بقلم المهدي ثابت
يتقلّب المشهد الليبي بفعل المتدخلين الاقليميين والدوليين وتتعثر مسارت الحلّ والمصالحة، لتجد حكومة الوفاق الوطني، بقيادة فايز السراج، نفسها مرة أخرى امام تعقيدات داخلية وخارجية غير قادرة على فرض سَمت الدولة، وهو ما وقف عليه، ايضا، مبعوث الامم المتحدة غسّان سلامة.
الجزء الثاني
التأثير الإقليمي والدولي
إن الجميع يدرك، وخاصة الليبيين أن التدخل الدولي في أزمة البلاد هو وراء تأخر الحل. لقد ملت الغالبية العظمى من الفاعلين السياسيين والعسكريين في ليبيا من حالة الفرقة والإقتتال .
إلا أن هناك عاملا أساسيا يجعل إمكانية التقاء الجميع على مائدة واحدة أمر صعب المنال إن لم يكن مستحيلا، وهو وجود مشروع سياسي وعسكري مضاد لثورة فبراير يشتغل بقوة على الأرض ويسعى جاهدا للسيطرة على البلاد وإجهاض أي حلم لبناء دولة جديدة تحمل روح الثورة وأهدافها.
هذا المشروع ترعاه الإمارات العربية المتحدة وله امتداداته السياسية والعسكرية والاقتصادية، تشرف على تنفيذه عقول كبيرة (غرفة العمليات الدولية في أبو ظبي) وتوظف هذه الدولة لتنفيذه.
فعلى المستوى العسكري دعمت الإمارات هذا المشروع الذي يقوده الجنرال خليفة بلقاسم حفتر. ولم يستطع هذا المشروع أن يغادر الشرق الليبي ليتمدد خارجه. بل إنه اليوم يتهاوى في مناطقه وهو ما جعل هذه الدولة ( الإمارات ) تراهن على أطراف سياسية وعسكرية في الغرب الليبي حيث الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي والديمغرافي.
فمن ناحية هي تحاول الهيمنة على قرار حكومة الوفاق عبر الضغط بشتى السبل لتسمية شخصيات مقربة منها في مواقع حساسة في الدولة. كما تسعى لشراء ذمم الشخصيات المؤثرة في الحياة السياسية في طرابلس وفي مدن الطوق المحسوبة على خط الثورة وهي مصراته وترهونة والزاوية وجبل نفوسة.
وقد حققت نجاحات مهمة على هذا الصعيد مستغلة في ذلك الفراغ الذي تركه تيار الثورة المتشرذم والمنقسم على نفسه والذي لا يحظى بأي دعم خارجي فاعل وحقيقي.
وعلى المستوى العسكري والأمني تحاول هذه الدولة أن تسيطر على القوى الأمنية في مدينة طرابلس سواء عبر الإغراء بالمال أو عبر خلق الأزمات والتخويف. وأخطر مخطط تسعى الإمارات إلى تنفيذه الآن في الغرب الليبي هو محاولة السيطرة على منطقة ” أبوكماش” المتاخمة للحدود التونسية من جهة الساحل وبالتالي السيطرة على معبر رأس الجدير وعلى الحدود مع تونس.
والغاية من ذلك مزدوجة. إذ السيطرة على رأس الجدير تمكنها من التحكم في أهم معبر في ليبيا وأكبر معبر في إفريقيا من حيث العدد اليومي للمسافرين. وكذلك يصبح بإمكانها تحريك الجماعات العنيفة في ليبيا تجاه تونس لبث الفوضى بغاية تخريب التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس.
هذا المخطط عرضته هذه الدولة على أسامة الجويلي آمر المنطقة العسكرية الغربية الذي تواصل مع مدينة زوارة وحصلت توافقات وسقط مشروع الإمارات.
ماذا يجري في الجنوب الليبي؟
يعيش الجنوب الليبي حالة من الفوضى غير مسبوقة، فهو خارج سلطة الدولة تماما. والصراع القائم اليوم بين إثنية “التَبو” و“أولاد سليمان” هو في ظاهره صراع قَبلي ولكن في باطنه دولي بأدوات ليبية. لقد انقلبت الولاءات والتحالفات في الجنوب بشكل كبير جدا.
