عانت ليبيا على مدى السنوات العشر الماضية أصعب الفترات في تاريخها الحديث. أدت الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011 ، والصراعات الداخلية التي تلت، وسلسلة الحكومات غير المستقرة، وغياب التطوير المؤسسي إلى خلق مشاكل معقدة وصعبة فيما يتعلق بالحوكمة الفعالة في البلاد.

شهدت البلاد بصيص من الأمل في العام الماضي عندما تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية خلال العملية التي يسرتها الأمم المتحدة والتي أنهت حالة الحكم الموازي والمتنافس بين غرب البلاد وشرقها، ووعدت بإجراء انتخابات وطنية في ديسمبر 2021 .

ومع ذلك، فإن موعد الانتخابات قد مضى وعاد الوضع تقريبا إلى نقطة الصفر مع وجود حكومتين متنافستين وانسداد سياسي جديد. سواء اتفق الفاعلون السياسيون في ليبيا على إطار جديد للحكم ونظموا إنتخابات وطنية أم لا، فإن الحكومات الليبية القادمة ستضطر إلى معالجة العجز المتزايد في شرعية الدولة، والذي مصدره إلى حد كبير غياب أو تردي توفير الخدمات الأساسية، من بين عوامل أخرى.

وظهر ذلك جليا في المظاهرات الشعبية التي خرجت في طرابلس وبنغازي وعدة مدن ليبية أخرى في صيف 2020 ، والتي دعت إلى تحسين الظروف المعيشية. بغض النظر عن أي من أطراف الصراع يدعمون أو تحت سيطرة أي حكومة، يعاني الناس في جميع أنحاء ليبيا من سوء أو انعدام توفير الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء وجمع القمامة وإمدادات المياه والخدمات المصرفية وغيرها.

يهدد هذا التدهور المستمر لهذه الخدمات في ليبيا بمزيد من تآكل شرعية الدولة وقدرتها على إنهاء المراحل الانتقالية المتجددة في ليبيا. يعد تحسين توفير الخدمات الأساسية في ليبيا مهمة صعبة للغاية حيث تواجه الحكومة في ليبيا عددا من التحديات التي تشمل تحديات قانونية وتشغيلية ومؤسسية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الخسائر التي خلّفتها الحروب المختلفة على البنية التحتية لهذه الخدمات ونقص الخبرات المحلية جعلت إصلاح هذه القطاعات أكثر صعوبة.

علاوة على ذلك، عادةً ما تعج المؤسسات القائمة على هذه الخدمات بالمهندسين البارعين في تقديم الحلول الهندسية ولكنهم يفتقرون إلى الخبرة في معالجة المشاكل التي تنبع من الإطار المؤسسي والإطار القانوني لهذه الخدمات.

للبدء في تحسين تقديم الخدمات الأساسية في ليبيا، فإن الفحص الدقيق لهيكلها المؤسسي والأطر القانونية التي تحكمها يعد خطوة أولى ضرورية. هذا الدليل هو محاولة متواضعة في اتجاه هذه الخطوة.

يتألف الدليل الإصالحي للخدمات العامة من ثلاث أوراق تمثل سياسات تغطي إدارة النفايات الصلبة والكهرباء والمياه في ليبيا.

قام الفريق بدراسة الإطار المؤسسي لكل خدمة، أي تقييم التركيبة المؤسسية لكل خدمة على المستويين المركزي والمحلي، وعمليات صنع القرار داخل القطاع والأسباب الكامنة وراء تدهور أداء المؤسسات القائمة على توفير هذه الخدمات. بناء على هذا التحليل، اقترح الفريق مجموعة من التوصيات العملية قصيرة وطويلة المدى لصانعي السياسات على الصعيدين الوطني والدولي.

ملخص تنفيذي

رغم محاولات متواصلة على مدى ما يقرب عقدا من الزمن لتكليف السلطات المحلية بإدارة النفايات الصلبة، لم تتمكن ليبيا من تجاوز مجموعة من العقبات المؤسسية والقانونية، ما أنتج نظام إدارة نفايات غير فعال وذا خدمات رديئة.

