د. نزار كريكش

وقع بين يدي كتاب أنيق وفريد يتحدث عن النازيين العرب! نعم كان هناك اتجاه قوي في العالم العربي يدعم قوات المحور وهتلر وموسوليني، ضد قوات الحلفاء خاصة بريطانيا العظمي.
أشهرهم على الإطلاق الملك فاروق الذي استطاع توفير معلومات مهمة للقائد العسكري رومل عن خطط القوات البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية.
فاروق الذي تلقى هدية رائعة من هتلر وهي سيارة مرسيدس فخمة فكانت رمزية المهدي أهم من الهدية نفسها.
ذكر الكاتب كيف أن بعض الليبيين كالبوري والمنتصر كانوا كذلك، هواهم مع قوات المحور.
لكن ما لم يذكره الكتاب، عن ليبيا، هو أن تلك البروباغاندا الإيطالية جعلت شخصيات مهمة في العالم العربي مثل شكيب أرسلان يلتقي موسوليني ويحاول شكيب أن يظهر أن إيطاليا قد تكون أقرب لليبيين من بريطانيا، وهذا استثار عمر فائق شنيب وبشير السعداوي مما اضطرهم للكتابة عن فضائع الإيطاليين في ليبيا وأن من يرد أن يقرأ عن أندلس جديدة في القرن العشرين ليقرأ عن طرابلس الغرب.
في تلك الأجواء يتخذ الملك إدريس قراره– وإن كان متأخرا– بالتحالف مع الإنجليز، ويتخذ كثير من المهجرين قرار المشاركة في الحرب للتخلص من الاستعمار الإيطالي.
هذا ما كان حقيقة، شارك الليبيون في الحرب وانتصر الحلفاء ونالوا استقلالهم، لكن بقيت تلك الظروف هي الحاكمة لتكوين الدولة الليبية؛ هي دولة نشأت من رحم صراع دولي في شمال إفريقيا.
اليوم ما أشبه الليبية بالبارحة يبدو أن الدولة الليبية ستنشأ من رحم هذا الصراع الدولي حول شمال إفريقيا.
ما يحدث اليوم في الأزمة الليبية هو صراع حول شمال إفريقيا أكثر من كونه نزاعا محليا في الأزمة الليبية، وقد فقد الليبيون القدرة على التأثير في المشهد، وانحسر دور القوى السياسية والمسؤولين في ليبيا في دعم هذه القوة على حساب أخرى، بل تحول الأمر إلى نوع من التبعية المباشرة التي تبديها بعض الأطراف من أجل الاستمرار في السلطة.
انتبه لهذا الأمر مبكرا الكاتب جاسون باك عندما كتب كتابه عن الخلل المزمن في المجتمع الدولي وتأثيره في الأزمة الليبية، والكتاب يحاول أن يبين أن التصدع في النظام العالمي، ومرضه العضال الذي طال كل النظم المهمة فيه، هو الذي يتكرر في أوكرانيا بعد ليبيا.
يسرد الكاتب قضية مهمة عن السياسيين الليبيين، وهو أنهم يحاولون أن يظهروا أمام الأجانب بمظهر الحكام الذين يملكون السلطة على الأرض وأنهم قادرون على عقد صفقات طويلة الأمد مع هذه القوى.
هذا يدخل ضمن إطار سيكولوجيا المسؤول، هذا السياسي الذ وصل ربما للسلطة بالصدفة، أو باتفاقات سياسية مددت لهم للبقاء في الحكم خلق لديهم نوعا من الرغبة الجامحة في الاستفادة من هذا السانحة علها لا تعود أبدا.
إذا جاءتك عن طريق الصدفة جوهرة ثمينة قد تغير حياتك وتنقلك إلى وضع ما كان يخطر ببالك، ولا تسعه أحلامك، هل كنت لتتخلى عنه بسهولة؟
هل يمكنك ساعتها أن تفكر في العودة إلى قواعدك الأولى حين كنت نسيا منسيا. هذا لن يحدث، ولأنه لن يحدث ستفقد القدرة على رؤية مستقبلك بغير تلك الجوهرة.
هذا التكالب حول الاستمرار في السلطة هو الذي جعل رؤيتنا للمستقبل، وملكية الليبيين لأزمتهم أمرا من الماضي.
الخطير هنا هو أن القوى الدولية لا تملك رؤية لليبيا إنما تملكها لشمال إفريقيا.
يحكي جاسون باك قصة عن أحد المسؤولين الليبيين الذي اتصل به من واشنطن وقال له إن هناك أمرا مهما يريد الحديث عنه.
تقابل الرجلان وإذا بالمسؤول الليبي يتحدث عن طريق تجاري مهم يريد فتحه بين مصراتة والجنوب الليبي وأن ذلك مشروع مهما لليبيا وللعالم.
كان ذلك إبان حرب طرابلس!
استغرب جاسون باك من الأمر وحدثه عن الحرب وعن الطريق المليء بالمهربين والمليشيات والألغام؛ المسؤول الليبي بالطبع يعرف كل ذلك، لكنه يريد أن يدس أنفه في التراب، يريد أن يتخيل تلك السلطة بكل مقوماتها، ببساطة لا أحد يريد من الواقع أن يغيب تلك الفرصة التي غرزت في مخيلة ذلك المسؤول.
هذا السياق هو الذي جعل ليبيا كدولة وكأزمة عالمية دون رؤية محلية داعمة، من السهل الحديث عن انتخابات أو دستور أو وقف للحرب لكن الصعب حقا هو وجود رؤية إستراتيجية تلملم أجزاء الصورة في حدث تاريخي يعطي للدولة الليبية قيمتها في معادلتها الإستراتيجية.
هذا ما حدث تماما في الحرب العالمية الثانية استطاع المهجرون أن يجدوا رؤية وسط تلك المعادلة الدولية، ربما كانت قاصرة عند البعض لكنها نفذت في عمق التاريخ وأخرجت دولة.
هل ليبيا تريد أن تكون مركزا للغاز والطاقة بديلا عن الشرق الأوسط؟
هل ليبيا لها القدرة أن تكون منطقة توازن بين الشمال والجنوب للكرة الأرضية؟
كيف لشرق المتوسط أن يكون بداية لمنطقة طاقة واتصال وشحن دولي؟
كيف للمناطق الحرة في ليبيا أن تكون بداية لمناطق صناعية دولية؟
القوى الكبرى في المنطقة كتركيا والمصالح الأمريكية في ضرب المصالح الروسية وطرد روسيا من إفريقيا، أوروبا وهي تبحث عن الطاقة… تدرك كل ذلك، في المقابل ننظر نحن الليبيون برؤية ضيقة للواقع تبحث عن النيل من أطراف النزاع وإبراز القدرة على تحقيق مصالح الغرب أكثر من الآخرين.
عندما نريد أن نتحدث عن المستقبل فإن ساستنا إنما يتحدثون عن ذلك للتقرب من هذه القوى وليس لأنهم يدركون بالفعل ما الذي يجب أن تكون عليه ليبيا إذا دخلت هذه المعادلة الدولية؟.
***
نزار كريكش ـ استشاري نظم صحية وباحث للعديد من مراكز الدراسات مؤلف العديد من الكتب المنشورة سياسي وخبير في…
_____________
