بقلم جازية جبريل محمد

إذا أردت أن أحترم القانون، فضع قانوناً محترما أولاً(شعار حركة عصيان النساء في بريطانيا في بدايات القرن العشرين التي انتهت بمنح المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية في أوروبا).

رغم الأزمة السياسية الحادة في ليبيا، فإن مجلس النواب الليبي، يفاجؤنا دون مقدمات بين الحين والأخر بإصدار تشريع جديد، أو تعديل قانون قائم، أو عرض مشروع قانون جديد.

وفي هذا السياق المرتبك قدمت اللجنة المكلفة بإعداد مشروع قانون العنف ضد المرأة عملها إلى مجلس النواب في النصف الثاني من أغسطس 2017 وذلك في احتفالية رسمية بمدينة طبرق، حيث مقر المجلس في الشرق الليبي. وقد أثار المشروع ـ سيما الجانب الجنائي منه ـ حفيظة النواب أعضاء اللجنة القانونية بالبرلمان.

وفيما تعلق الكثير من النساء وقائدات الحركة النسوية آمالا عراضا عليه معتبرة إياه تتويجاً لنضال نسوي بشأن مكافحة العنف ضد المرأة، ترى أصوات أخرى أنه من غير المناسب إصدار هذا القانون الذي يعد تمييزا إيجابيا لفئة من المواطنين، خصوصا أن النصوص الواردة في قانون العقوبات تبسط حمايتها للمرأة من كل صنوف العنف.

وقد توصل الحاضرون في ورشة عمل عقدت بطلب من مجلس النواب في جامعة بنغازي إلى ضرورة عقد مزيد من حلقات النقاش حول المشروع ليصبح أكثر جاهزية للعرض على النواب وليحظى بالقبول المجتمعي؛ حيث أنه وبوضعه الراهن تعتريه كثير من المثالب قد تعرقل اعتماده مما يفقد النساء في ليبيا فرصة تاريخية لإقرار قانون حمائي لهن في مواجهة كل صنوف العنف.

وعلى سبيل المساهمة في هذا الجهد، نحاول في هذه المقالة تقويم المشروع بالاحتكام إلى معايير المشترك الإنساني والخصوصية الثقافية القانونية، ودقة الصياغة. وقبل المضي في ذلك، سنعمد أولا في تحديد ملامحه الرئيسية.

الملامح الرئيسية لمشروع القانون

يتضح من مشروع القانون حرص واضعيه على توسيع تعريف العنف ليشمل مروحة واسعة من الأفعال، منها العنف ضد المرأة بهدف الحرمان التعسفي من ممارستها لحقوقها العامة أو الخاصة، وفعل تزويج المرأة قبل بلوغها السن القانوني للزواج باستخدام الطرق الاحتيالية أو المستندات المزورة، وإكراه المرأة على الزواج، وحرمان المرأة حقها في الميراث الشرعي، وحرمان الولي للمرأة الخاضعة لولايته من التعليم الإلزامي، وإخلال صاحب العمل بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء في نطاق العمل.

كما جاء المشروع شاملاً لأوجه الحماية القانونية كافة، حيث أنه عرّف مصطلح الحماية في الفقرة الرابعة من المادة الأولى بأنها بسط الحماية القانونية على المرأة المعنفة وتمكينها من الحصول على حقوقها“.

فعلى الصعيد العقابي، حرص المشروع على إعادة تجريم كثير من الأفعال المجرمة في قانون العقوبات الليبي، مع التشدد في العقوبات.

وفي سبيل إظهار حرصه على السياسة المتشددة إزاء مرتكب العنف ضد المرأة صرح واضع المشروع في مادة بعنوان تشديد العقوبةبأن لا تخّل العقوبات المقررة في هذا القانون، بأي عقوبة أشد منصوص عليها في قانون العقوبات، أو أي قانون آخر“. كما يلحظ أن المشروع حرّر الدعوى الجنائية من قيد شكوى الضحية.

كما تمت ترجمة التعريف الشامل لأوجه الحماية القانونية في نصوص عدة من مشروع القانون، بإعلان الدولة التزامها بتوفير سبل المساعدة وتقديم الخدمات للمعنفات، وإنشاء صندوق رعايا الضحايا والتأكيد على تمتع الضحية بالحقوق المقررة للمعاقين طبقاً لقانون الإعاقة، والتأكيد على إلزام الدولة بإنشاء مؤسسات لتوفير خدمات التأهيل لضحايا العنف.

كما أكد المشروع على جملة من الالتزامات منها: تطبيق برنامج توعي قانوني للفتيات والنساء بالتشريعات ذات العلاقة، وتعيين مراقبين لحقوق المرأة في جميع وزارات الدولة.

وتحسب للمشروع جملة من المناقب واجبة الذكر في مستهل هذه المقالة ومنها : نصه على العقوبة التخـيرية، مما يسمح للقاضي بأن يمارس سلطته التقديرية في تفريد العقوبة.

كما يحسب له النص على بدائل العقوبات وذلك في المادة 20 منه ونصها : “يجوز للمحكمة المختصة إذا ارتأت أن ذلك مناسباً لظروف المتهم والمجني عليها، استبدال العقوبات السالبة للحرية في جرائم الجنح المنصوص عليها في هذا القانون، بتكليف المتهم بأداء خدمة مجتمعية بالجهات التي تحددها الوزارة المختصة، وبالاشتراك مع مؤسسات المجتمع المدني المعنية  بهذا المجال، وذلك لمدة أو لمدد لا تزيد عن نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة“.

يحسب للمشروع أيضا إيراده لإجراءات جنائية متطورة حيث نصت المادة 18 منه على أنه يجوز للمحكمة الاستماع للمجني عليها والشهود والخبراء من خلال وسائل الاتصال الحديثة، أو من خلال الإنابة القضائية“.

أيضاً نص المشروع على أن بيانات الشاكيات والضحايا من العنف والشهود التي يدلون بها أمام وحدة مكافحة العنف وجهات التحقيق والمحاكمة، هي من البيانات السرية التي لا يُفصح عنها إلا بطلب ولأسباب يقدّرها قاضي المحكمة.

كما نص على إنشاء قاعدة بيانات إحصائية للمعنفات على مستوى الدولة.

ويحتسب للمشروع نصه على التزام الدولة بدعم وتشجيع المجتمع المدني على إنشاء جمعيات حقوقية مستقلة تهدف إلى التوعية ضد العنف والتقليل من حالاته وتأهيل الضحايا وتقديم المساعدات القانونية لهم، كلا حسب اختصاصهوفق ما جاء في المادة 21 منه.

ومن بين الإجراءات الجنائية المستحدثة، ما نصت عليه المادة 17 من المشروع التي أعطت صلاحيات للنيابة العامة بإصدار أوامر حماية للمجني عليهن أو الشهود كما أعطتها صلاحيات إصدار أوامر مساعدة مالية مؤقتة تصرف من صندوق رعايا الضحايا المنصوص عليه في المادة 13 من المشروع وهو صندوق ينشأ بقرار من رئيس الوزراء لرعاية ضحايا جرائم العنف من الإناث وذويهم ويدخل ضمن موارده الغرامات المقضي بها من الجرائم المنصوص عليها في المشروع.

كما ألزم مشروع القانون وزارة الداخلية بإنشاء إدارةً متخصصةُ لمكافحة العنف ضد المرأة، يكون لها فروع في كافة البلديات، على أن تنشأ في إطارها وحدات للجهات الشرطية الأخرى التي يحددها وزير الداخلية، على أن تتضمن في تشكيلها العدد اللازم من الشرطة النسائية، والأخصائيات الاجتماعيات والنفسيات وأطباء وفنيين.

مشروع متّسق مع المشترك الإنساني؟

من دون التقليل من أهمية القانون، نستطيع القول أن هذا المشروع حاد كثيراً عن القانون النموذجي لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات في الدول العربية، من زوايا عدة أهمها الآتية:

أولا: أن المشروع أهمل الجوانب الإجرائية في معالجة جرائم العنف ضد المرأة على نحو من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف فاعلية القانون، في ظل العادات والأعراف الذكورية الموروثة.

ويشار إلى أن القانون النموذجي أفرد فصلا كاملا في هذا الخصوص تمحور حول إنشاء وحدة شرطة متخصصة مكونة من عناصر نسوية متدربات على قضايا العنف، فضلا عن إنشاء نيابة عامة ومحكمة متخصصتين.

كما يشار إلى أن القانون النموذجي استحدث جرائم بحق المحقق الذي قد يرتكب عمداً أفعالا من شأنها عدم وصول شكوى ضحية العنف إلى القضاء، كما رتب مسؤولية تأديبية في حال إهمال المحقق للشكاوى والتبليغات عن جرائم العنف.  

ثانيا: أن المشروع أهمل خصوصية العنف ضد المرأة أثناء النزاعات المسلحة.

ثالثا: أن المشروع أهمل مسؤولية القيمين على الدوائر الرسمية المختصة بتسجيل عقود الزواج، في إطار مكافحة الزواج المبكر.

يشار إلى أن القانون النموذجي منع على الدوائر الرسمية المختصة تسجيل أي عقد زواج قاصر وعاقب كل مخالف بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات. كما عاقب الموظف الذي يمتنع عن إبلاغ النيابة العامة بالمخالفة لهذا الحظر بالحبس مدة لا تزيد عن سنة وبغرامة مالية.

رابعا: أن المشروع خلا من إيلاء المنظمات المدنية المعنية بالعنف ضد المرأة أي دور في الإجراءات القضائية المتصلة بالجرائم التي يشملها. ويلحظ أن المشروع النموذجي نص على الحق في تمثيل النساء ضحايا العنف في القضايا المرفوعة من قبل النيابة العامة.

خامسا: أن المشروع نص على عقوبة الإعدام بخلاف القانون النموذجي الذي حرص على استبعادها.

***

نشر في العدد 10 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

***

جازية جبريل محمد ـ أستاذة قانون في جامعة بنغازي

______________

مواد ذات علاقة