
إخفاق وزارة الصحة
في 24 يونيو/حزيران 2014 أصدر وزير الصحة في الحكومة المؤقتة نور الدين دغمان، قرارا (رقم 1141) موجها إلى الملحقيات الصحية بالسفارات يوصي باستبعاد علاج الأسنان والعلاجات التجميلية والأمراض النفسية، وإغلاق ملف المريض بعد انتهاء علاجه، مستندا في ذلك إلى تقارير من السفارات الليبية والتي طالبت بتحديد نوع المرض للموفدين.
لكن “قراري الوزير خير دليل على فوضى الملف وإخفاق وزارة الصحة، إذ كان عليها أن تحدد أنواع الأمراض التي يسمح فيها بالعلاج في الخارج، بدلا من أن تخاطب الملحقيات لتستثني أمراضا معينة، كون الوزارة هي من تصدر رسائل الإيفاد“، بحسب ما يراه أشرف البهلول، وكيل رئيس الملحقية الصحية بالسفارة الليبية في تونس (بين أغسطس/آب 2013 وأغسطس 2014)، مضيفا أن الخطاب يتضمن اعترافا بأن الوزارة لا تسيطر على قرارات ايفاد المرضى. كما أنها ليست الجهة الوحيدة التي توفدهم للعلاج في الخارج.
تزوير في محاضر الإيفاد
في 27 يناير/كانون الثاني 2019، أصدر وكيل وزارة الصحة بحكومة الوفاق الوطني السابقة غرب البلاد، القرار رقم 15 الذي قضى بتشكيل اللجنة الاستشارية العليا للعلاج (تتكون من رئيس و20 عضوا)، مع سبعة أعضاء تمت الاستعانة بهم بصفتهم إداريين، بحسب تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2020، مشيرا إلى “وجود شبهة تزوير على محاضر اجتماعتزوير في محاضر الإيفاد
في 27 يناير/كانون الثاني 2019، أصدر وكيل وزارة الصحة بحكومة الوفاق الوطني السابقة غرب البلاد، القرار رقم 15 الذي قضى بتشكيل اللجنة الاستشارية العليا للعلاج (تتكون من رئيس و20 عضوا)، مع سبعة أعضاء تمت الاستعانة بهم بصفتهم إداريين، بحسب تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2020، مشيرا إلى “وجود شبهة تزوير على محاضر اجتماع اللجنة، حيث ثبت في بعض المحاضر أن اللجنة توافق على عدد من المرضى وبعد الاعتماد تتم إضافة أسماء أخرى بالمحضر وإصدار رسائل لهم للعلاج،
ومنها محضر اجتماع رقم 231 الذي ورد من محفوظات الوزارة بنفس رقم محضر الاجتماع وبنفس الرقم الإشاري وبنفس التاريخ، إلا أنه في المحضر الوارد من المحفوظات تمت الموافقة على 12 مريضا للعلاج بالخارج والمحضر الوارد من اللجنة الاستشارية العليا للعلاج موجود به عدد 384 مريضا للعلاج بالخارج، أي أن المحضر غير مطابق للمحضر الموجود بمنظومة المحفوظات ليتم تسجيله بها“.
ثبت في بعض المحاضر أن اللجنة توافق على عدد من المرضى وبعد الاعتماد تتم إضافة أسماء أخرى بالمحضر وإصدار رسائل لهم للعلاج، ومنها محضر اجتماع رقم 231 الذي ورد من محفوظات الوزارة بنفس رقم محضر الاجتماع وبنفس الرقم الإشاري وبنفس التاريخ، إلا أنه في المحضر الوارد من المحفوظات تمت الموافقة على 12 مريضا للعلاج بالخارج والمحضر الوارد من اللجنة الاستشارية العليا للعلاج موجود به عدد 384 مريضا للعلاج بالخارج، أي أن المحضر غير مطابق للمحضر الموجود بمنظومة المحفوظات ليتم تسجيله بها“.
