إعداد: مجموعة البنك الدولي

الاقتصاد الليبي على شفا الانهيار فيما يحول الجمود السياسي والصراع الأهلي دون استغلال البلد لكامل مورده الطبيعي الوحيد وهو النفط ، وفي ظل انخفاض إنتاج النفط إلى خُمس إمكانياته فقط، هبطت الإيرادات مما دفع عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري إلى ارتفاعات قياسية. ومع فقدان الدينار السريع لقيمته تسارع معدل التضخم، مما أدى إلى المزيد من تآكل الدخل الحقيقي.

بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية الكلية وتحديات الاستقرار الاجتماعي/ السياسي في الأمد القريب، تشمل التحديات في الأمد المتوسط إعادة بناء البنية التحتية والتنويع الاقتصادي لتوفير فرص عمل والنمو الشامل للجميع.

أحدث التطورات

يستمر الجمود السياسي في الحيلولة دون تحقيق البلد إمكانية النمو التي يتمتع بها، إذ تشير التقديرات إلى تراجع إنتاج النفط للسنة الرابعة على التوالي في عام 2016.

والحقيقة أن ليبيا تمكنت من إنتاج 0.335 مليون برميل يوميا في المتوسط خلال النصف الأول من عام 2016 (خمس إمكانياتها)، أي أقل بحوالي 20% مما كانت تنتجه في النصف الأول من عام 2015، ولذلك ظل الاقتصاد غارقا في حالة ركود منذ عام 2013، مع تقلص إجمالي الناتج المحلي بما يقدر بنسبة 8.3% في عام 2016، وتراجع بنحو ثلثي مستواه قبل الثورة إلى 4458 دولار.

ظلت الضغوط التضخمية مرتفعة على مدى النصف الأول من عام 2016 مما أدى إلى خسارة كبيرة في القوة الشرائية الحقيقية للسكان، ولا سيما في ظل تزايد أسعار المواد الغذائية الأساسية.

فالافتقار إلى الأموال اللازمة لدفع الدعم المستحق لمستوردي وموزعي المواد الغذائية الأساسية منذ أكتوبر\ تشرين الأول 2015 ترتب عليه إلغاء دعم الأغذية بحكم الواقع، ولذلك برز نقص في الإمدادات الغذائية وازدهرت السوق السوداء، مما إلى ازدياد أسعار المواد الغذائية بنسبة 31% في النصف الأول من عام 2016.

ألحق الصراع السياسي المتواصل، وتدني إنتاج النفط، وتدني أسعار النفط، أضرارا شديدة بالمالية العامة، إذ هبطت ايرادات القطاع الهيدروكربوني إلى أدنى مستوى مسجل عند 3.2 مليار دينار ليبي فقط أثناء

أثناء السبعة شهور الأولى من عام 2016 وهو ما لا يمثل إلا عشر الإيرادات التي تحققت خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

وبالنسبة لعام 2016 ككل، يقدر بأن يصل إجمالي الإيرادات إلى 8 مليارات دينار ليبي، وهو ما يكفي بالكاد لتغطية الإنقاق المتوقع على الدعم لعام 2016.

وتراجع الإنفاق على الدعم بنسبة 25.4% بفضل انخفاض أسعار المحروقات المستوردة وإلغاء دعم المواد الغذائية.

وانخفضت الأجور أيضا بنسبة 8.7% كانعكاس لجهود إلغاء إزدواجية المدفوعات من كشف الرواتب الحكومية من خلال توسيع وإنفاذ استخدام رقم الهوية القومية (الرقم الوطني).

لكن الإنفاق على الأجور (61% من إجمالي الناتج المحلي) والدعم (18.4% من إجمالي الناتج المحلي) يظل شديد الإرتفاع.

وانخفض الإنفاق الرأسمالي إلى سُبع ما كان عليه قبل الثورة.

بوجه عام، ظل عجز الموازنة شديد الإرتفاع عند 69% من إجمالي الناتج المحلي، وتم تمويل هذا العجز بشكل رئيسي عن طريق ألاقتراض من مصرف ليبيا المركزي وبدرجة أقل من البنوك التجارية.

وعلى الرغم من أن الحكومة المركزية كانت مقرضا صافيا قبل الثورة، ازداد الدين المحلي بسرعة منذ ذلك الحين ليصل إلى ذروته عند 110% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2016.

يعاني ميزان المدفوعات أيضا من الجمود السياسي المتواصل، وهو ما تفاقمه أسعار النفط المتدنية.

فلا تصدر ليبيا إلا 0.2 مليون برميل نفط يوميا هذا العام، وهو أقل من سدس إمكانياتها. وتشير التقديرات إلى انخفاض إيرادات صادرات الهيدروكربونات، التي تضررت أكثر جراء انخفاض أسعار النفط، بمقدار الثلث في عام 2016 بحيث لا تمثل إلا 7% من إيرادات صادرات 2012.

