سعيد سالم

بعد طول انظار وتردد كبير غير مبرر استمر لمدة عامين منذ مراسلة المصرف المركزي الأولى للنائب العام التي تسرّبت أخيرا للرأي العام يخبره بوجود عملة مزوّرة في السوق الليبي بتاريخ 17\12\2022.
بعد كل هذا الوقت الطويل وصمت كل مؤسسات الدولة السيادية عن القيام بأي إجراء بالخصوص، خرج المصرف المركزي على الليبيين بقرار سحب فئة الخمسين دينار بتاريخ 17\4\2024. هذا الإجراء الذي جاء تتويجا لعديد من المراسلات التي قام بها المركزي لبرلمان طبرق وللمؤسسات السيادية بليبيا، والتي بدأت بتاريخ 21 فبراير 2024 الماضي بوجود عملة مزوّرة متداولة بشكل واسع وكبير في السوق الليبي من فئة الخمسين دينار والتي فجرت قضية رأي عام كبيرة في البلاد وأثرت بشكل كبير على تراجع الدينار الليبي أمام الدولار وسببت في شح كبير للسيولة وارتفاع الأسعار وضرر بالغ بالاقتصاد الليبي وما لحق عن هذه المراسلات من إجراءات عديدة وتخبط على رأسها زيادة ضريبة على النقد الأجنبي بقيمة 27% بقرار من رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح مما زاد الأمر سوءاعلى المواطنين ذوي الدخل المحدود.
خطوة مهمة ولكن..
بكل تأكيد لا يختلف إثنان على أن إجراء سحب عملة مزوّرة من السوق هو خطوة في الاتجاه الصحيح للحد من ضررها على الدولة وهي مسؤولية حصرية لمصرف ليبيا المركزي وتحتاج تشجيع واستمرار للتصحيح، ولكن هناك تساؤلات كبيرة ومهمة ضلت غائبة وتحتاج إجابات:
أولها، لماذا احتاج مصرف ليبيا المركزي قرابة سنتين كاملتين منذ أول مراسلاتة إلى النائب العام بتاريخ ى17\11\2022 بخصوص وجود عملة مزوّرة حتى يبدأ في سحبها من السوق، ولصالح من كان هذا التأخير؟
ثم لماذا اتجه المركزي منذ بداية الأزمة في معالجتها إلى من كان وراءها بالأساس والمسبب لها وهو معسكر برلمان طبرق الذي يعرف الجميع أن الثنائي (عقيلة ـ حفتر) هما من المسؤولين الأولين على طباعة العملة المزوّرة للمرة الثالثة على التوالي بعد عامي 2017 و 2020 والذي مرّ دون رادع أو محاسبة، فكيف بمن صنع المشكلة أن يكون هو الحل؟
كلها أسئلة باتت عالقة وتحتاج إجابات.
الأدوار الغائبة منذ البداية
يعرف كل متابع للشأن الليبي أن تحميل مسؤولية مواجهة أزمة العملة المزوّرة في مصرف ليبيا المركزي هو حصر سياسي بالدرجة الأولى خلفه أهداف سياسية متصلة بحالة الصراع السياسي بليبيا ومناكفة لم تتوقف طيلة سنوات ضد المحافظ والمركزي رغم أن مسؤولية الكشف عن العملة المزوّرة وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم للعدالة هي مسؤولية كل المؤسسات القضائية والعدلية والأمنية والرقابية وعلى رأسها النائب العام الذي كان أول من راسله الصدّيق الكبير بخصوص وجود عملة مزوّرة قبل عامين في 2022.
هذه المؤسسات جميعها التي عندما خرج المصرف المركزي للرأي العام بخصوص وجود عملة مزوّرة غابت هي تماما على القيام بدورها المنوط بها في مشهد لا يمكن أن تجد له تفسيرا ولا يقبله منطق ولا يمكن أن يُبَرّر بحال من الأحوال!
فقضايا الأمن القومي لا يمكن لدولة ومؤسساتها أن تسكت عليها أو تتجاهلها أو تجعلها ورقة للإبتزاز السياسي والمناكفات بين الأطراف السياسية فكل ذلك سوف يصل بالدولة إلى الإنهيار التام ولولا هذه الأدوار الغائبة لمؤسسات الدولة السيادية المعنية لما تكررت طباعة العملة المزوّرة مرارا وتكرارا في 2017 و 2020، فهل سوف تستدرك هذه المؤسسات السيادية دورها وتخرج للرأي العام الليبي بالإجراءات والقرارات المتصدرة والمواجهة لهذه الأزمة أو سوف تستمر الصمت والتجاهل وعدم المسؤولية تجاه قضية أمن قومي تعصف بليبيا.
استمرار المبني للمجهول وغياب المحاسبة لن يصنع حلا!
رغم أن كل الشعب الليبي يعرف أن معسكر (حفتر ـ عقيلة) هم وراء تزوير العملة المزوّرة والانفاق الموازي والدَّين العام الذي كلف ليبيا مئات المليارات سبب في انهيار الدينار أمام الدولار وارتفاع أسعار السلع الأساسية والتضييق على المواطنين ذوي الدخل المحدود وإقرار ضريبة على الدولار في مرتين وفترات زمنية متقاربة رغم أن الجميع يعرف من المسؤول إلا أن مؤسسات الدولة المعنية القضائية والأمنية والعدلية لا زالت لا تريد مواجهة الحقيقة ولا تريد الخروج للشعب الليبي بالإجراءات الرادعة والمحاسبة لمن تسبب اليوم وسابقا في هذا الضرر البالغ.
