ولفرام لاتشر

منذ اندلاع ثورة 17 فبراير، تغيرت الخريطة السياسية الليبية بشكل لا يمكن التعرف عليه. حيث كان في عهد القذافي، عدد قليل من الأشخاص والأجهزة التي كانت تهيمن عبر الشبكات المظلمة غير الرسمية والأجهزة الأمنية المتمركزة حول القذافي وعائلته الممتدة، ولكن بعد الثورة ظهر عدد كبير من القادة الفاعلين.

مع انهيار النظام السابق، اشتد الصراع على السلطة بين تحالف غير متجانس من الثوار بما في ذلك من كانوا ضمن القيادة السياسية (المجلس الوطني الانتقالي). بالإضافة إلى ذلك، برزت مجموعات لم تكن جزءًا من الثورة وأعلنت عن حقها ومطالبها بالمشاركة في العملية الانتقالية.

بينما كانت التعبئة الشعبية المرتبطة بالثورة تنحسر والمشهد أصبح أقل ازدحامًا، كان التحول الأساسي في المسرح السياسي قد ظهر من البداية، حيث أثار ظهور المجلس الوطني الانتقالي نقاشًا دوليًا ساخنًا حول هوية ومصالح وأهداف القوى الثورية، فضلاً عن دور الخصومات القبلية والنزاعات الجهوية في مرحلة الانتفاضة.

  • هل كانت القيادات السياسية للثورة تمثل حركة شعبية عابرة للمناطق أم أنها تمثل مصالح نخبة ضيقة؟

  • وهل الصراع بين المجموعات الثورية والنظام السابق كان في الواقع حرب أهلية قبلية؟

  • وهل الحديث عن الولاءات القبلية في مرحلة الثورة في غير محله بالكامل؟

ولكن مع دخول ليبيا مرحلة الانتقال من الثورة إلى إقامة دولة جديدة، يستمر الجدل.

يفكك هذا المقال مكونات القوى التي قادت الثورة ويتتبع أصولها الاجتماعية. ويتبنى الفرضية التي تقول بأن مصالح العائلات البارزة ، وكذلك الولاءات القبلية والجهوية ، لعبت دورًا رئيسيًا على جانبي طرفي الصراع أثناء الثورة الليبية.

هذا لا يعني أن الصراع كان حربًا أهلية قبلية أو صراعًا بين المناطق الليبية على السيادة السياسية.

ومع ذلك ، كانت التعبئة الشعبية والسياسية والتنظيمات العسكرية إلى حد كبير على أسس قبلية أو جهوية محلية. وانقسم تحالف الثورة إلى مصالح عائلية وقبلية وجهوية، وأصبحت هذه الانقسامات أكثر وضوحًا بعد بلوغ الهدف المشترك وهو الإطاحة بالنظام.

لكن في حين أن مصالح النخبة الضيقة هذه كانت مهيأة للتنافس على النفوذ خلال الفترة الانتقالية، فمن غير المرجح أن تكون هي العامل الوحيد الذي يحدد الوضع السياسي لليبيا ما بعد القذافي.

من المرجح أن تظهر قوى وتحالفات سياسية أوسع ويمكن أن تتبلور من خلال حوارات ناشئة حول مجموعة من القضايا المختلف حولها. وتشمل التالي:

(أ) دور مسؤولي النظام السابق والهاربين منهم لفترة طويلة خلال المرحلة الانتقالية ؛

(ب) الطريقة التي ينبغي بها التعامل مع جرائم وفساد رموز النظام السابق ؛

(ج) تضارب الآراء حول وظيفة الإسلام في الإطار الدستوري والقانوني للدولة

(د) الاختيار بين نموذج مركزي أو فيدرالي أو لامركزي للدولة.

إن الطبيعة المجزأة للمشهد السياسي في فترة ما بعد القذافي، إلى جانب كون المشهد يمر بتحول عميق ، كان لكل ذلك آثارا كبيرة على الأطراف الخارجية الفاعلة. ونعني الدول التي كانت متورطة بشكل كبير في الحرب الأهلية من خلال التدخل عبر حلف الناتو والتي كانت مترددة في فك الارتباط بعد أن دخلت البلاد في مرحلة انتقالية.

ومع ذلك، فمن المرجح أن محاولات التدخل الخارجي لتحديد واختيار المنتصرين قد تأتي بنتائج عكسية، وبينما يكون ميزان القوى في حالة تغيّر مستمر، فإن الدعم في مجالات مثل إصلاح قطاع الأمن يمكن أن يعمق الانقسامات القائمة ويدفع إلى ردود أفعال سلبية. ولذلك ينبغي على الأطراف الخارجية المتدخلة أن تتراجع لتجنب الِإضرار بالشرعية المحلية لعملية التحول السياسي.

من الانتفاض إلى الثورة

في الأسابيع الأربعة التي أعقبت اندلاع الأحداث في 15 فبراير 2011، تطورت الانتفاضة الليبية من اضطرابات عفوية إلى صراع مسلح كأنه حرب أهلية شاملة بين قوات النظام السابق ومجموعات مسلحة متمردة ومصرة على الإطاحة بالنظام، وبالتالي لا يمكن فهم هذه التطورات بشكل كافٍ لا من منظور طبقي أو فئوي ولا من منظور مؤسساتي.