ويفترض إيفاد المرضى للعلاج بموجب تقرير من الطبيب المعالج يوجه إلى وزارة الصحة، والتي تعرضه بدورها على اللجنة الاستشارية العليا للعلاج بالخارج، لتوصي بما تراه، ثم تصدر الوزارة رسائل إيفاد تضم أكثر من مريض، بحسب ما يقوله صلاح الجعرود، مساعد مدير شؤون الموظفين بالسفارة الليبية في مصر (عمل من فبراير 2017 حتى فبراير 2018).
سفيرة ليبية متهمة بمحاولة تزوير فاتورة قيمتها 200 ألف يورو
لكن والد الطفل أبوبكر عثمان الواعر، ظل يحاول الوصول إلى مسؤولي وزارة الصحة عاما كاملا، بحثا عن منحة علاجية لطفله، ليتمكن من خلال وساطات ضمه في قائمة إيفاد مرضى للعلاج في إيطاليا في يوليو 2020، ورغم رد أحد المشافي في روما بقبول علاج الطفل بعد خمسة أيام، إلا أن القنصلية أهملت الأمر، كما يقول الواعر، مضيفا: “بعد إثارتي لقضية طفلي الذي دخل في غيبوبة، في وسائل إعلام محلية، أرسلت القنصلية تأشيرتين في الحادي عشر من أغسطس 2020″.
وفور وصول الطفل إلى أحد مشافي روما، قرر الأطباء بتر يده بسبب انتشار البكتيريا، نتيجة تأخره في تلقي العلاج، كما يقول الأب لـ“العربي الجديد“: “انتظرت 40 يوما حتى صدر قرار ضم ابني للعلاج في إيطاليا ثم تأخرت إجراءات السفر من قبل القنصلية“، و“أهمل موظفو الملحقية حالة طفلي تماما، ولم يرسلوا أي موظفين لمتابعة حالته والتفاهم مع الأطباء وإبلاغي بنتيجة العلاجات وكيف سيتم العلاج؟ لأنني لا أتكلم الإيطالية ولا الطاقم الطبي يتحدث العربية، وفي إحدى المرات أرسلت الملحقية طبيبة تبين أن تخصصها أسنان ولا علاقة لها بمرض ابني“.
ويتابع: “قرروا نقلي إلى أكثر من سكن في أيام معدودة ما أعاقني على متابعة حالة طفلي، قبل أن يبلغوني بأن الإجراءات المالية خاصة بعلاج الطفل فقط، أما نفقة سكني وإعاشتي لا تشملها منحة العلاج، فسكنت لأشهر بمساعدة الخيرين“.
والمؤسف كما يقول الواعر، هو توقف منحة العلاج من قبل القنصلية، مضيفا بألم: “حينها تبرع مستشفى بامبينو جيزو للأطفال التابع للفاتيكان بمواصلة علاج طفلي لكن بعد فوات الأوان، فبعد أقل من شهر توفي أبوبكر“.
وصول الفساد إلى أعلى المستويات
في فبراير 2021، استند ملف العلاج بالخارج إلى قرار الحكومة المؤقتة رقم 35 بشأن اعتماد ضوابط صحية وعلاجية، لكنه لم يحدد أنواع الأمراض التي يتوجب إيفاد أصحابها للعلاج بالخارج، مكتفيا بذكر “إيفاد المرضى للعلاج بالخارج للحالات التي يستعصي علاجها بالداخل“، بحسب جلهوم.
وفي فبراير 2022، أنشأت حكومة الوحدة الوطنية جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية، والذي أعد في فبراير 2023 القائمة النمطية للساحات والأمراض للعلاج بالخارج، وهي مصر وتونس وروسيا وتركيا وإيطاليا وألمانيا وصربيا وأوكرانيا والأردن ساحات علاجية بالخارج فقط وفقا للأمراض التي تشتهر بعلاجها كل دولة، مع ضرورة أن يكون الإيفاد من خلال الجهاز ووفقا لتوصية من لجانه الطبية، بحسب الموقع الرسمي للجهاز.
