عبد الرفيع زعنون

خلاصة

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن السؤال المركزي التالي: إلى أي حد تمكنت الدول العربية من إتاحة فعلية التمتع بالحق في النفاذ إلى المعلومة، وماهي المداخل الممكنة لتدارك الإخفاقات وتجاوز المعوقات التي تحول دون تطوير أنظمة الوصول إلى المعلومات؟

وذلك من خلال تتبع الحصيلة المرحلية للأطر التشريعية والتدبيرية التي تستهدف تحسين شفافية المعطيات العمومية بكل من المغرب والأردن والكويت وتونس، مع إبراز التقدم المسجل بمؤشرات الشفافية والانفتاح وتأثيرات ذلك على انكشاف الحياة العامة وعلى الحقوق الأساسية للمواطنين.

وقد استندت الدراسة بشكل أساسي إلى المنهج المقارن لتحليل أوجه التقاطع والتمايز بين التجارب العربية موضوع الدراسة.

يتكون هيكل الورقة –فضلًا عن الإطار النظري– من أربعة محاور تتناول المرجعيات والممارسات والإشكالات والمداخل الخاصة بتدعيم الولوج الشامل وغير المقيَّد إلى المعلومات.

وتخلص الورقة لوجود تطور نسبي في تصنيف معظم الدول موضوع الدراسة بالمؤشرات الدولية ذات الصلة، إلا أن الوصول إلى فعلية الحق في المعلومة يتطلب إصلاحات شاملة لتحسين كفاءة نظام المعلومات، بما في ذلك توسيع مجالات النشر الإلزامي، وتوفير وتدريب الموظفين المختصين، وتطوير منصات استقبال ومتابعة الطلبات، مع إشراك أكثر لأصحاب المصلحة في حكامة تدبير المعلومات؛ ضمانًا لتحقيق الآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنشودة.

مقدمة

شهد مسار تقنين الحق في الحصول على المعلومة تباطؤًا ملحوظًا بمعظم الدول العربية، ورغم إصدار التشريعات التي اعترفت بحق المواطنين في الحصول على المعلومات المتاحة لدى الإدارات والمؤسسات العمومية؛ فإن تفعيلها ظل حبيس نصوص تنظيمية لم تصدر سوى بعد مرور فترة ليست باليسيرة.

وبغض النظر عن تأخر صدور اللوائح التطبيقية؛ فإن التقييدات التي انطوت عليها ساهمت في تغليب المقاربة التقنية على المعالجة الحقوقية في تفعيل هذا الحق الدستوري الحيوي.

كذا أسفرت الدسترة المتأخرة لهذا الحق بمعظم التجارب العربية عن توسيع الاستثناءات الواردة على الحق في النفاذ إلى المعلومات بدلًا من تضييقها.

من الناحية الإجرائية، تراكمت عدة عوامل لتسهم في تسريع التدابير الرامية لتنظيم الحق في الوصول إلى المعلومات العمومية بالمنطقة العربية، من بينها ضغوط المؤسسات المالية الدولية التي أصبحت أكثر «صرامة» في مراقبة مدى التزام الدول بنشر البيانات المالية والنقدية لتطوير سبل التعاون المالي، إلى جانب تركيز شبكة منظمات الأمم المتحدة والدول الشريكة على تحسين مؤشرات انكشاف السياسات والبرامج كشرط للارتقاء بأفق الشراكة، فضلًا عن تنامي الطلب المجتمعي على شفافية السياسات العامة في خضم ظرفية الربيع العربي، وفي ظل الاستخدام المتزايد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي شكلت الدعامة «الفنية» للموجة الجديدة من الاحتجاجات الجماهيرية.

مختلف هذه السياقات الداخلية والخارجية ساعدت على دعم مساعي دمقرطة السلطة وانكشاف التدبير العمومي كما منحت زخمًا غير مسبوق لديناميات الإصلاح السياسي والإداري.

