وجد الجنرال الليبي خليفة حفتر الذي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الليبية تربة خصبة لدى الفصائل المسلحة المتمردة في اقليم دارفور السوداني لاستئجارها كقوات مرتزقة في حربه، مقابل مدها بالسلاح والمال .

هذه الفصائل المتمردة التي تحارب الدولة الام في الخرطوم، وتزعزع أمن واستقرار السودان، لم تتوانى عن قبول العروض التي قدمها لها حفتر، مما انعكس سلباً على الاستقرار في السودان التي تستعد لرفع عقوبات اميريكة قاسية فرضت عليها في تسعينات القرن الماضي .

ولدفع شبهة او تهمة استغلال هذه الفصائل المتمردة ،عمد أعوان حفتر الى اتهام السودان في دعم الحرب في ليبيا، ترجمة لمبدأ خير وسيلة للدفاع الهجوم .

ولتفنيد هذه الادعاءات وتقديم أدلة تورط حفتر في دعم متمردي السودان، لا بد من تقصي الحقائق والوقوف عليها،لا سيما أن ذلك جاء بعد اعتراف المجتمع الدولي بمشاركة الحركات الدارفورية المتمردة في القتال مع حفتر بالوكالة مقابل الحصول على المال، ومطالبة السودان بالتدخل لإدانة هذا المسلك الذي يُهدِّد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

مزاعم مفبركة .. وأدلة سودانية حقيقية

وحول تفاصيل الإدعـاءات ، فبعد قرار دول (السعودية ، الإمارات ، البحرين ومصر) بمقاطعة دولة قطر مطلع الشهر المنصرم واتهامها بدعم الإرهاب ، نظَّم المتحدث باسم قوات حفتر العقيد احمد المسماري عدة مؤتمرات صحفية في بنغازي ركز فيها على إتهام حفتر لقطر بدعم المجموعات الإرهابية في ليبيا ، وفي آخر مؤتمر صحفي بمدينة بنغازي بتاريخ 22/6 حوَّل إتهاماته تجاه ما سماه بأنشطة السودان في الساحة الليبية وتورطه في جرائم أُرتكبت في ليبيا ، إذ أشار الى تنسيق الفريق ركن صديق عامر مع أنصار الشريعة في ليبيا والتي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين الذين تُقدِم لهم التدريب والمعلومات والسلاح .

واستعرض النفوذ السوداني المُتخيل داخل ليبيا عبر دعم الجماعات الإسلامية كالإخوان والجهادية كأنصار الشريعة .

وزعم أن هناك إتصالات بين السودان وقيادات ليبية مثل صلاح بادي وعبد الحكيم بلحاج .وعلى خلفية هذه المزاعم أصدرت الخارجية السودانية بياناً يوم 24/6 نفت فيه هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً .

ونظراً لضعف التغطية الإعلامية في مدينة بنغازي رتَّبت السلطات المصرية بالتنسيق مع قناة (ON.TV) وهي القناة الأولى في مصر والأكثر مشاهدةً وتتبع لرجل الأعمال أحمد أبو هشمية ، مؤتمراً صحفياً في القاهرة للمسماري يوم 4/7 كرَّر فيه الإتهامات ضد قطر ، ثم دلف إلى السودان مُدعياً بأن وزارة الخارجية تشكك في هذه المعلومات المُستندة على محضر اجتماع اللجنة الأمنية العليا بتاريخ 31/8/2014م وأنه يمتلك وثائق خطيرة تؤكد هذه المعلومات ، حيث عرض صفحات من محضر اجتماع اللجنة الأمنية كوثيقة تتضمن إعترافات مزعومة .

الخطوة اللاحقة للمؤتمرات الصحفية بكل من بنغازي والقاهرة والتي تأتي في إطار توسيع دائرة الإستهداف لتشمل دول أخرى غير دولة قطر ، تمثلت في إتاحة المنابر الإعلامية والصحفية للعقيد أحمد المسماري لإضفاء الزخم الإعلامي لهذه الإدعاءات ولمزيد من الطرق على مزاعم دعم السودان للمجموعات الإرهابية في ليبيا ، ومن أمثلة ذلك : حديث المسماري لصحيفة (فيتو المصرية) بأن السودان دائماً ما يلعب دوراً إرهابياً في ليبيا وهو حلقة الوصل بين قطر وتركيا والجماعات الإسلامية الإرهابية سواء في مصر أو في غيرها لضرب إستقرار مصر عبر الأراضي الليبية .

