على عادته في خلط الجدّ بالمزاح، قام وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بالتعليق على الأوضاع الليبية، عبر الحديث عن مدينة سرت، بالقول إنها ستكون مركز جذب سياحي عالمي مثل دبيّ حين «تتخلص من الجثث».
سرت، كما هو معروف، هي مسقط القذافي، والتي تحوّلت، في آذار/ مارس 2015، إلى معقل حصين لتنظيم «الدولة الإسلامية»، وكانت، خلال عام 2016، مركزا لصراع دمويّ عنيف مع قوّات حكومة الوفاق، وهو ما أدّى إلى سقوط مئات القتلى من الطرفين.
جونسون كان في ليبيا في آب/أغسطس الماضي ووعد حكومتها بتقديم 3 ملايين جنيه للمساهمة في إزالة أكثر من 5000 لغم زرعها تنظيم «الدولة» في تلك المدينة، كما أن وزير الخارجية البريطاني كان أحد أقطاب مؤتمر عقد الشهر الماضي لتباحث مستقبل البلاد.
تعليق جونسون يتعلّق، على ما يبدو، بالتكتيك الذي اتبعه تنظيم «الدولة» وهو تفخيخ أجساد مقاتليه القتلى بالألغام لتنفجر بمن يحاول لمسها، كما أنه فخخ سيارات بحيث تنفجر عندما يحاول راكبها العودة بها للوراء، وهي وقائع ترتبط في أذهان الليبيين (والعالم) بمأساة كبرى ما زالت فصولها تتوالى ويمكن أن يعتبر تظارف أي كان بشأنها نوعاً من الوقاحة وقلة الاحترام والغطرسة.
حزب العمال رأى في جملة جونسون حول من قتلوا في سرت «بلاهة لا تصدق، وانعدام للحساسية، وقساوة»، كما أن بعض نواب حزبه نفسه، مثل النائبة هايدي ألان، طالبوا بإزاحته عن منصبه قائلة إن تعليقه «غير مقبول 100٪ من أي شخص، فما بالك بوزير الخارجية» ثم تابعت: «بوريس يجب أن يطرد. إنه لا يمثل حزبنا».
نائبة أخرى في «المحافظين» تدعى سارة والستون انضمت لناقدي جونسون معتبرة «النكات المسيئة بحق أشخاص حقيقيين قتلوا في ليبيا أمرا أخرق حتى لو قام به كوميدي»، وهو ما ساندته وزيرة سابقة في الحكومة تدعى أنا سوبري.
وبدلا من الاعتذار فإن جونسون هاجم منتقديه على «تويتر» معتبرا أنهم جاهلون ولا يفهمون ما يحصل في ليبيا ويريدون أن يتلاعبوا سياسيا بالوضع المرعب والخطر للواقع في سرت!
شرح جونسون وأنصاره زاد الطين بلّة فالوزير داميان غرين قال إن جونسون لم يفعل غير أن يصف الواقع، وأنه كان يقصد جثث عناصر تنظيم «الدولة»، وليس جثث جنود الحكومة، وإذا قبلنا هذه الكذبة الصفيقة فهي لا تعفي جونسون، فهذا القول يستطيع خفض قيمة البشر الذين نختلف معهم سياسياً، (وكذلك أطفالهم وزوجاتهم)، إلى مرتبة الأشياء أو الحيوانات، التي يمكن التخلّص منها براحة ضمير.
والسؤال في هذه الحالة، ما الذي يختلف أعضاء تنظيم «الدولة» في رؤيتهم إلى أعدائهم عن رؤية جونسون وأنصاره، وهم أبناء الحضارة الغربية التي قدّمت النظام السياسي الديمقراطي ورفعت شأن الجنس البشري وقيم الإنسانية وشرائعها؟
***
حقوقيون وناشطون ليبيون يستنكرون تصريحات عنصرية لوزير الخارجية البريطاني ضد بلادهم
بقلم حسن سلمان
استنكر حقوقيون وناشطون ليبيّون «التصريحات العنصرية» لوزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، ضد بلادهم، منتقدين في السياق تدخل بريطانيا في الشؤون الداخلية لليبيا عبر سفيرها في طرابلس.
وكان جونسون اعتبر خلال مؤتمر صحافي أن مدينة سرت الليبية يمكن أن تتحول إلى «دبي جديدة»، مشيرا إلى أن عددا من رجال الأعمال البريطانيين أبدوا استعدادهم للاستثمار في هذه المدينة، قبل أن يضيف بتهكم «الأمر الوحيد الذي عليهم فعله (قبل الاستثمار في المدينة) هو نقل الجثث بعيدا».
