بقلم فتحي إدريس
تخيل لو أن الحياة عادت إلى القذافي ورجــع إلى ليبيــا، فإلى من سينضم: طبــرق أم طرابلـس؟ الإجابة على هـذا “السؤال النظري” تسهل فهم الواقع الليبي اليـــوم كما تستوجب معاينة غير منحازة للأطراف المتصارعة لمعرفة من يقف خلفهـا وسنتطرق إليه في نهاية التدوينة.
فالحقيقة المؤلمة هي أن ليبيا بعد ست سنوات من إسقاط القذافي لاتزال غارقة في الفوضى؛ فماذا حدث للثورة الليبية؟ وهل كانت فبـراير السبب في الفوضى أم أنها الضحية؟
البعض يحاول ربط الفوضى في ليبيا بإطاحة القذافي وتحميل الثورة والناتو مسؤولية ذلك، وهي مغالطة يحاول تمريرها مؤيدو القذافي وتجار الثورات المضادة الدوليين والإقليميين –مثل روسيا والنظام المصري والسوري– من أجل “شيطنة” الثورات وتبرئة الأنظمة الشمولية والتبرير لها.
ولكن ما يتجاهله مروجو هذه المغالطة هـو أن هـذه الفوضى لم تكن امتدادًا لثورة فبراير، بل أن ليبيـا مرت بمرحلة استقرار نسبي في عامي 2012-2013 شهدت خلالها البلاد استقرارًا اقتصاديًا وتنامٍ ملحوظ في الحريات وإجراء أول انتخابات نزيهة منذ خمسين عامًا كان ثوار فبراير هم من حمى صناديقها، إلى أن دخلت البلاد في الفوضى لاحـقًا؛ فمتى كانت نقطة التحول وكيف تم التمهيــد لها؟
هناك نظريتان حول من أدخل البلاد في الفوضى: الثورة المضادة، أو التطرف الإسلامي.
ولمعرفة خلفيات الصراع يجب مراجعة بعض المحطات الرئيسية والمتلاحقة خلال السنوات الثلاث الأولى بعد الثورة، أي من أكتوبر 2011 (إعلان التحرير) وحتى أكتوبر 2014 (دخول الأمم المتحدة وداعش على الخط).
الديمقراطية الوليدة بدأت في أغسطس 2012 بأول تداول سلمي للسلطة بين المجلس الانتقالي والمؤتمر الوطني، إلا أن التناطح الحزبي والسياسي نتج عنه فشل سياسي أهم مظاهره فشل حكومة زيدان في تكوين نواة لجيش وطني يضم الثوار ويحافظ على أمن الدولة ومقدراتها.
الصراع داخل أروقة المؤتمر في طرابلس كان على أشده بين تيارين: التيار الإسلامي وتيار الثورة من جهة، والتيار الليبرالي العلماني من جهة أخرى.
الصراع بلغ ذروته مع صدور “قانون العزل السياسي” والذي أقصى شخصيات كثيرة عملت سابقًا مع القـذافي، حيث رأى الليبراليون بأنه مكيدة من الإسلاميين إذ لم يتطرق القانون للإخوان المسلمين كونهم تصالحـوا مع سيف الإسلام في نهايات عهده.
وبينما نجحت السلطات الليبية في استرجاع بعض رموز القذافي من تونس والنيجر، إلا أنها فشلت في استرجاع أبرزهم (أحمد قذاف الدم) بعد أن أفرج عنه السيسي في ديسمبر 2013 ورفض تسليمه لليبيــا.
قذاف الدم اعتبر ثورة فبراير مؤامرة من الناتو وأعلن تكرارًا عن عزمه على العودة لليبيا والثأر للقذافي، ومنذئذ أصبحت القاهرة مقرًا لاصطفاف بقايا نظام القذافي.
أما كتائب القذافي والتي تبخرت فجأة بعد تحرير طرابلس فيعتقــد أنهــا أعادت التموضع –بكامل كياناتها وقياداتها مثل كتيبة الصواعق والقعقاع واللواء 32 معزز– ولبست قناع الثوار، وصارت تحركها أيادٍ خفيــة لبسط النفوذ العسكري في طرابلس وبشكل موازٍ لباقي كتائب الثوار وخصوصًا كتائب مصراتة.
هذه الكتائب تحالفت مع التيار الليبرالي ثم مع حفتر لاحقًا بعد عملية الكرامة.
ومع تأخر تكوين الجيش والشرطة وظهـور عمليات اغتيالات ممنهجة ومشبوهة في بنغازي دون غيرها من المدن الليبية وتقاعس حكومة زيدان في معالجتها، ازدادت وتيرة التحريض الإعلامي ضد المؤتمر الوطني وظهر حراك “لا للتمديد” والذي كشفت تسريبات لاحقة عن تورط النظام المصري فيه.
هـذا الحراك أجبر المؤتمر على تكوين لجنة فبراير والتي وضعت خارطة طريق تشمل انتخابات لجسم تشريعي جديد.