وفي تصريح لصحيفة (صدى البلد المصرية) قال المسماري أن السودان يعاني من مشاكل بالجملة وأن الفكر الإخواني جاء ليكون السودان خنجراً في ظهر مصر وللسيطرة على مصادر النفط الليبية .

وأكد المسماري لقناة (ON.TV) يوم 3/7 ، دعم السودان للإرهاب في ليبيا وسعيه مع قطر وتركيا للسيطرة على ليبيا .

وقال المسماري في لقاء على برنامج (بتوقيت القاهرة) الذي يقدمه يوسف الحسيني أن لديهم الكثير من المستندات الخطيرة التي تدين السودان وتفضح حكومته أمام العالم بالتآمر على ليبيا والسعي لتمكين الإسلاميين وحل مشاكل السودان من النفط الليبي .

وخلال لقائه بفضائية (إكسترا نيوز)، يوم 11/7 قال المسماري إن السودان وفقاً للوثائق أكثر الدول أمنا لأنها تتعامل مع كافة الجماعات الإسلامية المتطرفة .

وفي تطور جديد عقد المسماري مؤتمراً صحفياً في قاعدة بنينة الجوية بليبيا حيث إدعى أن استخباراته تحصلت على محضر مداولات اجتماع سري للجنة الأمنية والإستخبارية والسياسية لإدارة الأزمات السوداني  المُنعقد بمكتب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني يوم 18/6/2017م .

وقال أن الاجتماع تداول حول أزمة الخليج وتطورات الأوضاع داخل الحركة الشعبية ورفع العقوبات الإقتصادية ، وإدعى المسماري بإن الرئيس السوداني عمر البشير في حديثه قال بأن هناك صراع بين مصر والإمارات والإخوان لتنصيب خليفة حفتر في ليبيا وهذا تهديد لحكمنا في السودان وأننا دعمنا الإخوان في مصر بمساعدة قطر وإيران !.

وجاءت الوثائق التي إستند عليها المسماري في إدعاءاته لتأكيد هذه المزاعم الكاذبة مُفبركة كان قد روَّج لها الناشط الأمريكي ذو الخلفية المُعادية للسودان البروفيسور أريك ريفز ، حيث نشر جُزءاً منها في صفحات التواصل الإجتماعي وفي موقع حريات المُعادي بتاريخ 27/9/2014م .

سبق وأن قدم السودان رداً وافياً على الوثيقة المُفبركة التي نشرها أريك ريفز في حينه ، حيث تم تفنيدها بصورة مفصلة من حيث الشكل والمُحتوى نورد منها النقاط التالية، فقد ذكرت الوثيقة أن الاجتماع المعني هو اجتماع اللجنة العسكرية الأمنية ، ولا يوجد مستوى سياسي أو إداري أو لجنة بهذا الاسم في السودان .واشارت الوثيقة أن الاجتماع عُقد بمباني كلية الدفاع الوطني في الخرطوم ، وليس هناك سبب يجعل اجتماع برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية السودانية ينعقد بمباني الكلية وليس في القصر الجمهوري أو مجلس الوزراء .

ان كلية الدفاع الوطني مخصصة للدراسة ويحتشد فيها الدارسين من داخل وخارج السودان ، فكيف يكون مكاناً مناسباً لعقد اجتماع بهذه الأهمية كما تزعم الوثيقة .ومن الملاحظ أن الحديث المنسوب للحضور يظهر أنهم تحدثوا في غير تخصصاتهم ، إذ نسبت الوثيقة حديثاً عن التمرد العسكري على لسان مدنيين ، وحديثاً عن العلاقات الخارجية والإرهاب على لسان قادة الجيش وحديثاً عن الحريات الصحفية على لسان قادة الشرطة .

وكثير من الذين قالت الوثيقة إنهم كانوا ضمن الحضور ، كانوا خارج البلاد في ذلك التاريخ ، منهم على سبيل المثال ( د. مصطفى عثمان إسماعيل والفريق صلاح الطيب) .

كما ألصقت الوثيقة رتباً عسكرية (فريق) لعدد من المدنيين مما يقدح في مصداقيتها ، منهم (عبد القادر محمد زين ، عبد الله الجيلي).

وقالت الوثيقة أن الفريق هاشم عبد الله هو رئيس الأركان المشتركة، وهذه معلومة غير صحيحة ولا يُمكن لمصدر ذي ثقة وقادر على تسريب وثائق عالية السرية أن لا يعرف من هو رئيس الأركان .

