاصة

أثبتت لنا تجربة الانتفاضات العربية التي أسقطت العسكريين أننا لم نكن مستعدين لمرحلة ما بعد سقوطهم، فالقوى السياسية التي تم التعويل عليها لم تصل بعد إلى مرحلة النضج وهي بحاجة إلى الوقت كي تختمر وتكون قادرة على حمل عبء الدولة، وأن التنظيمات المتطرفة التي خرجت من أوكارها التي سجنت فيها طيلة حكم العسكريين أظهرت تفوقا تنظيميا في التجنيد وفي استخدام عملياتها الارهابية واستغلت الفراغ الأمني للنشاط والحركة ونشر أفكارها الهادمة وأضحت الخطر الأعظم الذي يهدد المجتمعات، وفي مثل هذه الظروف العصية ليس هناك أفضل من صناعة تحالف مدني عسكري يضطلع الاول فيه بدور السلطة وتمنح للثاني دور الحماية وذلك تمهيدا للوصول إلى تحول تكون فيه المؤسسة العسكرية خاضعة لرقابة السلطة المدنية وهي المرحلة المثالية للعلاقة بين المؤسستين.

إن عملية التحول الديمقراطي التي تنشدها الشعوب هي مسألة غاية في التعقيد خاصة في دول لم تتجذر الممارسة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة في مجتمعاتها وهي مسئولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق المدنيين وقدرتها على الاتفاق على صيغ تنظيمية مناسبة لنقل المجتمع من الديكتاتورية إلى الديمقراطية وبالتالي يكون فشل المدنيين وليس قوة العسكريين هو السبب الرئيس في استمرار ظاهرة الانقلابات العسكرية.

__________

ليبيا المستقبل

مواد ذات علاقة

1 CommentLeave a comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *