محمد العجمي

تعيش ليبيا منذ الإطاحة بالزعيم الراحل معمر القذافي في عام 2011، وضعاً سياسياً معقداً، ونزاعات مسلحة متكررة، أفضت إلى مؤسسات مفككة، وانقساماً سياسياً عميقاً، وصل إلى كل مناحي الدولة، إذ تكاد لا تنجو منها أي مؤسسة.
وتتواجد حكومتان متنافستان بليبيا، الأولى في طرابلس غرباً، ويرأسها عبد الحميد الدبيبة، وهي الحكومة التي أقالها البرلمان، لكن تعترف بها الأمم المتحدة، والثانية في مدينة بنغازي بالمنطقة الشرقية، برئاسة أسامة حمّاد، وتحظى بدعم البرلمان الذي يرأسه عقيلة صالح، وقائد الجيش المشير خليفة حفتر.
ولم يقتصر الانقسام على الأجسام التنفيذية والتشريعية، بل طال المؤسسة الوطنية للنفط، التي ظلت منقسمة لسنوات بين شرق البلاد وغربها، قبل أن يعاد توحيدها مع تشكيل حكومة “الوحدة الوطنية“.
لا يقتصر الانقسام في ليبيا على حكومتين تديران شؤون البلاد فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب أخرى منها العسكري، في ظل تركز الصراع في المنطقة الغربية بما فيها طرابلس.
كما انتقل الانقسام إلى مصرف ليبيا المركزي، الذي حاول مجلس النواب تكليف رئيس بديل له عدة مرات لكنه باء بالفشل، مع تمسك محافظه السابق الصديق الكبير بمنصبه، وانتهت العملية بتكليف نائبه علي الحبري برئاسة المصرف الذي ظل بمقرين لسنوات، قبل أن ينهي الحوار الذي استضافته مدينة جنيف السويسرية في 2021 هذا الانقسام أيضاً، لتقوم لاحقاً حكومة الوحدة بإقالة الكبير وتكليف الناجي عيسى محافظاً للمصرف.
وتنقسم كذلك مؤسسة ديوان المحاسبة، برئاسة خالد شكشك، في طرابلس، فيما يرأس الديوان في مدينة البيضاء شرق البلاد، عمر البرعصي. أما مؤسسة الرقابة الإدارية، فيرأسها في طرابلس عبد الله قادربوه، فيما يرأسها في بنغازي عبد السلام الحاسي.
وتستعرض “الشرق” أبرز محطات الأزمة الليبية منذ سقوط القذافي وحتى احتجاجات الأيام الأخيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس، كما يرسم خبراء ما يمكن أن تفضي إليه تداعيات الوضع الراهن على البلد الذي أنهكه الصراع.
بداية الأزمة
بعد اندلاع الاحتجاجات ضد الرئيس الراحل معمر القذافي في فبراير عام 2011، سرعان ما تحولت الانتفاضة لصراع مسلح، تدخل فيه حلف شمال الأطلسي “الناتو” بعد نحو شهر، واستمر الصراع إلى أكتوبر من ذات العام.
ولقي القذافي مصرعه على يد القوات المناوئة له، وصاغ معارضوه حينها إعلاناً دستورياً، سيظل الوثيقة الأهم في البلاد منذ عام 2011.
وأنشأت المعارضة منذ بداية الاحتجاجات مجلساً انتقالياً، شكّل بدوره حكومة مصغرة يرأسها محمود جبريل تحت مسمى “المكتب التنفيذي“، لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، طيلة فترة الانتفاضة، قبل أن يستقيل جبريل وإدارته، ويشكل المجلس حكومة جديدة برئاسة عبد الرحيم الكيب.
واستمر المجلس وحكومته في الحكم لأقل من عام، لينظم بعدها انتخابات في يوليو 2012، أفضت إلى انتخاب المؤتمر الوطني العام، وهو مجلس تشريعي من 200 مقعد.
ومنذ تشكيل المجلس الوطني على خلفية الاحتجاجات، حكم المجلس ليبيا بموجب إعلان دستوري مؤقت، صدر عام 2011، وعُدل لاحقاً، لينظم عمل المؤتمر الوطني العام، حتى الوصول إلى دستور دائم يحكم البلاد.
ووفق الإعلان الدستوري، يجب أن يصدر المجلس الوطني قانوناً لانتخاب المؤتمر الوطني العام، ويعين مفوضية للانتخابات، وينظم انتخابات خلال 8 أشهر.
