حسابات بنكية وأدوار سياسية لمقرب من القذافي

تحقيق محمد أبوالغيط و فريق مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد

يكشف تحقيق العربي الجديدالاستقصائي عن تفاصيل حسابات بنكية مملوكة لرجل أعمال ليبي كان مقربا من القذاقي، وساهم في الترويج لنظامه بأميركا، ثم بدل معسكره بعد الثورة، وصولا إلى تأييد حفتر ومن ثم الترشح للرئاسة.

الجزء الأول

في عالم السياسة الليبية المضطرب، أثبت رجل الأعمال الليبي حسن طاطاناكي قدرته على استغلال التحولات المختلفة، إذ أمضت أسرته أعواما في مصر بعد تأميم ممتلكاتها في السبعينيات، لكن بحلول التسعينيات تمكن من استئناف أعماله في ليبيا.

وبعدما موّل حملات الترويج لنظام القذافي في الولايات المتحدة، غيّر معسكره حين اندلعت الثورة، وانحاز لاحقا إلى اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وفي نوفمبر 2021، تصاعد طموحه معلنا عن رغبته في الترشح لرئاسة ليبيا.

ويكشف التحقيق أن طاطاناكي كانت لديه ثمانية حسابات في بنك كريدي سويسالسويسري، بلغت قيمة أكبرها نحو 530 مليون فرنك سويسري في 2010، بحسب بيانات من مشروع أسرار سويسريةالصحافي الدولي، والذي يعتمد على تسريبات من البنك السويسري تشمل أكثر من 18 ألف حساب، تلقتها صحيفة زود دويتشه تسايتونغالألمانية، وشاركتها مع مؤسسة مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود OCCRP “.

ويصف مُسرب البيانات قوانين السرية المصرفية السويسرية بأنها غير أخلاقية، معتبراً أنها تسمح بالفساد وحرمان الدول النامية من إيراداتها.

وبينما رفض بنك كريدي سويس التعليق على أسئلة محددة بشأن طاطاناكي، قال إنه يرفض بشدة المزاعم والاستدلالات بشأن الممارسات المزعومة للبنك، مضيفا أنها تستند إلى معلومات جزئية وانتقائية“.

سنوات الترويج للقذافي

عادت أنشطة حسن طاطاناكي الاقتصادية إلى ليبيا عام 1991، ليؤسس مع شقيقيّه شركة تشالينجر ليميتيدالمختصة بحفر آبار النفط، والمسجلة في جزيرة آيل أوف مان، الملاذ الضريبي التابع للتاج البريطاني، بحسب ما تكشفه وثائق تسجيل الشركة بالسجل التجاري للجزيرة,

وعملت الشركة في ذات العام في حقل السرير النفطي عبر تعاقد مع شركة الخليج العربي للنفط المملوكة للدولة الليبية.

بعدها بعام، وتحديدا في مارس/آذار 1992، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على ليبيا بسبب واقعة تفجير طائرة فوق لوكيربي في اسكتلندا، وفي الشهر نفسه، بدأ حسن طاطاناكي مهمة تنظيم أنشطة الضغط السياسي .

وقع طاطاناكي عقداً مدته عام مع شركة GBM Consulting Ltd، والتي يملكها العضوان السابقان بالكونغرس الأميركي، ديفيد بوين وجون ميرفي، لتعمل على تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وليبيا، وفي المقابل، يدفع طاطاناكي نحو 3 ملايين دولار عبر أقساط، بحسب وثائق من قاعدة بيانات تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)” المنشورة على موقع وزارة العدل الأميركية.

وجاء في الصفحة 5 من العقد التي تحمل توقيع طاطاناكي وبوين وميرفي بعد اجتماعهم في المغرب بتاريخ 26 مارس 1992، أن :”شركة جي بي إم جروب ستتعامل مع حسن طاطانكي بوصفه مسؤول الارتباط/الاتصال، بشأن كل أوجه التعاون“.

في عام 1993، حُكم بإدانة مالكي الشركة الأميركية GBM Consulting Ltd، النائبان السابقان بوين وميرفي، لانتهاكهما العقوبات الدولية على ليبيا، ودفعا غرامات مدنية بقيمة 30 ألف دولار.

