بقلم حمد برعوز

في ظل الأحداث الراهنة التي تعيش فيها المجتمعات العربية والإسلامية من انتشار المناهج العلمانية واختلاف الايديولوجيات وبُعد الناس عن دينهم وتأثرهم بالثقافة الغربية،

تظافرت جهود المصلحين لتثبيت القيم والتعاليم والاحكام الشرعية الإسلامية والنهوض بالأمة إلى بر الأمان والأخذ بيد الشباب خاصة للسير في المنهج الصحيح بما يحقق لهم السعادة في الدنيا والأخيرة، ويكمن ذلك من خلال اتباع المناهج الإصلاحية المندرجة تحت التعاليم الإسلامية.

لكن هذه الجهود الإصلاحية الكبيرة أضحت تهددها العديد من المخاطر وخاصة المتخفية خلف جلباب التدين، بالدفاع عن المنهج الإصلاحي والغيرة عن الكتاب والسنة، إلا أن هذا الخطر صار له أتباع كثر وبات ينتشر بطريقة عجيبة غريبة لم تعرفها الحركات الإصلاحية الأخرى، ويمكن حصر ذلك في الدعوة السلفية المنبثقة من خلالها ما يعرف حاليا بالجامية المدخليةالتي تستخدما الأنظمة المستبدة كجهاز استخباراتي بصورة دينية والسيطرة على العقول باستغلال الدين لأغراض سياسية لا علاقة لها بالدين،

وهنا نجد أسئلة تُطرح: من هؤلاء ومن يقف خلفهم بالدعم وما هي أصولهم الفكرية وما هي طبيعة علاقتهم مع باقي التيارات الإسلامية الأخرى؟ وهل حقيقة أن الجامية المدخلية جهاز مصغر من الأجهزة المخابراتية أم أنها حركة اصلاحية إسلامية سلفية؟

المدخلية الجامية أو التيار الجامي ما هو إلا تيار محلي داخل الحركات الإسلامية في السعودية أطلقت على فرقة من الفرق السلفية، ينتسبون إلى إمامهم وشيخهم ربيع المدخليأو حركة التجريح نسبة إلى كلمة الجرح ومعناها عند علماء أهل الحديث الطعن في الشخص،

نشأة المدخلية الجامية إبان حرب الخليج عام 1990م في المدينة المنورة على يد محمد بن أمان الجامي المدرس في الجامعة الإسلامية في قسم العقيدة والمتوفي سنة 1996م، وشاركه بعد ذلك الشيخربيع المدخلي المولود بالسعودية عام 1932م والمدرس في كلية الحديث وإليه تنتسب فرقة المداخلة.

عُرفت الجامية المدخلية بقربها الشديد من السلطة والأنظمة الحاكمة، ومعاكستها للحركات الإصلاحية الإسلامية السياسة الأخرى، انتشرت هذه الحركة في السعودية بدعم من الأسرة الحاكمة التي رأت فيها تيارا مناسبا يرفض الخوض في السياسة وهو الشيء الذي ترغب فيه السلطات السعودية من أن تظل هذه الحركات بعيدة عن التداول في المساجد والساحات العامة والجامعات وغير ذلك،

وعَرفت توسعا كبيرا بعد ذلك فقد استطاعوا في بداية أمريهم جذب كثير من الشباب واشغالهم بسب وباتهام وأكل لحوم العلماء والدعاة، كما أن الوثائق التي قدمتها مراكز الدراسات الغربية بينت التعاون بين الأجهزة الاستخباراتية وحاملي الفكر المدخلي ودعمهم، إضافة إلى وقفوفهم في وجه الحركات الإسلامية بأكملها وعرقلت طريقهم بشتى الوسائل.

أَسست الحركة المدخلية دعوتها على أصلين أولهما الطاعة الكاملة لولي الأمروالتوقف على ظواهر النصوص التي تحث على طاعة ولي الأمر وذلك من خلال فهمهم الخاطئ للآية الكريمة في قوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْويبين ربيع المدخلي في شرحه لأصول السنة على ان المتغلب يجب طاعته حقنا للدماء فإذا تغلب أخر وجبت طاعة المتغلب الجديد، وهذا الأصل عندهم ينزلونه منزلة التقديس حسب تمويل الحاكم.

أما الأصل الثاني فهو الطعن في المخالفين وتبديعهم، فالشيخ ربيع المدخلي يرى أن الإخوان المسلمينقد نقضوا أصول الإسلام كلها، كما يرى أن ممارستهم الدعوية والسياسية بدعة منكرة، ويُعتبر هاذين الأصلين هما عمود الحركة وركائزها.

ومن المؤاخذات التي تؤاخذ عليها الحركة الجامية المدخلية تقربها من السلطات والأنظمة المستبدة كما ذكرت سابقا وتَعتبر أي تعبير مخالف للسلطة خروجا على الشرع وسببا في إثارة الفتنه وزعزعة أمن واستقرار البلاد، وقد وجدت السعودية ضالتها في هذه الحركة بحيث أصبح أبرز العلماء المقربين من السلطة السعودية يجيزون لولي الأمر مصادرة الحريات والزج بالسجن كل من خالفهم ولو أنكر منكرا، كما حصل مع الداعية الإسلامي سلمان العودةبسبب تغريده له على توتير دعا فيها أن يؤالف الله بين قلوب حكام الخليج لما فيه خير لشعوبهم.

نفس الأمر بالنسبة لدولة مصر وليبيا حيث وقف التيار المدخلي إلى جانب الانقلابين الديكتاتوريين حفتر والسيسي وحصولهم على مناصب عليا داخل الدولة، وكذلك في اليمن الذي تحالف فيها المداخلة مع القوات الإماراتية ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي وقاموا بالخروج عن الحاكم على غرار ما يدعون، الشيء الذي اضطرا السلطات الجزائرية الى التحذير من هذه الحركة.

يمكن القول أن الجامية المدخلية ما هي إلا جهاز مصغر من الأجهزة المخابراتية التي تستخدمها الأنظمة لإغلاق أفواه الشعوب والسيطرة عليهم أما الشيخ ربيع المدخلي فأقل ما يقال عنه أنه رجل دين برتبة مخبر،

وفي الختام إن التيار الوهابي أو المدخلي ككل لا يصلح أن يكون منهجا يقتدى به في الإصلاح ويجب على الحكومات محاربة أمثال هذه المناهج، كما أن الفرق التي تفرقت عن السلفية كانت سببا في الواقع الذي تعيشه الدول العربية من ظلم واستبداد وفقر، وكل هذا من أجل بعض المشايخ الذين باعوا دينهم للسلطان وأصدروا فتاوى لا تمت للدين بصلة ولا أساس لها من الصحة واستهدفت بذلك المستضعفين من المسلمين وغرس هذه الأفكار في عقولهم.

***

حمد برعوز ـ مدون وباحث مغربي

 ____________________

عن السلفية الجامية والسلطة

 بقلم د. معتز الخطيب

يحصر بعضهم السلفية الجامية/المدخلية في إطار أنها حركة مخابراتية، وأعتقد أن هذا التوصيف هو جزء من الصراع الذي يَسم العلاقة بين هذا التيار وخصومه الذين يصفهم بدوره بأنهم خوارج“. 

وبمعزل عن هذه السجالات يمكن فهم هذا النزوع السلطوي للتيار الذي يعرف تارة بالجامية وأخرى بالمدخلية في إطار ثلاثة عوامل:

1- السياق الذي ظهر فيه.

2- مضمون خطابه وصلته بإشكالات الحاضر وإحالاته التراثية

3- فاعليته والدور الذي يلعبه بوعي أو من دون وعي حين تخدم أفكاره دوائر أخرى خارج وعيه هو وأفقه.