إذا كان هناك أي شيء مفيد، هو أن التطورات برهنت على صعوبة تطبيق أي من تلك النماذج على الحالة الليبية.

على عكس الأحداث في تونس ومصر التي سبقت الانتفاضة الليبية وأشعلتها. لم تكن الاحتجاجات في ليبيا مدفوعة بعناصر شابة من المتعلمين جيدا من الطبقة الوسطى الآخذة في الاتساع ، على الرغم من أن نخبة من المحامين وأساتذة الجامعات هم من بدأوا أول تظاهرة صغيرة في بنغازي. وبالرغم من أن القطاع الخاص واجه قيوداً مستمرة في عهد القذافي.

عاشت غالبية السكان على مزيج من الوظائف في القطاع العام ذات الأجور السيئة وعلى الإعانات، وعاني الشباب بشكل خاص من البطالة المتفشية. وبالتالي، وبغض النظر عن النخبة الصغيرة التي استفادت بشكل غير متناسب من الطفرة الاقتصادية في العقد الماضي، ظلت الفروق في المعاشات بين غالبية السكان صغيرة.

تألفت الطبقة العاملة بشكل شبه حصري من العمالة المهاجرة من شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، وكذلك من آسيا. وعلى العموم، كان الدافع وراء الاضطرابات غير المنظمة في الأسبوعين الأولين من الشباب العاطلين عن العمل والذين كان مستوى تعليمهم وإمكانية وصولهم إلى تكنولوجيا المعلومات أقل بكثير من نظرائهم في تونس ومصر.

علاوة على ذلك ، بينما لعبت قوى المعارضة القائمة دورًا محدودًا فقط في كل من تونس ومصر ، كان غياب التنظيمات السياسية والمؤسسات المجتمعية أكثر لفتًا للانتباه في ليبيا. بينما ساعدت النقابات والاتحادات العمالية في زيادة الضغط على بن علي ومبارك ، كانت تلك التنظيمات غائبة تمامًا خلال الانتفاضة الليبية.

لا يوجد دليل واضح على أن دعوات نشطاء المعارضة في المنفى للاحتجاجات قد لعبت دورًا مهمًا في إشعال الانتفاضة، وبما أنه لم تكن هناك أحزاب أو تنظيمات معارضة داخل ليبيا في عهد القذافي، فالذي حدث بالفعل هو أن التطورات الحاسمة في الأسابيع الأولى تزامنت مع عودة عدد من الليبيين المغتربين.

ربما كان الاختلاف الأبرز، هو الافتقار إلى المؤسسات القادرة على إدارة الأزمة. وبدلاً من الضغط على القذافي للاستقالة والشروع في انتقال السلطة سليما، كما فعل الجيشان التونسي والمصري، تفكك الجيش الليبي ومؤسسات الدولة الأخرى بسرعة كبيرة.

احتشد كبار الضباط والوزراء والدبلوماسيين ضد الانتفاضة في البداية، وفي المنطقة الشرقية، انشقت وحدات كاملة من الجيش. ومن خلال الانشقاق، احتج كبار المسؤولين على القمع الوحشي الذي مارسه النظام ضد المتظاهرين، وبالتالي بد أ المنشقون بتنظيم حماية مجتمعاتهم ضد كتائب القذافي القمعية. هناك عاملان يفسّران التفكك السريع لمؤسسات النظام في المنطق الشرقية وهما أولاً، أهمية الولاءات القبلية في الشرق وثانياً، ضعف المؤسسات نفسها.

كان القذافي قد إضعف مؤسسات الدولة بشكل متعمد، حيث ركز سلطته في الشبكات غير الرسمية المحيطة به وبأسرته وقبيلته، وكان باستمرار يخلط الأوراق ويعيد ترتيب المؤسسات العامة بشكل مربك وباختصاصات متداخلة وغير واضحة.

قام القذافي عمدا، بإبقاء الجيش النظامي ضعيفًا للتقليل من احتمالية حدوث انقلاب ضده، وتم إنشاء نظام متطور للمراقبة ، حيث كانت الأجهزة الأمنية والقوات شبه العسكرية والقوات الخاصة تراقب بعضها البعض. وقد وضع القذافي على رأس هذا الهيكل أقرباء القذاذفة، وتم تجنيد أفراده الهيكل بشكل أساسي من قبيلة القذافة بالإضافة إلى قبائل ورفلة والمقارحة الحليفتين

وبالتالي قادت الأجهزة الأمنية وألويتها المعارك ضد قوات المجموعات الثورية، وكان أشهر الكتائب الأمنية هو اللواء 32 معزز بقيادة إبن القذافي خميس، وبقيت الأوضاع على حالها إلى حد كبير حتى سقط طرابلس مدويا، وكان ذلك على عكس دور الجيش النظامي.

يتبع

_____________

مواد ذات علاقة