وفي فبراير 2014 قـام حفتر بانقلاب تلفزيوني لم يلق تفاعلاً في طرابلس حيث صدر أمر بالقبض عليه، فهرب إلى الشرق الليبي حيث لقى ترحيبًا من دعاة الفيدرالية، وبعض فعاليات القبائل والأسماء التي كان لها تواصل مع نظام القذافي وبدأ التحشيد لعملية الكرامة.
وفي مارس 2014 هرب زيــدان من طرابلس بشكل مفاجئ بعد أن صوت البرلمان على سحب الثقة من حكومته لفشلها في معالجة القضايا الأمنية والاقتصادية وأهمها تحرير الموانئ النفطية من قبضة مجموعات مسلحة تتبع للتيار الفيدرالي في الشرق وليخلفه نائبه عبد الله الثني.
رغم كل ما سبق ظلت الدولة متماسكة وتحت سلطة مركزية واحدة حتى 16 مايو 2014 حيث أعلن حفتر عن عملية الكرامة وكانت تلك هي النقطة المفصلية التي أدخلت البلاد في دوامة العنف والفوضى حيث حصدت أكبر عدد من الأرواح في تاريخ ليبيا بالإضافة إلى الدمار والنزوح والشرخ الاجتماعي.
عملية الكرامة تم تسويقها كحل أمني للاغتيالات في مدينة بنغازي ولذا قابلت ترحيبًا رغم شخصية حفتر الجدلية.
الكرامة وضعت الثوار وأنصار الشريعة – والتي تم تصنيفها كمنظمة إرهابية بعد اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي في سبتمبر 2012 – في سلة واحـدة ووجهت لهم التهمة والعقاب دونما محاكمات أو تحقيقات.
وفي يونيو 2014 أُنْتُخِـبَ “مجلس النواب” بمشاركة شعبية لاتتجاوز الـ 20٪، وكان نتاج تلك الانتخابات “لافــتًا” ليس لانحسار التيار الإسلامي فحسب، بل ولبروز العديد من الشخصيات التي أثير حولها الجدل لارتباطها بحقبة القذافي ومنها رئيس البرلمان عقيلة صالح والذي قرأ بيانًا يمجد فيه القذافي قبل اندلاع ثورة فبراير بأيام، ولذا فلم يكن مفاجئًا أن يكون إلغاء قانون العزل السياسي من أول قراراته.
وفي يوليـــو 2014، أطلق ثوار مصراتة عملية “فجر ليبيــا” كردة فعل على عملية الكرامة وللسيطرة على طرابلس بشكل استباقي ضد كتائب الزنتان و بقايا كتائب القـذافي، وبذا صارت طرابلس تحت سيطرة كتائب مصراتة والداعمة لتيار الثورة.
وفي أغسطس 2014 بدأ الانشطار السياسي بعد جدل قانوني حول مدى صحة انعقاد مجلس النواب في طبرق وعودة المؤتمر الوطني للانعقاد وانتهى بحكم المحكمة الدستورية في نوفمبر 2014 بعدم شرعية مجلس النواب.
مجلس النواب رفض الحكم وأعاد تشكيل الحكومة المؤقتة ذات الطابع الليبرالي برئاسة الثني كما تبنى عملية الكرامة ليصبح حفتر ذراعه العسكري، أما المؤتمر الوطني في طرابلس فقد تبنى حكومة الإنقاذ ذات التوجه الثوري وكذلك كتائب فجر ليبيا لتكون ذراعه العسكري، وهكذا انقسمت الدولة بشكل فعلي.
هذا التسلسل التاريخي جعل ليبيـــا اليوم كرقعة شطرنج في طور متقدم من اللعبة، قطع متفاوتة في قوتهــا ولكنها متشابكة في مواقعهـا وذات لونين فقط: لون ذو صبغة إسلامية ويتشبث بثورة فبراير، وآخر ذو صبغة علمانية ويصطف مع بقايا سبتمبر.
وأخيـرًا، لا أخفي تحيزي لنظرية الثورة المضادة كعامل محرك للفوضى، إذ لا أعتقد أن امتداد نفوذ سبتمبر في الشرق الليبي اليوم هـو مجرد مصادفة.
فحين ترى أن الشرق الليبي لم يعـد يحتفل بثورة فبراير،
وأن العديد من رموز القذافي عادوا هناك واستقبلوا رسميًا،
وأن اجهزته الأمنية عادت بكامل طواقمها،
وأن قادة كتائب القذافي يقودون قوات الكرامة في الجنوب (بن نايل) والغرب (تنتوش)،
وغير ذلك من الشواهد فستعلم إلى أي طرف سينـضــم القـذافي لــو عاد حيًــا، كما ستعلم إن ما يجري في ليبيا ما هو إلا ثورة مضادة يقودها بقايا سبتمبــر والذين قالـــوها صراحة: “إما نحن وإما الفوضـــى“.
***
فتحي إدريس ـ طبيب ومدون ليبي
__________