ويتساءل الجميع في مشهد بائس عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء عدم قيام مؤسسات الدولة المعنية بالإجراءات الرادعة والمحاسبة لمن ارتكب هذه الجرائم الاقتصادية الكبرى في حق ليبيا وشعبها وتبقى الأزمات مفتوحة على المزيد من التعقيد والتكرار طالما غابت الدولة ومؤسساتها عن القيام بدورها وغابت معها أيضا النخب الوطنية والأحزاب السياسية وكل مؤسسات المجتمع المدني على القيام بدورها الوطني في المطالبة بالتحقيق ومحاسبة المتورطين.
إن رد فعل المجتمع المدني بمختلف مكوناته ومؤسساته على جريمة تزوير العملة وتهديد الأمن القومي للبلاد كانت من الضعف بما يشجع المجرمين والخونة على الاستمرار في غيّهم وارتكاب المزيد من إجرامهم في حق الوطن ومستقبل أجياله.
من يقف وراء التزوير وماذا يريد
بكل تأكيد أن من يقف وراء عمليات التزوير المتكررة خلال السنوات الأربعة الماضية بليبيا للعملة الوطنية هم أطراف محلية (حفتر ـ عقيلة) لهم ارتباطات إقليمية ودولية هدفهم النهائي ليس السيطرة على الاقتصاد أو سحب العملة الأجنبية أو رفع الأسعار فقط، بل أن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء كل ما يجري هي اهداف أكبر بكثير مرتبطة بمشاريع إقليمية كبرى تريد إرجاع ليبيا إلى الحكم الشمولي والاستبداد عبر ورقة الضغط على الاقتصاد الليبي لإفقار المجتمع ونشر الفوضى وإفشال المؤسسات المدنية ودفع الناس للكفر بها وبالمسار الديمقراطي، وفي طريقهم للوصول إلى تلك الأهداف يعملون على السيطرة على المصرف المركزي وسقوط آخر قلاع المؤسسات السيادية بعد أن سيطروا على المؤسسة الوطنية للنفط سابقا في مسلسل بدأ مبكرا لإسقاطها او تحييدها على أداء دورها الوطني.
وكذلك العمل على ارتهان ليبيا إلى البنك الدولي لتصبح ليبيا دولة فاشلة تدار وفق أهداف دول إقليمية ودولية بعد أن حافظت ليبيا طيلة عشرية كاملة من الصراع والحروب والتدخلات الأجنبية على احتياطات مهمة من النقد الأجنبي والذهب منعت ليبيا من مد يدها للنبك الدولي ودخول ليبيا في نادي الدول المديونة وحافظت بها ليبيا على الحد الأدنى من الاستقرار وهو ما يحسب لمصرف ليبيا المركزي.
التصحيح المطلوب
لا يمكن لقضايا الأمن القومي ولأزمة كبيرة مثل العملة المزوّرة أن يكون أجراء التصحيح هو أجراءً فنيا فقط يبدأ ويتنهي بسحب العملة المزوّرة أو طباعة فئة أخرى من العملة دون محاسبة وردع الجاني ومعالجة الأضرار الهائلة التي سببتها للإقصاد الوطني والخروج للشعب الليبي ومصارحته بمن يوقف وراء تدمير اقتصاد بلده!
فالقضية قضية أمن قومي وهي أكبر كثيرا من قرار فني مهما كان مهما وإن تأخر! ولا يمكن أيضا أن نطالب مصرف ليبيا المركزي أن يحل محل القضاء أو الأجهزة الأمنية والرقابية في فتح تحقيقات حول خلفيات الأزمة وطبيعتها وكشف من ورائها ، وأن ننتظر منه جلب وإحضار المتهمين.
بل كان لزاما أن يكون التصحيح شاملا وموازيا لحجم الضرر البالغ الذي تسبب بالأزمة، ولا يكون شاملاإن يبدأ بالإجراءات القانونية الرادعة وفق قوانين مكافحة الجريمة المنظمة وفق القانون الليبي من كل مؤسسات الدولة المعنية الأخرى التي تقف موقف المتفرج وأن تخرج التحقيقات ونتائجها للشعب الليبي في أقرب الآجال وأن تكشف خيوط كل هذه الجريمة المحلية والإقليمية.
وأن يكون هناك من القضاء الذي لا زال الليبيون يعولون على أنه لم يتورط بعد في التوظيف السياسي أن يكون له الكلمة الفصل ، فالكرة في ملعبه وأن يكون له قرارات رادعة حتى لا تتكرر مثل هذه الأزمات لاحقا، وأن تلتحق مؤسسات أصابتها الغيبوبة مثل مؤسسات سيادية كديوان المحاسبة والرقابة الإدارية ومكافحة الفساد والجريمة وأخرى وزارية كالعدل والداخلية بالإجراءات التصحيحية والرادعة في حل مثل هذه الأزمة، ويبقى أداء المؤسسات السيادية في الدولة يضع علامات استفهام عن قدرتها على إدارة أزمات الدولة المعقدة وهي التي فشلت في أزمة التزوير هذه الواضحة ومحددة معالم الجريمة طبيعتها وأثارها والمسؤول عنها.
أخيرا يأتي سؤال كبير لكل النخب والقادة الوطنيين والفاعلين السياسيين!
هل من قام بهذه الجريمة للمرة الثالثة على التوالي وما تبعها من فساد وتهديد للأمن القومي هو في مستوى أن يكون طرف سياسي وشريك يأمل منه أن يشارك في أي حل للأزمة الليبية أو هو الأزمة بذاتها والتي تحتاج إلى مكاشفة وحل؟
_______________
pdf. المصدر: الأوراق المالية