بقلم المهدي ثابت
لا يزال الحل في ليبيا بعيد المنال. فالأزمة متفاقمة سياسيا وعسكريا واقتصاديا والتدخل الدولي على أشدّه وخارطة الطريق الأممية أضاعت الطريق. والأوضاع في البلاد مرشحة لكل الاحتمالات.
الجزء الثاني
المعركة الأخيرة في الهلال النفطي
يعتبر الهلال النفطي في ليبيا أهم منطقة اقتصادية في البلاد على الإطلاق وهو محل اهتمام كل القوى الدولية المتدخلة في الشأن الليبي. ومن يسيطر على هذه المنطقة يفرض نفسه على الجميع كطرف فاعل في البلاد.
وكان الهلال النفطي طيلة سنوات ما بعد الثورة محل تجاذب وسيطرة من قوى مختلفة داخل البلاد.
في سنة ،2016 تمكن تنظيم الكرامة من السيطرة على الهلال النفطي عندما أخرج منها قوات حرس المنشات النفطية التي يقودها ابراهيم الجضران وهي القوة الشرعية التي أمنت الموانئ والحقول من سنة 2011. وتمت السيطرة على هذه المنشات بدعم الطيران المصري والإماراتي لقوات الجنرال حفتر وسط صمت دولي مريب ودون تحرك أو تنديد من حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.
وفي المدة الأخيرة تمكنت قوات حرس المنشات النفطية بقيادة ابراهيم الجضران من العودة إلى الهلال النفطي والسيطرة عليه في ساعات وجيزة .
ولقي هذا العمل تنديدا من حكومة السراج رغم أن الطرف المهاجم هو الطرف الشرعي بخلاف قوات حفتر التي لا تحظى بأي شرعية. وقد نزل البعض هذه العملية في إطار الصراع الفرنسي الإيطالي على النفوذ في ليبيا.
فالجضران ما كان ليتحرك نحو الموانئ لو لم يأته الضوء الأخضر من إيطاليا، وربما من الولايات المتحدة الأمريكية التي تنظر بعين الريبة للنفوذ الفرنسي المتعاظم في البلاد عبر دعمها اللامحدود للجنرال حفتر الذي وعدها بتسليمها الجنوب الليبي بما يحوي من ثروات باطنية كبرى.
كما أن إيطاليا منزعجة جدا من المساعي الفرنسية التي سماها وزير الخارجية الايطالي مؤخرا في تصرح خالف فيه الإعراف الدبلوماسية بأنها محاولات فرنسية لاحتلال ليبيا وهو ما جعل فرنسا ترد الفعل بقوة وتوعز لحليفيها مصر والإمارات بالتدخل المباشر في المعركة عبر الطيران لإخراج قوات الجضران من الموانئ. وهو ما تم بالفعل لتعيد قوات حفتر السيطرة من جديد على الهلال النفطي.
إن ما جرى مؤخرا في الهلال النفطي أفرز جملة من النتائج لا يمكن للمتابع للملف الليبي تجاهلها. وهي تتلخص في مجموعة من النقاط:
– تواطؤ حكومة السيد السراج من خلال الصمت المريب عما جرى وهو ما يضعها في مربّع الإتهام بأنها منحازة لتيار الكرامة.
– العجز المطلق لتيار الثورة الذي بقي متفرجا واكتفي بالتنديد على الطريقة العربية من الصراع العربي الإسرائيلي.
– الضعف الشديد لقوات حفتر حيث ظهرت نمرا من ورق إذ تم طردها من مساحة واسعة من الأرض في ظرف ساعات وبأسلحة تقليدية ودون سلاح الطيران.
– العجز العسكري للجنرال حفتر دون الطيران الأجنبي.
– التواطؤ الدولي الذي يبحث عن مصلحته فقط في الصراع الداخلي في ليبيا.
– الدعم المصري والإماراتي والفرنسي لمشروع حفتر وإصرار هذه الدول على تمدده في البلاد حتى السيطرة عليها.
– غياب الرؤية والمشروع لخط الثورة . فلو كان للقيادات العسكرية للثوار أقل قليلا من إصرار الجضران لتمكنت من إعادة مصدر قوت الليبيين إلى الجهة الشرعية في طرابلس.
– إن المنجز الأخير لقوات حفتر سيشجعها على التمدد غرب الموانئ النفطية أي في اتجاه مصراته القوة الضاربة لخط الثورة.
– والنتيجة الأهم التي يمكن الخروج بها هو أن الحل والاستقرار في ليبيا لازال بعيد المنال.
الأجندات الأجنبية في ليبيا
لقد تحولت الساحة الليبية إلى ساحة صراع محموم بين أطراف أجنبية تسعى للسيطرة على مقدرات البلاد عبر فرض وجودها في الحل النهائي . ويمكن الحديث اليوم عن أربع قوى دولية فاعلة بقوة في البلاد وهي الامارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا وإيطاليا.
هناك قوى أخرى حاضرة ولكن ليس بكثير من الفاعلية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا.
تقف الامارات ومصر وفرنسا بقوة خلف الجنرال حفتر، وهي من فرضته عسكريا وسياسيا. ولكل دولة من هذه الدول مصالحها الخاصة. فالامارات ليس من صالحها نجاح الثورة في ليبيا وانتشار الديمقراطية في المنطقة العربية بما يهدد الملكيات التقليدية في الخليج. كما تسعى للسيطرة على الموانئ الليبية التي يمكن أن تزاحم ميناء دبي في المستقبل متى استقرت الأوضاع في البلاد.
