بقلم محمد صالح تنتوش
لم يعد يخفى على الجميع أن المجتمع الليبي أصبح مهتما بشكل كبير بالقضايا العامة في بلاده بعد 2011 ، فمساحة الحرية وإن كانت تتعرض في أحيان كثيرة لانتهاكات صارخة لكنها لا زالت أفضل مما هي عليه قبل 2011 ،
والدليل أن المواطنين لا يزالون يدلون بما لديهم من آراء سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو المداخلات الاعلامية عبر الراديو والتلفزيون ، بالإضافة إلى امتلاء المقاهي بمحللين ومهتمين بكل شيء تقريبا حتى أضفنا لقبا آخر لألقابنا المليونية الكثيرة لنكون هذه المرة “بلد المليون محلل” .
حرية التعبير والاهتمام بالشأن العام هي حق للجميع بلا منازع ، لكنها ليست حرية غير خاضعة للقيود وإلا أصبحت الدنيا في فوضى (وهو ما يحدث عندنا فعليا ) ، فالنقاش المختلف الذي يتم اللجوء فيه الى العنف اللفظي أو التشهير أو الاستناد الى معلومات كاذبة أو الاتهام بالزور هي أمور يحاسب عليها القانون في بلدان الحريات المتقدمة .
العجيب أن النقاش السطحي وغير الموضوعي هو ما يتحكم في عملية صناعة القرار في ليبيا حرفيا ، فهذا النقاش الذي يدور في الشارع ينتقل بدوره الى الوسائل الاعلامية المختلفة التي ترى في حديث الشارع مادة دسمة يتم تدويرها وتحويرها كيفما شاءت هذه المؤسسات الاعلامية وكيفما شاء ممولوها بطبيعة الحالة (إلا من رحم ربي) ،
بالتالي فإن عملية اتخاذ وصناعة القرار تكون عبارة عن رد فعل عما ينقله هذا الاعلام وليست عملية اتخاذ قرار مبني على قراءة موضوعية للأحداث وترتيب للأولويات .
على العكس من ذلك فإن مراكز البحوث ومراكز دعم القرار سواء الحكومية أو غير الحكومية منها تحاول جاهدة تقديم قراءة موضوعية للأحداث وبالتالي تقديم رؤية علمية وحلول قابلة للتطوير والمراقبة والتعديل بطريقة مخطط لها ، لكن صانع القرار لا يهتم بما تقدمه هذه المراكز ولا بما يكتبه حتى الخبراء المستقلون سواء في الصحافة أو عبر التدوين، رغم موضوعية وعلمية الطرح على عكس سطحية الطرح الذي تنقله بعض وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي التي أصبح تأثيرها لا يمكن اخفاءه في الآونة الأخيرة .
الأمر لا يتعلق فقط بصناع القرار فتناول القضايا العامة من قبل بعض الشخصيات المشهورة في المجالات المختلفة والقادرة على تقديم رؤية موضوعية وعلمية لكنها تختار بدل ذلك سطحية الطرح لأغراض تسويقية ومادية بحثة ، هذا الأمر بطبيعة الحال يعتبر خيانة لكل حرف تعلمه هؤلاء وكان بمقدورهم أن يقدموا عن طريقه طرح أفضل موجه للمجتمع ليتم التعامل مع عقول الجمهور بطريقة أكثر احتراما سواء بصفته مستقبِل به الكثير من المتعلمين والمثقفين الذين لا تتماشى معهم تفاهة الطرح أو سواء بصفته متابعا يمكن الرفع من وعيه وثقافته عبر مَدّه بخطاب إعلامي موضوعي وعلمي يغنيه عن متابعة مصارعة الأفواه و فجور الخصومة الذي تقدمه القنوات الاعلامية وموقع التواصل الاجتماعي .
***
محمد تنتوش ـ كاتب ليبي
___________