وقد ظلت الواردات التي يحركها الاستهلاك مرتفعة على الرغم من تراجعها. وفي ظل هذه الأوضاع يُتوقع أن يتفاقم العجز في الحساب الجاري هذا العام إلى ما يقدر بـ 61% من إجمالي الناتج المحلي، وهو العجز الثالث على التوالي.

ولتمويل هذه العجوزات، تتعرض احتياطات النقد الأجنبي للإستنزاف بسرعة. فقد انخفضت هذه الاحتياطات بأكثر من النصف من 107.6 مليار دولار في عام 2013 إلى ما يقدر بـ 43 مليار دولار بنهاية عام 2016.

وواصل سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي استقراره مقابل الدولار حول سعر ربطه بحقوق السحب الخاصة، وأما في السوق الموازية فقد خسر الدينار نحو 73% كم قيمته بسبب ضعف الأساسيات الاقتصادية الكلية والقيود على النقد الأجنبي.


آفاق المستقبل الاقتصادية

 تتوقف التوقعات على افتراض أن مجلس النواب الليبي سيصدّق على حكومة وفاق وطني جديدة بنهاية عام 2016 سيكون بمقدورها البدء في استعادة الأمن وإطلاق برامج إعادة بناء البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وخصوصاً المنشآت والمحطات النفطية.

حسب السيناريو الأساسي، يُتوقع أن يتحسن إنتاج النفط تدريجياً إلى حوالي 0.6 مليون برميل يومياً بنهاية عام 2017. وعلى هذا الأساس يُتوقع أن يزداد إجمالي الناتج المحلي بنسبة 28%. إلا أن العجز المزدوج سيستمر؛ إذ إن عائدات النفط لن تكفي لتغطية النفقات المقررة في الموازنة وتكاليف الواردات التي يُحرِّكها الاستهلاك.

وسيُبقِي هذا عجز الميزانية عند نحو 35% من إجمالي الناتج المحلي وعجز الحساب الجاري عند 28% من الإجمالي في عام 2017.

لكن مخاطر الهبوط المعرض لها هذا السيناريو تظل مرتفعة مع إمكانية أن تسود الضبابية السياسية.

في الأمد المتوسط، يُتوقع أن يزداد إنتاج النفط تدريجياً دون الوصول إلى طاقة الإنتاج الكاملة قبل عام 2020 نظراً للوقت اللازم لاستعادة البنية التحتية النفطية المتضررة ضرراً بالغاً.

وفي هذا السياق يُتوقع أن يتعافى إجمالي الناتج المحلي ليبلغ حوالي 23% في عام 2018.

وسيتحسن كل من رصيد المالية العامة وميزان الحساب الجاري تحسناً كبيراً، مع تحقيق الموازنة وميزان المدفوعات فوائض متوقعة بداية من عام 2020 فصاعداً.

وستبلغ احتياطيات النقد الأجنبي في المتوسط 26 مليار دولار في 2017-2019، أي ما يعادل 13 شهراً من الواردات.

ما لم يتم اتخاذ إجراء مستهدف لمعالجة الأزمة الإنسانية، فمن المستبعد أن يتحسن الوضع.

فالوضع في ليبيا معناه أن مجرد الاعتماد على تحسن طفيف في الآفاق المستقبلية الكلية من المستبعد أن يُحدث تغييراً كبيراً؛ إذ يحتاج البلد إلى معونة إنسانية وبرامج محددة لمواجهة الدمار وما يعاني منه قطاع كبير من السكان من نقص في الخدمات الأساسية.

المخاطر والتحديات

من التحديات العاجلة تحقيق الاستقرار الكلي مع استعادة وتحسين الخدمات العامة الأساسية.

ولابد من السيطرة على الإنفاق الجاري، ولا سيما فاتورة الأجور والدعم.

في الأمد المتوسط، يحتاج البلد إلى إصلاحات هيكلية أوسع وأعمق من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، بزيادة العائدات الضريبية، وتحسين إدارة الموارد المالية العامة والبشرية، وتدشين إصلاح الخدمة المدنية، وتشجيع التنمية وتنوع القطاع الخاص لخلق فرص العمل.

لن يتطلب النمو الاشتمالي زيادات كبيرة في الاستثمارات في أهم الخدمات الأساسية لإعادة بناء رأس المال البشري فحسب، بل يتطلب أيضا تدخلات تستهدف الفقراء وشريحة الأربعين % الأدني من السكان لاستعادة رفاه المواطنين.

_________

(Albankaldawli) المصدر:

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *