بقلم عز الدين عناية
تستمدّ مضامين كتاب “الإسلام السياسي في البلاد العربية.. التاريخ والتطوّر” أهميتَها من تركيزها على الراهن العربي اليوم، وهو مؤلف صادر بالإيطالية ومن إعداد أستاذة التاريخ السياسي الإيطالية لاورا غواتزوني ومجموعة من الباحثين.
***
القسم الثاني من الكتاب سلّطَ الضوء على دراسة حالات محددة.
جاء البحث الأول للاورا غواتزوني بعنوان “نحو تاريخ مقارن لتطور الحركات الإسلامية العربية” متابعا للمراحل التاريخية للجماعات الإخوانية. موردة أن ثمة قناعة رائجة كون الحركات الإخوانية هي حركات عنيفة بطبيعتها الإيديولوجية أو بموجب خياراتها الاستراتيجية.
لكن غواتزوني تذهب إلى قول: برغم الاتهامات الكبرى من جانب معارضي تلك الحركة، فإن ذلك ليس ثابتا بوقائع تاريخية، مع أنّ الأمر لا يلغي تورّط بعض الأنصار في ممارسات عنيفة في مراحل حرجة كردّ فعل على عسف السلطة.
وفي البحث المعنون “مسارات الإسلام السياسي في المغرب” لياكوبو غرانشي يقدّم الباحث توصيفا عاما يركّز فيه على مظاهر الصراع بين الحداثة والأصالة، وعلى توظيف الدولة المؤسساتي للإسلام في سعيها لسحب البساط من تحت الإسلاميين.
مستعرضا في بحثه التمايز بين المكوَّنيْن الإسلاميين الرئيسيين في المغرب “العدالة والتنمية” و”العدل والإحسان” من حيث الخاصيات الإيديولوجية والعلاقة بالسلطة. حيث يجمع التنظيم الأخير بين مكوَّن إخواني ومكوَّن صوفي طهري في حين يدفع “العدالة والتنمية” ببراغماتية إلى حدود متطورة في مناوراته السياسية إلى درجة فقَدَ معها خاصياته الإسلاموية.
ويعتبر فابيو ميروني في بحثه “الإسلام السياسي والسياقات الاجتماعية: تونس ما بعد الثورة” أن وصول حركة النهضة التونسية إلى السلطة هو نتاج سياق سياسي، انطلق منذ فترة ما قبل الاستقلال، منذ أن شابَ مسار بناء الدولة استبعاد لبعض مكونات الهوية التونسية واحتضان لغيرها، بفعل هيمنة التوجه البورقيبي العلماني والفرنكفوني على الدولة.
مثّل خلاله الخطاب الإسلامي العروبي لغة احتجاج من جانب البرجوازية الصغيرة في المناطق الداخلية والجنوبية من البلاد، التي استبعدتها قوى السلطة المتركزة في المناطق الساحلية وكبريات المدن، وذلك سواء إبان نظام بورقيبة أو نظام بن علي.
كما بيّن ميروني أن الإسلام السياسي في تونس لا يتلخّص في “حركة النهضة”، فقد ظهرت بعد الثورة تشكيلات سلفية لا سيما على أحزمة المدن الكبرى، تشكلّت أساسا من المهمَّشين والمعطَّلين من أصحاب الشهائد العليا والعاطلين عن الشغل، وجدت احتضانا من تلك الجماعات في ظل غياب السند الاجتماعي للدولة.
وقد تطورت هذه التشكيلات الجديدة نتيجة عجز التوجه الإسلامي النهضوي، باعتلائه السلطة أو مشاركته فيها، عن تلبية مطالب الشرائح المهمَّشة بتحسين أوضاعها.
لذلك تبقى السلفية في تونس اليوم نتاج أوضاع اقتصادية هشة تعيشها البلاد أكثر منها بفعل تطورات إيديولوجية.
بحثُ دانيالا بيوبي بعنوان “الحصيلة المرّة: الإخوان المسلمون في مصر وفشل نهج الاعتدال” يفصح عن فحواه من عنوانه.
فتاريخ الإخوان المسلمين في مصر هو تاريخ تصادم مع السلطة. حيث تعتبر الباحثة الفشلَ الحالي هو نتاج أوضاع مفروضة على الحركة داخل سياق سلطوي، وهو ما أملى عليها التواجد خارج النشاط القانوني. وشبه السرية التي لازمت الحركة طوّرت في بنيتها ثقافة خضوع ومداراة.
وحتى المطالب السياسية المعتدلة، التي نادت بها الحركة مع السلطات السابقة لم تتسنّ تلبيتها، بل ساهمت، وفق دانيالا بيوبي، في إضعاف مصداقية الإخوان لدى السلفيين والليبراليين وقوى اليسار على حد سواء.
وأمام فشل الحركة بعد الثورة في نسج تحالفات مع القوى التقدمية واليسارية، وحالة المتابعة التي تعيشها اليوم، تبقى أمام سياق إعادة تأسيس عسير.
البحث الأخير المعنون بـ”التجديد الدستوري في شمال إفريقيا عقب الربيع العربي ‘تونس ومصر والمغرب‘” لبييترو لونغو، يحاول صياغة قراءة مقارنة بشأن الدساتير الجديدة في المغرب (2011) وفي مصر (2012) وفي تونس (2014).
حيث يتطرق الباحث إلى العلاقة بين الإسلام والدولة والحقوق كما تجلّت في تلك الدساتير. ويلاحظ أن دستور المغرب لا يضمّن الشريعة كمصدر من مصادر التشريع، في حين شكّل رعاة الدستور المصري (دستور مرسي) مجلسا من العلماء لمعاينة مدى تطابق نص الدستور مع مبادئ الشريعة، وهو ما وتّر العلاقة بين الإسلام الإخواني والإسلام السلفي ومؤسسة الأزهر.
في حين استطاع الجانب التونسي خلق توافقات وتوازنات بين الأطراف التي صاغت الدستور، وهي تقريبا حالة فريدة ومعزولة، أدّت إلى نتائج إيجابية تبقى لصيقة بالخصوصية التونسية وبالميزات التاريخية الثقافية للبلد.
في حوصلة عامة يخلص الكتاب إلى أن الدساتير الجديدة في شمال إفريقيا تبقى معبّرة عن توجه عام يتمثل في عودة الإسلام كعنصر فاعل في رسم معالم الهوية. وهو ما يفصح عن كون الملامح السياسية التشريعية في الإسلام قادرة على التلوّن بحسب البلدان، وما يدعمه أن التوجهات الإسلامية نفسها غير قادرة على اتخاذ مواقف موحّدة.
ويُعتَبر دستور ما بعد الثورة في تونس، ضمن هذا السياق، النموذجَ الأفضلَ لما يُطلَق عليه “ما بعد الإسلاموية” الذي شهد تحولا من “الإسلام هو الحل” إلى تبني “الحوكمة الرشيدة”.
ذلك أن التحول في تونس عائد إلى فكر راشد الغنوشي الذي تحرر من براديغمات الإخوان، إلى حدّ ما، إذ عوّل على رؤية عملية ديناميكية في معالجة قضايا الواقع.
صحيح أن الكتاب يركز على مساهمة الحركات الدينية في ما يُعرف بالربيع العربي وعلى استشراف مصائر الإسلام السياسي، وذلك بانطلاق الأبحاث في قراءاتها من العام إلى الخاص في تتبع أنشطة الإسلام السياسي، مع تركيز بالأساس على الحركات الإخوانية؛
لكن ذلك يبقي الكتاب منقوصا من ناحية الدراسة الشاملة للإسلام السياسي العربي جراء تركيز حصري على الإخوان مع غياب تناول المرجعية الشيعية، أو الرؤى الإسلامية المتغايرة مع الإخوان كحزب التحرير واليسار الإسلامي وما شابهها، وهي توجهات فاعلة في الواقع التونسي الذي يشهد انفتاحا ديمقراطيا لافتا.
***
عز الدين عناية الكاتب: عز الدين عناية أستاذ من تونس بجامعة روما
____________