تصريحات جونسون أثارت موجة استنكار في ليبيا، حيث عبّر أحمد عبد الحكيم حمزة، مقرر «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان» عن استيائه حيال «التصريحات المسيئة والمشينة التي أدلى بها وزير الخارجية البريطاني حول ضحايا الحرب الأهلية في ليبيا وتحديدا في مدينة سرت»، معتبرا أن «مواقف وسياسات وزير الخارجية البريطاني السابقة والراهنة تمثل إخلالا بالأعراف الدبلوماسية وتنم عن مواقف عنصرية تجاه الشعب الليبي».
وأضاف في تصريح خاص لـ«القدس العربي»: «ليبيا منذ سنة 2011 ضحية لتدخلات خارجية سلبية أذكت الصراع المسلح والحرب الأهلية وأعطت مساحة لوجود الإرهاب والتطرف في البلاد، وقد كانت بريطانيا ولا تزال جزءا من الأطراف الخارجية التي تدخلت في الشأن الداخلي لليبيا وعمّقت الأزمة السياسية، وهي تتحمل المسؤولية القانونية والإنسانية والأخلاقية كغيرها من الدول التي تدخلت في الشأن الليبي وما نتج عن هذا التدخل من ضحايا مدنيين ومعاناة وأزمة إنسانية في ليبيا».
واعتبرت جريدة «الميادين» المحلية أن تصريحات جونسون تنم عن «عجرفة تاريخية» يعززها موقف السفير البريطاني في طرابلس بيتر ميليت، الذي قالت إنه «يتصور نفسه نائب الملكة في إيالة طرابلس».
وأضاف أحد الناشطين «وزير الخارجية البريطاني يتفوه بكلام نابٍ ويستحقر الليبيين، لكن العتب ليس عليه، بل على من صفق له واستقبله عدة مرات في ليبيا».
وكان جونسون زار ليبيا في آب/أغسطس الماضي، والتقى كلا من رئيس حكومة الوفاق فايز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي وقائد الجيش (التابع لبرمان طبرق) الجنرال خليفة حفتر، حيث دعا إلى «إبرام صفقة سياسية ستوحد غرب البلاد مع شرقها، مما سيتطلب نضوجا وصبرا من الشعب الليبي ونهجا مشتركا من المجتمع الدولي».
وكتب الإعلامي والمحلل السياسي علي وحيدة على حسابه في موقع تويتر «لست من المعجبين ببوريس جونسون ولا من مؤيدي سياسة بلاده الرعناء في ليبيا، ولكن ما قاله حول ضرورة الاهتمام بإعادة تاهيل سرت هو عين الحقيقة»، مشيرا إلى أن «ليبيا بجميع مناطقها تحتاج لإعادة تأهيل شاملة ومصالحة شاملة وإقفال حدودها من جميع الاتجاهات واتخاذ قرارات جذرية أولها سيادة القرار».
واعتبر وحيدة أن «تدخل السفير البريطاني في توجيه الخيارات السياسية والاقتصادية وخاصة المصرف المركزي تتجاوز بكثير وأخطر ألف مرة من تصريحات بوريس جونسون»، مضيفا «مَن لديه وصفة أو خطة عملية لإعادة تأهيل سرت من دون إزالة الألغام وحل مشكلة جثث داعش في المدينة، ليتفضل بعرضها».
وكان عدد من السياسيين البريطانيين استنكروا تصريحات جونسون وطالبوا بإقالته، حيث اعتبرت ايميلي ثورنبيري وزيرة الخارجية في حكومة الظل أن «حديث بوريس جونسون عن هؤلاء الموتى كمزحة (…) هو أمر فظ وعديم الشفقة وقاس بشكل لا يصدق»، فيما طالبت جو سويتسون النائبة عن الحزب الليبرالي الديمقراطي رئيسة الوزراء تيريزا ماي بإقالة جونسون، مشيرة إلى أن تعليقه «الفظ بشكل لا يصدق» هو «دليل اضافي على أن بوريس ليس أهلا لهذا المنصب».
ورد جونسون على عاصفة الانتقادات ضده عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك «عار على الذين ليست لديهم معرفة أو فهم لليبيا ويريدون أن يلعبوا سياسيا مع الواقع الخطير للغاية في سرت». وأضاف «تنظيف (سرت) من جثث مقاتلي داعش عقّدتها كثيرا العبوات الناسفة والأفخاخ المتفجرة، ولهذا السبب تلعب بريطانيا دورا رئيسيا في إعادة الإعمار، ولهذا السبب قمت بزيارة ليبيا مرتين هذا العام دعما لها».
_____________