لكن المشكلة تكمن في “وجود قصور في إدارة برامج العلاج في أغلب الساحات العلاجية وعدم القيام بسداد معظم الالتزامات القائمة بالإضافة إلى تزايد قيمتها وذلك بسبب إيفاد العديد من الحالات بدون مخصصات مالية، وعدم وجود قيمة حقيقة تقديرية للحالات التي يتم إيفادها للعلاج بالخارج، فضلا عن قصور وزارة الصحة في متابعة الودائع المحالة للسفارات والملحقيات وعدم فتح السجلات المالية الخاصة بها، والتقصير في متابعة الملحقين الصحيين بالخارج والمراقبين الماليين بالسفارات بشأن تحويل بيان يتضمن المصروف من هذه الودائع والمتبقي منها“، حسب تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2022.
وتبدو خطورة المخالفات السابقة وحالة الفوضى والفساد المتفشية في ما وقع بميلانو في إيطاليا، إذ أبرم القنصل الليبي، عقود شراء خدمات علاجية دون موافقة وزارة الصحة ووزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية، وفق ما وثقه تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2022، موضحا أن “القنصل والملحق الصحي تعاملا مع شركتي الزبردج والليث للسفر والسياحة في الغرب، اللتين تمارسان نشاطهما من الأراضي الليبية، والفواتير المرفقة بأذونات الصرف الصادرة عن الشركتين كانت بعملة اليورو، وهو ما لا يسمح به القانون الليبي، ودون موافقة وزارة الخارجية بهذا الخصوص، فضلا عن عدم إرفاق الفواتير الأصلية بأذونات الصرف مع وجود تزوير واضح للفواتير من حيث تطابق شكل جميع الفواتير مع وجود كشط واضح للقيمة بواسطة (جهاز سكانر)، مع عدم ورود الفواتير الأصلية للقنصلية وفقا
ولم يتوقف الأمر هنا إذ طلب السفير الليبي السابق في إيطاليا عمر الترهوني، من وزارة الصحة صرف مبلغ 81 ألف يورو لتغطية علاج المريض الهاشمي محمد محمدين الحاج (والد زوجته) في العاشر من مارس/آذار 2022، لكن تبين أن الرجل توفي في 28 مارس 2020، بحسب ما جاء في مذكرة (رقم 11775) موجهة من وزارة الصحة إلى الملحق الصحي بالسفارة الليبية في روما، بتاريخ 16 مارس 2022.
بعدها بثلاثة أشهر أمر النائب العام بحبس الترهوني على ذمة التحقيق في جريمة إساءة استعمال سلطات الوظيفة لتحقيق منافع مادية، وتحقيق كسب مالي غير مشروع وصل إليه من خلال أعمال وظيفته، ما يؤكد على خطورة الظاهرة واستفحالها وهو ما تكرر في الثاني من أكتوبر 2023 إذ أقال رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، السفيرة الليبية في بلجيكا، أمل الجراري وأحالها للتحقيق، بعد تسريب تسجيل صوتي لها بينما تتحدث مع أحد المسؤولين الحكوميين عن حاجتها لفاتورة مزورة تفوق قيمتها 200 ألف يورو لعلاج مريض ليبي “مزيف” من مرض السرطان، من أجل أن ترسلها إلى وزارة الصحة في طرابلس ليتم تحويل المبلغ، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر الموقع الرسمي للحكومة، واتضح من التحقيقات أن رئيسة البعثة تعمدت الإسهام في ارتكاب واقعة تحقيق منافع مادية غير مشروعة؛ والاستيلاء بدون وجه حق على مال عام، والتسبُّب في إلحاق ضرر بالمصلحة العامة.
وبفراغ المحقق من استجواب المسؤولة؛ أمر بحبسها احتياطياً على ذمة التحقيق؛ وبسبب إهدار هذه الأموال وغيرها، يدفع المرضى الثمن من أرواحهم ومن بينهم، الطفل الليبي وسيم اللافي الذي توفى في 12 أكتوبر 2020 بأحد المستشفيات التركية متأثرا بمضاعفات سرطان الدم، بعد انتظار استمر لمدة أربعة أشهر لم تحول القنصلية الليبية خلالها مخصصات عملية زرع النخاع كما روت جدته عائشة التي رافقته في رحلته العلاجية، قائلة: “القنصلية أبلغتني بنفاذ مخصصات العلاج“.
_________________