وعلى الرغم من نشر الخبر في وسائط إعلام دولية، فإن تعاملات طاطاناكي استمرت مع كريدي سويس، وتحديدا عبر ثلاثة حسابات أنشأت بين عامي 1988 و1991، ثم قام بفتح حساب رابع في 1999، رغم أن البنوك تتحمل مسؤولية فحص الزبائن السياسيينأو ذوي المخاطر العالية، وذلك عبر متطلبين أساسيين:

أولهما التأكد من مصدر ثروة العميل بشكل عام،

وثانيهما التأكد من أن الأموال المودعة في البنك جاءت من مصدر شرعي وحُوّلت بطريقة شرعية

كما يوضح جراهام بارو، مستشار مكافحة الجرائم المالية في المملكة المتحدة.

1500 حساب امتلكها ليبيون في كريدي سويس

وانتقد بارو نهج بنك كريدي سويس الذي اعتمد على قوانين السرية المصرفية السويسرية، مشيراً إلى أنه كان يجب منح دور أكبر لدائرة الامتثال بالبنك لفحص العملاء ذوي المخاطر، مضيفاً: “علينا التخلص من توجيه اللوم دائمًا إلى الدول الفاسدة فقط، لأنها لن تكون فاسدة إذا لم تسهل البنوك في الغرب الفساد. إنها علاقة تكافلية“.

لكن طاطانكي يعلق على ما سبق قائلا :”لم تكن لدي أي علاقة شخصية بالقذافي، ولم أعمل لصالحه، مؤكداً أن أنشطته تلك كانت قانونية، ولم تهدف للترويج له ولكن لمساعدة الشعب الليبي، الذي كان يتحمل الأضرار الأكبر للعقوبات“.

لكن مصدرين ليبيين، كانا على صلة بأسرة طاطاناكي أثناء إقامته في مصر، قالا  لـالعربي الجديدإنه نسج علاقات شخصية بأسرة القذافي، وكان ينظم أنشطة ترفيهية وفنية للمعتصم بالله نجل القذافي.

بعدها، وفي عام 2003 عقب الغزو الأميركي للعراق، قرر القذافي تطبيع علاقاته مع الغرب، وسلم برنامجه النووي، وبدأ التعاون في قضية لوكيربي، لترفع الأمم المتحدة العقوبات، ويعود طاطاناكي إلى الواجهة.

وقال رجل أعمال ليبي مقيم في دولة غربية أن طاطاناكي تواصل معه في تلك الفترة لدعوته للعودة إلى المساهمة في الإصلاحات التي يقودها سيف القذافي.

امتدت صلات طاطاناكي الأميركية إلى عالم الفن، إذ دعا روبرت دي نيرو وميريل ستريب إلى جولة في مدينة قورينا القديمة في عام 2005.

بعدها بعامين، أُعلن عن مشاركة طاطاناكي في تمويل مشروع حكومي كبير في عام 2007، تحت إشراف سيف القذافي، الذي تناول تفاصيل المشروع في خطاب ألقاه في سبتمبر من العام ذاته، مشيرا إلى أنه سيحول مدينة قورينا القديمة في منطقة الجبل الأخضر إلى مركز للسياحة البيئية“.

ومباشرة بعد الإعلان عن المشروع بثلاثة أشهر، وقع طاطاناكي عقدا جديدا للضغط السياسي بالولايات المتحدة مع شركة براون لويد جيمس، في يناير 2008، مقابل 35 ألف دولار شهريا، بالإضافة إلى تغطية التكاليف، نظير خدمات تشمل تسهيل التواصل مع السياسيين، ومساعدة جهود سيف القذافي في تنظيم برامج التبادل الطلابي والبحثيبحسب وثائق فارا.

لاحقاً، أفصحت الشركة عن مساعدتها في تنظيم زيارة القذافي إلى نيويورك عام 2009 لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، (حين مزق نسخة من الميثاق الأممي)، وتلقت الشركة 1.25 مليون دولار من ميزانية البعثة الليبية، وفق وثائق فارا، لكن طاطاناكي نفى أي علاقة له برحلة القذافي إلى نيويورك.

***

ينشر التحقيق بموجب تعاون بين مؤسستي العربي الجديدومشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود“.

___________

مواد ذات علاقة