وتنص معظم القوانين الليبية التي تم إقرارها قبل وبعد عام 2011 ،بشأن إدارة النفايات الصلبة، على تكليف السلطات المحلية بتأمين هذه الخدمات في جميع أنحاء البلاد. حيث تُعد البلديات أكثر ملائمة لتقديم خدمة سريعة الاستجابة وذات جودة أفضل نظرا لقربها من المواطنين وقدرتها على مراقبة أداء الخدمة عن كثب على أرض الواقع.

ومع ذلك، ورغم التفويضات التشريعية الحالية، لا تزال مسؤولية إدارة النفايات الصلبة تقع على عاتق وزارة الحكم المحلي، في حين تلعب السلطات البلدية المحلية دورا ضئيلا أو معدوما في إدارة هذه الخدمة.

سعى المجلس الرئاسي عام 2019 إلى إنفاذ قانون الإدارة المحلية (القانون 59) الذي يمنح البلديات الولاية القضائية على إدارة الخدمة، ولكن وبسبب ثغرات قانونية، وتعريفات مبهمة للأدوار، ولوائح متناقضة، وغياب الرغبة لدى مزودي الخدمة الحاليين بتغيير الوضع الراهن، لم تثمر هذه الجهود عن أي تغيير.

تعاين ورقة السياسات هذه الترتيبات القانونية والمؤسسية القائمة، والتي تمنع تكليف البلديات بإدارة النفايات الصلبة على النحو المبيّن في قانون الإدارة المحلية.

وتقترح ّ هذه الورقة أن تعدل وزارة الحكم المحلي القرار رقم 434 (2010) الذي ينظّم عمل شركات الخدمات العامة مزودو الخدمات الحاليونكما تقترح التفاوض على علاقة جديدة بين هذه الشركات والبلديات بعد نقل المسؤوليات إليها. وإلا قد تعجز وزارة الحكم المحلي عن تكليف البلديات بإدارة الخدمة كما هو منصوص عليه في قانون الإدارة المحلية دون إجراء هذين التغييرين الرئيسيين.

تعد إدارة النفايات الصلبة إحدى الخدمات الأساسية الرئيسية التي تحمل آثارا كبيرة على حياة المواطنين اليومية والحوكمة العامة. وتشير إدارة النفايات الصلبة إلى عملية جمع النفايات من الشوارع والأماكن العامة ومعالجة هذه النفايات المجمّعة والتخلص منها.

وقد تزايد حجم النفايات الصلبة في ليبيا باضطراد على مدى العقود الخمسة الماضية، بسبب زيادة التحضر والنمو السكاني، ومع ذلك لا تزال قدرة الدولة على إدارة هذا الحجم المتزايد من النفايات ضعيفة.

تشير تقديرات من فترة ما قبل جائحة كورونا إلى أن ٪50 إلى ٪80 فقط من المواطنين قد تلقوا هذه الخدمة. وعبرت نسبة أقل من ذلك عن رضاها عن الخدمات.

يتضح تدهور الوضع في ثلاث ظواهر لا تمثل سوى الإخفاقات الأكثر وضوحا لإدارة النفايات الصلبة:

  • تراكم النفايات في الأماكن العامة،

  • وانتشار حرق النفايات على نطاق واسع،

  • والمكبات المفتوحة.

يشاهد كل مواطن ليبي هذه الظواهر الثلاث ويشعر بآثارها، إذ تسهم في تدني مستوى الحياة، وتضعف النسيج الاجتماعي للمجتمع.

أول تلك الظواهر هي انتشار النفايات وتراكمها في الشوارع والأماكن العامة نتيجة إضرابات عمال النظافة، ونقص المعدات والمركبات والموارد البشرية لإزالتها، وجدول عمل غير كاف لجمع النفايات، وضعف في تخطيط مسارات الجمع. وتتسبب كل من محدودية الموارد المخصصة ونظام الإدارة الذي يتجاهل الاحتياجات المحلية بهذه المشاكل.