وبالنسبة الى مصر فهي تسعى إلى إرساء نظام عسكري على نموذجها وتسعى إلى السيطرة على نفط برقة. وترى في حفتر الحليف النادر الذي سيؤمن لها هذا الغرض.
أما فرنسا فعينها على الجنوب الليبي الغني بالثروات والمطل على مستعمراتها السابقة جنوب الصحراء وهي تشاد والنيجر ومالي.
إن عملية الكرامة ما كان ليكون لها وجود لولا دعم هذه الدول الثلاث. فمصر والإمارات تدعم ماديا وعسكريا وإعلاميا وفرنسا تؤمن الغطاء الدولي عبر المسعى السياسي ومن خلال حضورها في المنتظم الأممي.
وبالنسبة الى إيطاليا فرغم حضورها القوي في الملف، وخاصة في العاصمة طرابلس، إلا أن دورها مؤخرا بدأ يتقلص لفائدة فرنسا. فإيطاليا تسعى لإنجاح الاتفاق السياسي عبر دعمها لحكومة السراج الضعيفة. ولم تتحالف مع تيار الثورة الذي يغلب عليه السمت الإسلامي.
وتبقى مشكلتها الأساسية الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تدعمها فرنسا سريا وتستعملها كورقة ضغط للحد من النفوذ الإيطالي عبر إغراقها في هذا الملف.
فرهان إيطاليا على نجاح الاتفاق السياسي، من خلال دعمها لحكومة السراج، هو خيار فاشل في ليبيا لأن سياسية الأمر الواقع وفرض الوجود على الأرض سواء عبر السلاح أو غيره يبقى الخيار الأكثر واقعية في الحالة الليبية بعيدا عن طموحات الأمم المتحدة التي خفت وجودها كثيرا في ليبيا في المدة الأخيرة.
وبالنسبة للولايات المتحدة فإنها تراقب الأوضاع من بعيد وهي أقرب للحليف الإيطالي في رؤيتها للحل في ليبيا. ولم تمارس نفوذها الحقيقي عبر الضغط بقوة على الأطراف المتدخلة سواء العربية أو الغربية.
وهي تتعاطى مع حالة حفتر بحذر فمن جهة هي لا تريد إنهاءه لأن مبررات وجوده لازالت قائمة كما لا تريده أن يقوى لدرجة تصبح السيطرة عليه أمرا صعبا.
آفاق المشهد في ظل التّنازع
إن المشهد العام في البلاد يوحي بأن الأوضاع لازالت معقدة وأن حلا قريبا يبقى صعب المنال. فحكومة السراج مهددة في وجودها بفعل استشراء الفساد على كل الصعد واستفحال الأزمات التي تؤرق المواطن.
وهذه من المبررات الإضافية التي تشجع على اقتحام العاصمة وقلب الأوضاع فيها ودخول البلاد في مرحلة جديدة من الصراع وهو أمر غير مستبعد تماما.
وإلى جانب ذلك يسعى حفتر إلى السيطرة على مدينة درنة في الشرق الليبي ليبسط هيمنته على كامل المنطقة الشرقية ثم التوجه نحو الغرب مدعوما بقوة من حلفائه.
إن حفتر لا يملك من القوة البشرية ما يمكنه من خوض حرب في المنطقة الغربية. ولكنه قادر على فتح جبهات صغيرة يستنزف فيها قوة الثوار ويقوي من رصيده كطرف يسعى الى السلطة سواء بالوسائل العسكرية أو السياسية.
وهو يسعى في هذه المرحلة إلى شراء الذّمم في المنطقة الغربية بالمال الفاسد القادم إليه من دولة الإمارات التي تتصرف في الأرصدة الليبية لديها. أما حلفاؤه فهم يضغطون على السراج وعلى الأمم المتحدة لضرورة إجراء إنتخابات رئاسية وتشريعية قبل نهاية هذه السنة وقبل إقرار الدستور وهو أمر مرفوض من تيار فبراير الذي يفضل الحل السياسي على الحل العسكري. وهو يرى أن إقرار الدستور هي الخطوة الأولى والضامنة لنجاح العملية السياسية بكل مراحلها.
وبالمجمل فإن بلادا تعجّ بالسلاح وبالكتائب العسكرية المسلحة تبقى مرشحة لكل السيناريوهات.
خاتمة
لقد ثبت بعد مرور أكثر من تسعة أشهر أن خارطة الطريق التي أعلنها مبعوث الأمم المتحدة غسّان سلامة لم تكن الإطار الملائم للحل، وأنها أضحت من الماضي في ظل التطورات الحاصلة في البلاد وأن الصراع القائم هو صراع دولي بامتياز.
وعلى النخب الليبية في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ بلادهم أن يعوا حجم المخاطر القادمة من الخارج وأن يسارع الجميع إلى الالتفاف حول مشروع وطني جامع ينقذ بلادهم من الوضع القاتم الذي تردت فيه بعيدا عن المطامع الأجنبية التي عمقت الصراع ودوّلته.
***
المهدي ثابت ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية
_ __________