ومن تعبيرات ذلك تنامي تأثير المنظمات المدنية المُطالبِة بتقاسم ونشر المعطيات العمومية، وكذا تزايد إسهام شبكات التواصل الاجتماعي في تنمية الوعي بأهمية الحق في المعلومة وتقاطعه مع بقية الحقوق، كالحق في التعبير والتجمع والمشاركة وحماية البيانات الشخصية.

في ضوء ذلك تم تصميم بوابات متخصصة في إتاحة البيانات المفتوحة، مع اتخاذ العديد من التدابير لتحفيز الإدارات العمومية على تسريع النشر الاستباقي للمعلومات الموجودة بحوزتها، في تقاطع مع الأولويات الجديدة للإصلاح الإداري، كالحكومة المفتوحة ورقمنة الخدمات العمومية وتبسيط المساطر الإدارية وتحفيز الاستثمارات ومحاربة الفساد وتعزيز الطابع التشاركي للسياسات العامة.

تشير الحصيلة الأولية إلى تطور ملحوظ في إرساء الأطر التشريعية والمؤسساتية، وكذا تحسن ترتيب الدول العربية بالتصنيفات الدولية لانفتاح وشفافية البيانات العمومية.

لكن من زاوية الأثر الفعلي لا يزال الطريق طويلًا وشاقًا أمام تكريس فعلية التمتع بالحق في المعلومة في ظل استمرار عدة تقييدات تشريعية وسيادة مناخ سياسي وإداري يُمجِّد السرية والحجب، فضلًا عن وجود حالة من التباين بين الفاعلين الاقتصاديين الذين يُمنحون معلومات في غاية الجودة والجِدَّة وعموم المنتفعين الذين قلما تجود عليهم الإدارات العمومية بالمعلومات المُستجِيبة لاحتياجاتهم.

ضمن هذا الأفق، سترصد هذه الورقة تبعات التزام الدول العربية بمتطلبات التمكين للحق في النفاذ إلى المعلومة مع تتبع الحصيلة العملية لهذا الالتزام.

في ضوء ذلك يبرز السؤال التالي:

إلى أي حد ساهمت الإصلاحات التشريعية والسياسية والإدارية في تحصين الحق في النفاذ إلى المعلومة بالمنطقة العربية؟

وبأية آليات سعت البلدان العربية موضوع الدراسة إلى التمكين لقيم الشفافية والانكشاف في تدبير الشئون العامة وفي إمداد الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بالبيانات الآنية والمُنتِجة؟

وماهي المداخل الممكنة لتدارك الإخفاقات وتجاوز المعوقات التي تَحول دون التكريس العملي للحق في الولوج إلى المعلومات العمومية بالمنطقة العربية؟

للإجابة على هذه الإشكالات، سننطلق من محور نظري لجرد أبرز الأدبيات الدولية والدراسات السابقة ذات الصلة بالموضوع، قبلما ننتقل إلى رصد المرجعيات المؤسِّسة للحق في المعلومة بالمغرب ومدى ملائمتها مع الإطار المعياري الدولي، على أن نخصص المحور الثالث لرصد مكاسب التجارب العربية واستشراف منحنيات تطورها.

لنختم الدراسة بتحليل تجليات القصور والعوامل التي تحول دون تحقيق فعلية التمتع بهذا الحق، وبيان تأثيرات ذلك على الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد آثرنا الاقتصار على تجارب كل من المغرب وتونس والأردن لكونها السباقة إلى دسترة وتقنين الحق في المعلومة، ولكونها قد أفردت مخططات وآليات عملية ضمن استحقاقات دولية كشراكة الحكومة المفتوحة ومبادرة البيانات المفتوحة، إلى جانب الكويت التي كانت أول دولة خليجية تُقنِّن الوصول إلى المعلومات.

في ضوء ذلك، فضلنا الاعتماد بشكل أساسي على المنهج المقارن من أجل استجلاء التقاطعات والتمايزات القائمة بين تجارب الدول العربية موضوع الدراسة.

يتبع

_______________

مواد ذات علاقة