فهذا التيار الذي لا يتمتع بأي قدرة تنظيمية لأنه يعادي الأحزاب والجماعات أصلاً، نشأ في سياق الجامعة والرمزان اللذان يُنسب إليهما هما أستاذان جامعيان، بمعنى أن اختزاله بأنه تيار مخابراتي نوع من الانتقاص وبعيدٌ عن محاولة الفهم والتحليل.

ولاسيما أن العلاقة التي تحكم المشايخ والسلطة علاقة مركبة وتتخذ أشكالا متنوعة بحسب شكل السلطة وطبيعة الفاعلين فيها، تتراوح بين الانخداع بها أو الاستلاب لها أو الموالاة والحب إلى درجة الفناء أو التشبه بها نتيجة وحدة الحال التي تجمع بين سلطوية بعض المشايخ وسلطوية السلطة الاستبدادية.

وهذا ينقلنا إلى العامل الثاني، ذلك أن مفردات المسائل التي يتحدث عنها هذا التيار أو تَسِم خطابه هي: طاعة ولي الأمر، نبذ العمل السياسي، ذم الحزبية والجماعات الدينية،

وهي مسائل تنتمي إلى مواقف (تراثية) بالقدر نفسه الذي تتصل فيه بمسائل حديثة تنتمي إلى (الحقل السياسي) في ظل الدولة الوطنية. فبغض النظر عن تطبيقات هذا التيار لمفهوم الطاعة السياسية مثلاً؛ فإن طاعة الإمام هي مذهب أحمد بن حَنْبَل واشتُهر بها حتى إنه حينما شارف على الموت أمر ابنه عبد الله بشطب حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يُهلِك أُمتي هذا الحيُّ من قُريش.

قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم؛ فقد رجح عليه حديث اسمعوا وأطيعوا واصبروا“. وكان يقول إن حديث الاعتزال حديثٌ رديء، يَحتج به المعتزلة في ترك الجمعة“. فالفرائض الدينية عند أحمد كان لها أولوية على مسائل السياسة والحكم.

ولكن لا شك أن تطبيقات الجامية أو المدخلية لمبدأ الطاعة تختلف عن الوضع التاريخي لأحمد بن حَنْبَل؛ لأنها تأتي في ظل نشوء (حقل سياسي) حديث له تعقيداته، ولا يمكن قياس الوضع الحالي على وضع الدولة العباسية مثلاً؛ فالجامية يقومون باختيارات تأويلية مجتزأة تجعلهم يقومون بدور (وظيفي) بوعي أو من دون وعي، لأنهم واجهوا مشكلتين:

الأولى هي مشكلة الطاعة السياسية التي يرونها (مسالة عقدية) وليست مسألة عملية فقهية يمكن أن تختلف فيها التقديرات والتصرفات، رغم أن من الفقهاء الحنابلة وغير الحنابلة مَن رأى الخروج على الحاكم الظالم.

والمشكلة الثانية التي واجههوها أنهم يتحركون في سياق حديث لا يمكن إسقاط التاريخ عليه؛ لوجود اختلافات جذرية خصوصًا أن الطاعة والخروج يكتسيان مفاهيم ووسائل جديدة سلمية وهي صلب العمل (السياسي). يضاف إلى ذلك أن تركيبة السلطة والدولة وعلاقاتها بغيرها تختلف جذريًّا عن تركيبة الفقه التاريخي زمن أحمد بن حَنْبَل.

فالعامل الثالث هنا يحيل إلى كونهم جماعة وظيفية، وهذه الوظيفية ليست بالضرورة نتاج تواطؤ واع. ما يعني أن وجودهم واستمرارهم بوصفهم تيارًا مرتبطٌ بمدى الحاجة إليهم والحاجة إليهم تشتد في حالات مواجهة الخطاب المضاد وهو هنا خطاب الثورة والاحتجاج على ولي الأمر الذي يقرّب بينهم وبين السلطة أكثر ويقدم لهم مزيدًا من السلطوية في ظل تغييب وتهميش خصومهم.