أما المؤتمر الوطني العام، فقد نص الإعلان الدستوري، على أنه يجب أن يعين حكومة مؤقتة، تدير شؤون البلاد، وأن ينتخب هيئة تأسيسية لصياغة دستور دائم للبلاد من 60 عضواً، على أن يجري ذلك في مدة لا تتجاوز 30 يوماً من أول اجتماع له، وأن تنتهي الهيئة بدورها من صياغة الدستور في أقل من 4 أشهر.
خلافات سياسية
ولم يٌنفذ الجدول الزمني المقترح في الإعلان الدستوري وفق المخطط، وبدأت الانقسامات السياسية تقود البلاد نحو أزمة سياسية، ستتحول لاحقاً إلى معارك عسكرية، ووضع معقد شرقاً وغرباً.
وعقب انتخاب المؤتمر الوطني، عرقلت الخلافات السياسية انتخاب رئيسٍ جديد للحكومة، خصوصاً بعد عدم منح الثقة لمحمود جبريل، رئيس “تحالف القوى الوطنية“، الذي فاز حزبه بأغلبية في مقاعد الأحزاب، لكنه خسر تصويت الثقة بصوتين مقابل منافسه مصطفى بوشاقور، الذي رغم فوزه بحق تشكيل الحكومة لم تنل حكومته الثقة، وانتقلت حينها إلى علي زيدان.
واستمرت هذه الصراعات داخل المجلس المشكّل حديثاً بشأن عدة ملفات، من بينها وضع المجموعات المسلحة، وتشكيل جيش وطني، وقانون “العزل السياسي” للمشاركين في نظام القذافي، وعدم الالتزام بالمواقيت الدستورية.
وولّدت مسألة عدم الالتزام بالمواقيت، موجة احتجاجات تحت شعار “لا للتمديد“، ما ضغط على المجلس لتشكيل هيئة تأسيسية لصياغة الدستور، وتحديد موعد لـ“انتخابات برلمانية“.
وانتخب الليبيون في فبراير 2014، الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، وهي هيئة مكونة من 60 عضواً، تمثل أقاليم البلاد الثلاثة (شرق، وجنوب، وغرب)، منوط بها كتابة دستور دائم للبلاد، وفق الإعلان الدستوري في 2011.
كذلك، أقر المؤتمر الوطني، انتخاب مجلس للنواب في يونيو من ذات العام، وحينها جرت الانتخابات في 25 يونيو 2014، وجرى انتخاب أعضاء مجلس النواب.
نقطة تحول
يعد عام 2014 مفصلياً في تاريخ ليبيا، فنفس العام الذي شهد انتخاب هيئة الدستور ومجلس النواب، شهد إطلاق عمليتين عسكريتين، في شرق البلاد وغربها، بتوجهات سياسية مختلفة، أفضت إلى انقسام عميق في البلاد، لا يزال قائماً حتى اليوم.
وفي مارس 2014، حجب المؤتمر الوطني العام الثقة عن رئيس الحكومة علي زيدان، وكلف وزير الدفاع حينها عبد الله الثني، ليغادر زيدان البلاد مستبقاً حجب الثقة، بسبب مخاوف من اعتقاله، بعد أن اختطفته مجموعات مسلحة قبلها بأشهر، في أكتوبر 2013، من محل إقامته بفندق كورنثيا وسط العاصمة.
سريعاً حاول المؤتمر الوطني، انتخاب رئيس حكومة بديل، ليتقدم عدد من المرشحين، من بينهم أحمد معيتيق الذي حصل على الثقة، لكن حكماً من المحكمة العليا أبطل التصويت، وأتاح للثني الاستمرار في رئاسة الحكومة.
وفي 16 مايو 2014، أطلق قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، ما سماها “عملية الكرامة“، ضد عدد من المجموعات المسلحة، رداً على الاغتيالات المنظمة التي طالت ضباط الأجهزة النظامية في مدينتي بنغازي ودرنة شرقي البلاد، وبدأت المعارك على تخوم مدينة بنغازي، إلى أن انتقلت المواجهات إلى داخلها في أكتوبر من العام نفسه.
أما في العاصمة طرابلس، وبعد أقل من شهر على انتخاب مجلس النواب، هاجمت مجموعات مسلحة العاصمة، يغلب عليها الولاء لتنظيمات إسلامية، تحت مسمى “فجر ليبيا“، واستمرت المعارك وسط العاصمة الليبية لنحو شهرين، قبل أن تسيطر هذه المجموعات على العاصمة بالكامل.