فرنسا اليوم هي أهم لاعب في الجنوب الليبي وتوظف مجموعة من الأطراف في الصراعات القائمة. وتغيير حفتر لتحالفاته في الجنوب دليل على الحضور الفرنسي القوي في المشهد.
إن الطموحات الفرنسية في الجنوب الليبي كبيرة جدا وحكومة الوفاق تقف متفرجة على ما يجري دون القدرة على التدخل المباشر لضبط الأوضاع ويمكنها ذلك بكل سهولة.
لقد قدم اللواء محمد الحداد آمر المنطقة العسكرية الوسطى خطة متكاملة لضبط الأوضاع في هذه المنطقة الشاسعة في ليبيا . ولكن هذه الخطة رفضت من السراج، القائد الأعلى للقوات المسلحة، خوفا من الإصطدام مع حفتر عسكريا وهو ما لا يرغب فيه أو لا يسمح له به وخاصة من فرنسا. و إذا لم تتحرك حكومة الوفاق في هذا الظرف لوضع حد لما يجري في الجنوب، فإنه لا يستبعد أن تعلن جهات من هناك الإنفصال عن الدولة المركزية في طرابلس، لأن الأطماع الدولية في هذه المنطقة كبيرة جدا والأجندات حققت تقدما كبيرا تصعب السيطرة عليه.
تيار فبراير أو القوة الكامنة
صحيح أن هذا التيار تمزّقه الخلافات، وأن أداءه مقارنة بالقوى المناكفة يكاد يكون منعدما بفعل غياب استراتيجيات العمل الفعال. ولكن يبقى هو التيار الأكبر في البلاد، والقادر على تغيير الموازنات القائمة والذي لا يستطيع السراج تجاوزه بالمطلق رغم الضغوط الداخلية والخارجية المسلطة عليه.
ورغم السلبية الطاغية على أدائه، إلا أنه تمكن في الفترة الأخيرة من تحقيق اختراقين مهمين جدا. أولهما تسمية العميد عبد السلام عاشور وزيرا للداخلية وهو من ثوار مدينة الزاوية. كما تم منذ يومين تسمية أحد قادة الثوار آمرا للمنطقة العسكرية طرابلس وهو اللواء عبد الباسط الصديق مروان.
تيار فبراير يدرك أن دخول مدينة طرابلس وتغيير المعادلة الأمنية داخلها (رغم سهولة الأمر) سيجد معارضة دولية شديدة وهي مغامرة غير محسوبة العواقب . ولذلك يبقى الإستحقاق الأكبر المطروح على هذا التيار هو توحيد صفوفه والحد من الخلافات الداخلية التي بلغت حد التخوين من بعض مكوناته.
يبدو موقف السراج ضعيف جدا، ومجرد تكتل هذا التيار داخل جبهة واحدة سيجعله يخضع لإرادته باعتباره التيار الأكبر والأكثر تسليحا وانتشارا. وهناك محاولات جادة اليوم من رموز لهذا التيار تسعى للتجميع ورصّ الصفوف للعودة بقوة إلى ساحة الفعل والتأثير.
خاتمة
ليس من السهل التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في ليبيا. فالمشاريع المتصارعة متعددة. ومشروع الأمم المتحدة يتعثر والوصول إلى انتخابات بنهاية سنة 2018 يبقى أمرا صعبا في ظل غياب الدستور الذي تعمل أطراف داخلية محسوبة على دولة الإمارات على تعطيل إجراء استفتاء عليه لأنها تريد انتخابات دون ضوابط دستورية تعطل أجندتها في ربح الانتخابات بخطة معدة بدقة.
تحظى تونس والجزائر بثقة وتقدير أغلب الشعب الليبي، لأنه ليس لهما أطماع في ليبيا، ولم تنخرطا في أجندات الصراع الداخلي. وهما اليوم مطالبتان باستثمار هذا الرصيد من الثقة لجمع أكبر قدر من الفعاليات الليبية ضمن مؤتمر وطني جامع يفرض نفسه كخيار وطني يكون منطلقا لحل واقعي للأزمة الليبية التي طالت كثيرا.
***
المهدى ثابت ـ باحث سياسي في مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.
***
مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ـ مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس، ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.
___________