الظاهرة الثانية هي حرق النفايات، وتعد نتيجة ثانوية عن المشكلة الأولى. فحين تتراكم النفايات في الشارع ولا يحضر أحد لجمعها، لا يجد السكان أمامهم خيارا ً بديلا سوى التخلص منها بالحرق، رغم معرفتهم بالمخاطر الصحية والبيئية التي قد تنجم عن حرق النفايات والتي تؤثر على المجتمعات المحيطة.

والظاهرة الثالثة هي المكبات المفتوحة. حين يسأم السكان من رؤية القمامة تتراكم أمام منازلهم، يأخذونها إلى أقرب أرض خالية لتصبح هذه المناطق بمرور الوقت مكبات مفتوحة غير خاضعة للرقابة ومصادر لانبعاث غازات سامة.

حين يلجأ المواطنون إلى هذه الممارسات الضارة لا يمكن لنا اعتبار ذلك إلا أعراضا نتجت عن المرض. حيث تنبع الأسباب الجذرية للمشكلة من ضعف التنظيم والسياسات والممارسات غير الفعالة لإدارة النفايات الصلبة التي اعتمدتها الدولة على مدى العقود الخمسة الماضية، إلى جانب الخسائر الفادحة التي أحدثتها النزاعات المتعاقبة في البنية التحتية للخدمات.

بعبارة أخرى، يمثل الوضع المقلق للنفايات الصلبة في جميع أنحاء ليبيا الحصيلة النهائية لسياسات وقرارات نظام إدارة النفايات الصلبة في البلاد.

لن يتسبب هذا الوضع بالنتائج الفورية التي نراها الآن فحسب، بل سينتج عنه تأثيرات طويلة المدى يمكن أن تؤدي إلى آثار أكثر عمقا وتدميرا. يهدد استمرار إدارة النفايات الصلبة بشكل غير فعال، إذا لم يتم إجراء تغييرات هيكلية على النظام الحالي، بتفاقم الظروف المعيشية السيئة لليبيين وإضعاف العقد الاجتماعي البالي أصلا بين الدولة والمواطنين.

ومع ذلك، يعتبر تحسين إدارة النفايات الصلبة في ليبيا تحديا صعبا. حيث تتمثل المقاربة الحالية التي تتبعها الحكومة بغية تحسين جودة الخدمة بنقل مسؤولية إدارة الخدمة من وزارة الحكم المحلي إلى البلديات. ويبرر ذلك بأن البلديات أكثر ملائمة لتقديم خدمة سريعة الاستجابة وذات جودة أفضل نظرا لقربها من المواطنين وقدرتها على مراقبة أداء الخدمة عن كثب على أرض الواقع.

تصطدم هذه المقاربة بعدد من التحديات التي تتراوح بين القانونية والتشغيلية والمؤسسية. وتتفاقم نظرا لافتقار الحكومة إلى مستشاري السياسات المتخصصين بالمسألة.

فقد تلقت الحكومة المشورة، فيما يتعلق بإدارة النفايات الصلبة، من مهندسين متمرسين في تقديم الحلول الهندسية، ولكنهم يفتقرون إلى الخبرة في معالجة المشاكل المؤسسية وتقديم المشورة بشأن السياسات.

يجب على حكومة الوحدة الوطنية إعادة بناء مصداقية الدولة وثقة المواطن في النظام، أمران دمرهما نقص الخدمات وسوء الإدارة. وقد تجلى ذلك بوضوح في المظاهرات الشعبية التي أقيمت في طرابلس في 23 أغسطس 2020 وفي بنغازي في 12 سبتمبر 2020 ، والتي دعت إلى تحسين الظروف المعيشية وتأمين حيث يعاني الناس في جميع أنحاء الخدمات. وبغض النظر عن الطرف الذي يدعمونه، من نقص الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والماء والوصول إلى الخدمات المصرفية وجمع النفايات. ويهدد التدهور المستمر للخدمات بتقويض شرعية الدولة وإضعاف إمكانية إنهاء الفترة الانتقالية في ليبيا وكذلك إضعاف احتمال نجاح الحكومات المستقبلية.

يتبع

______________

المصدر: “الدليل الإصلاحي للخدمات العامة في ليبيا من تأليف (محمد المجبري، هبة الشيخ، لميس بن عياد، ريما حميدان). الدليل صادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت .

مواد ذات علاقة