يبقى أن الإشكال اليوم هو أن ولي أمرهم يضعهم أمام خيارات قاسية تدخل في صلب الشأن الديني الذي ما كان أحمد بن حَنْبَل يسلّم بأنه من اختصاص ولي الأمر وإنما كان يرى أنه من اختصاص العلماء الذين هم أولياء الأمر في الشأن الديني ولهذا واجه المحنة في مسألة خلق القرآن، ولكن من المؤكد أن هذا التيار لن يتخذ أي موقف نقدي من هذه التحولات السياسية التي تتناول الشأن الديني نفسه لأنهم حولوا مفهوم الطاعة السياسية إلى مفهوم عقدي مُصمَت صار هويةلهم ومسائل الهوية ترتبط بالكينونة وليست محل نقاش، كما أن التساؤل عن حدود طاعة ولي الأمر وتجلياتها وما إذا كانت تقف عند خطوط حمر غير مطروح عندهم.

الساحة السعودية باتت خالية وتم سحب أهم أسلحة الدعاة الجدد وهو (وسائل التواصل الاجتماعي)، فحتى الذي بقي خارج السجن بات يغرد فقط بتمجيد ولي العهد

إننا أمام تحولات جذرية في السعودية التي قدمت منذ السبعينيات نموذج التدين الوهابي بوصفه حركة تبشيرية ضمن سياق الوفرة النفطية والرؤية الانفتاحية للملك فيصل، أما الروية الجديدة لولي العهد السعودي فتقوم على أن الوهابية عبء يريد التخلص من ثقله وأن الخطاب الديني خطاب وظيفي، فالتبشير بالوهابية تم – في تصوره – بناء على حاجة سياسية (وليست دينية) اقتضاها الصراع في الحرب الباردة.

بهذا المعنى لا تحمل الرؤية السعودية الحالية أي أيديولوجيا دينية وإنما هي نزوع نحو تحديثشكلي، بمعنى أنه تحديث لا يحمل منظورًا فكريًّا وإنما يقوم على أساس اقتصادي بالأساس يتم تحقيق الترتيبات اللازمة لحصوله، وهو ما يفسر لماذا تتم حركة التغيير بشكل فج وسريع على المستوى الاجتماعي والديني (من دون أي تغيير سياسي ذي مضمون)،

وهو ما أدى إلى هذه التغيرات التي شهدناها من اعتقال رموز خطاب الصحوة (الذي هو خصم الجامية) وهو ما وضع رموز السلفية العلمية في مأزق لأنها لا تملك حرية الكلام من جهة ووقعت في شر أعمالها من جهة أخرى؛ لأنها لم تحسب حساب أن يكون ولي الأمر الذي تجب طاعته بهذه الفجاجة واللامبالاة بمسلماتها الدينية.

فما يجري اليوم هو مرحلة ضمور للخطاب الديني عامة في سياق سَجن واعتقال وتخويف من جهة، وفي ظل تراجع دعاة الميديا من جهة أخرى. فالساحة باتت خالية وتم سحب أهم أسلحة الدعاة الجدد وهو (وسائل التواصل الاجتماعي)،

فحتى الذي بقي خارج السجن بات يغرد فقط بتمجيد ولي العهد، أي أن مفهوم الجامية توسع وبات له حضور خارج التيار الجامي التقليدي فبتنا نرى الممارسة الجامية على ألسنة دعاة ليسوا منهم كعائض القرني وصالح الغامسي وغيرهما، وعلى ألسنة ليبراليين كتركي الحمد وعبد الله الغذامي الذي باتوا يغردون فقط بطاعة الحاكم والدفاع عنه وشتم خصومه.

***

د. معتز الخطيب ـ أستاذ المنهجية والأخلاق مركز التشريع الاسلامي والأخلاق جامعة حمد بن خليفة

________________

مواد ذات علاقة