في خضم المعارك، أعلن مجلس النواب الليبي تعذر عقد جلساته في العاصمة طرابلس، وتوجه إلى عقدها بمدينة طبرق، أقصى شرقي البلاد، رداً على ذلك، وبدعم من المجموعات المسلحة المسيطرة على العاصمة، أعاد عدد من أعضاء “المؤتمر الوطني العام” عقد مجلسهم، ودعوا ببطلان انتخاب مجلس النواب.
رئيس الحكومة المكلف حينها عبد الله الثني، توجه إلى شرق البلاد، ليدعمه مجلس النواب، وينتخبه رئيساً للحكومة، في حين شكّل المؤتمر الوطني العام حكومة بمسمى “حكومة الإنقاذ” برئاسة عمر الحاسي.
انقسام عسكري
أفرز الواقع الجديد، والمعارك المتعددة في البلاد، كذلك انقساماً عسكرياً حاداً، وبدأ الجيش الوطني معركة ضد ما وصفها بـ“المجموعات المتطرفة” في 2014، وبعد نحو 4 سنوات من القتال، فرض سيطرته على المنطقة الممتدة من الحدود المصرية شرقاً، وإلى تخوم مدينة سرت غرباً، ظلت المناطق التي يسيطر عليها الجيش تتوسع حتى شملت نحو ثلثي البلاد في الوقت الحالي، ما جعله رقماً مهماً في المعادلة الليبية.
وخلال المعارك فقد الجيش عدداً من قادته، وتراجع ظهور آخرين خلال السنوات اللاحقة، فيما ظلت قيادته بيد حفتر، ويرأس أركانه الفريق أول عبد الرازق الناظوري، فيما ترقى لرئاسة أركان القوات البرية الفريق الركن صدام خليفة حفتر.
وفي غرب البلاد، خلقت المعارك العسكرية المختلفة تحالفات بين المجموعات المسلحة، بدءاً من “فجر ليبيا” في عام 2014، ومن ثم “البيان المرصوص” ضد تنظيم “داعش” في 2016، وأخيراً “بركان الغضب” التي واجهت الجيش الوطني في معارك طرابلس عام 2019.
وهذه المجموعات التي نشأت منذ 2011 خلال المواجهات مع نظام القذافي، استمرت في وجودها بمسميات مختلفة، وشهدت اندماجات، أو معارك أدت إلى نهاية بعضها.
تبقى اليوم عدد من المجموعات الرئيسية أبرزها، المجموعة الموالية للدبيبة، وهم “اللواء 444 قتال” يقوده محمود حمزة ويرأس الاستخبارات العسكرية، و“اللواء 111 مجحفل” ويقوده عبد السلام الزوبي الذي يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع، و“قوة العمليات المشتركة” ويرأسها اللواء عمر بوغدادة، و“جهاز الأمن العام والتمركزات الأمنية” ويقوده عبد الله الطرابلسي، شقيق وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي، و“إدارة إنفاذ القانون” ويقوده اللواء عبد الحكيم الخيتوني، و“الكتيبة 55 مشاة” بقيادة معمر الضاوي، و“آمر قوة مكافحة الإرهاب” اللواء محمد الزين، فضلاً عن “قوة دعم المديريات” التي يقودها علي الجابري.
المجموعات المناوئة للدبيبة، أو التي لا تدين له بالولاء، وتشمل “جهاز الردع“، ويقوده عبد الرؤوف كارة، و“الأمن القضائي” بقيادة أسامة انجيم، فيما تتخذ “كتيبة رحبة الدروع” بقيادة بشير خلف الله، موقفاً محايداً من القتال.
ويتبع كل من “اللواء 444″، و“اللواء 111″، و“الكتيبة 55″، رسمياً للجيش الليبي الذي يرأس أركانه الفريق أول محمد الحداد، وهو واحد من عدد من العسكريين، الذين يدينون بالولاء للحكومة المقالة من البرلمان في طرابلس.
وتضم قواته عسكريين بارزين، مثل “آمر المنطقة العسكرية الغربية” اللواء أسامة جويلي، فيما تتوزع تبعيات المجموعات أخرى، على وزارة الداخلية، والمجلس الرئاسي.
وفيما يبرز قائد “الكتيبة 166″ محمد الحصان، كشخصية لعبت دوراً مهماً بعد المحادثات برعاية الأمم المتحدة، في التواصل مع الجيش الوطني، إذ شكلت كتيبته، مع كتيبة “طارق بن زياد“، قوة مشتركة لتأمين مناطق في وسط البلاد، وهي المناطق التي تقع على التماس، بين نفوذ الحكومتين والقوتين العسكريتين.
…
يتبع
_____________