1تجدُر الإشارة أن الرد على الوثيقة المُفبركة تم توزيعه على نطاق واسع ووصلت نسخة منه إلى الناشط أريك ريفز .

كما استند المسماري على وثيقة أخرى قال إنها عبارة عن محضر لاجتماع بمكتب مدير جهاز الأمن وبرئاسة الرئيس البشير يوم 18/6 الماضي.

ولتفنيد الإدعاءات والمزاعم المُستندة على الوثائق المُفبركة، فرغم أن المسماري إستند في إدعاءاته على وثيقة أريك ريفز المفبركة وعرض صفحات منها خلال المؤتمر الصحفي في القاهرة ، إلا أنه بنى مزاعمه على معلومات لم تتضمنها الوثيقة ، ومنها على سبيل المثال :قوله بأن الوثيقة المفبركة أشارت للعلاقة بين السودان وصلاح بادي وعبد الحكيم بلحاج ، مع العلم بأن الوثيقة لم ترد فيها الإشارة لهذه العلاقة ، وأن هذه العلاقة لا وجود لها أصلاً .

والإدعاء بأن الوثيقة تناولت حديث للفريق ركن صديق عامر حول التنسيق مع أنصار الشريعة في ليبيا التي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين الذين تقدم لهم التدريب والمعلومات والسلاح وهذا الإدعاء كاذب كما لم يرد في الوثيقة المزعومة .

واستعرض المسماري النفوذ السوداني المُتخيل داخل ليبيا عبر دعم الجماعات الإسلامية كالإخوان والجهادية كأنصار الشريعة على أساس أن ذلك متضمن في الوثيقة المزعومة، إذ لم يرد في الوثيقة نص بهذا المضمون .

ان الوثيقة الثانية التي استند عليها حفتر شملت التناقضات والأكاذيب التالية :شعار الجهاز المشار إليه في المحضر لا يمت بصلة لشعار الجهاز المنشور في كل المواقع والذي لا يظهر علم السودان أسفل منه.ولا يوجد جسم في الجهاز أو في الدولة عموماً يحمل اسم (اللجنة الأمنية والإستخبارية والسياسية لإدارة الأزمات) .وحضور الاجتماع احتوى على مغالطات إذ ليس هناك ما يبرر ورود اسم حامد ممتاز قبل مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس الحزب إبراهيم محمود حامد .

كما اشار المحضر المزعوم لحضور الفريق أول ركن إبراهيم محمد الحسن (أب تي) بصفته قائداً لهيئة الإستخبارات والأمن حيث أن المذكور أحيل للمعاش قبل التاريخ المزعوم لإنعقاد الاجتماع (18/6/2017م ) بفترة وقد تم تعيينه سفيراً بالخارجية .

كما أورد التقرير المزعوم اسم البروفسير إبراهيم أحمد عمر في نهاية قائمة الحضور ، حيث يمثل البروف الرجل الرابع في الدولة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصاغ محضر بهذه الأهمية كما يقول المسمار بهذه السطحية وعدم الإنضباط.

وإتهم التقرير السودان بتصدير الإرهاب من سوريا والعراق إلى جنوب السودان ومنها إلى ليبيا ، في حين يعلم المجتمع الدولي كيف أن السودان يعمل على مكافحة الإرهاب من خلال خطوات ملموسة وليس عبر الإدعاءات .

وأشار المسماري إلى أن التقرير المزعوم تناول تقسيم الجيش الشعبي في النيل الأزرق عبر خطة محكمة ، حيث أن الإنقسام حدث بالفعل قبل أكثر من شهرين نتيجة لخلافات داخلية بين قيادات الحركة وليس عبر خطة محكمة .. إذ اعترضت مجموعات بقيادة جوزيف تكا على سياسة عقار في المنطقة واستفادت من قرارات الحلو بعزله ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى خطة محكمة كما إدعى تقرير المسماري .

وتؤكد معلومات أن هذا التقرير المزعوم مُعد بواسطة المتمرد ياسر عرمان ومجموعته المتهالكة للفت الأنظار عن ما يدور من خلافات داخله ولإتهام الحكومة بزرع الفتنة وتم التنسيق في هذا الأمر مع حفتر الذي يدعم الحركات المتمردة السودانية بشكل عام

 

البقية في الغد 

____________

المصدر: السوسنة – محرر الشؤون الأفريقية

مواد ذات علاقة