علي اللافي

ج ـ الجزائر وتأثيرها القوي والمحوري في الملف الليبي
أولا، عادت الجزائر من بعيد للملف الليبي ولكنها امتلكت سريعا كثيرا من أوراقه وخاصة بعد قدرتها على تفعيل الدور الإقليمي لدبلوماسيتها واعطائها نجاعة أكبر (بعد أن كانت مشلولة بين 2014 و2019).
ومعلوم أن “حفتر” ما كان ليذهب للجنوب ولا أن تهاجم قواته ومليشياته العاصمة طرابلس لولا انكفاء الجزائر يومها على أوضاعها الداخلية (انطلاق الحراك الشعبي في فبراير 2019 واستقالة بوتفليقة بداية في اول ابريل من نفس السنة أي أيام فقط قبل هجوم قوات حفتر وحلفائه على طرابلس).
وسرعان ما أكد الرئيس الجديد “عبدالمجيد تبون” أنه لن يسمح لأي تدخل عسكري في ليبيا أو قصف طرابلس وليحدث بناء على ذلك ما سمي بتوازن القوى لا محليا فقط بل أيضا إقليميا ولتتطور الاحداث في ليبيا بناء على معادلة الحضور الجزائري في الملف وخاصة في ظل تقاربها في مقارباته مع كل من إيطاليا وتركيا.
وكذلك بناء على ربط منهجي بين الملفين الفلسطيني والليبي ففي نفس الوقت الذي كانت فيه العاصمة الجزائرية تحتضن المصالحة الفلسطينية خلال شهر أكتوبر الماضي كان المنفي هناك في زيارة مطولة وبعد أيام فقط تطور دور المجلس الرئاسي ولتتعدد مبادراته في حل الملف ولعل زيارة المبعوث الأممي “عبدالله باتيلي” الأخيرة للجزائري وتشخصيه من هناك للأزمة بكل ابعادها اثر لقاءاته بالرئيس “تبون” ووزير خارجيته “رمضان لعمامرة” أكبر تعبير عن الدور المحوري.
والذي تبين اثناء المشاورات مع رئيسة الحكومة الايطالية منذ أيام حيث اكدت التوافق والتشاور بين البلدين حول السيناريوهات المستقبلية للأوضاع في مالي وتونس وليبيا وليتم لاحقا امضاء اتفاقيات غاز بين روما وطرابلس.
ثانيا، الجزائرتتحرك بناء على أن تونس والغرب الليبي هما عمق استراتيجي لها وهو ما تبين من خلال الخطوات والتصريحات الجزائرية سواء اثناء زيارة “تبون” لروما في يونيو الماضي أو اثناء استقباله لميلوني منذ أيام وبدا واضحا أن “تبون” يعتبر الملف الليبي ملف رئيسي في كل خطوات الجزائريين.
ولعل استقبال “الدبيبة” وإعطاء مساحات للملف اثناء القمة العربية الأخيرة ورفض المقترح المصري في البيان الختامي يبين أهمية الملف ومحوريته عند كل لقاءات “تبون” بما في ذلك أثناء استقباله لوزير الخارجية الأمريكي منذ أشهر مضت وتتمحور الرؤية الجزائرية حول رفض التدخل الأجنبي وحول اجراء الانتخابات في أقرب الأجزاء وعبر توافق ليبي واسع.
د ـ السودان وتشاد وتواصل القلق مما يجري في ليبيا وخاصة في ظل وجود سودانيين وتشاديين معارضين على أراضيها
أولا، بين 2017 و2020 استعمل الجنرال المتقاعد خليفة حفتر مرتزقة سودانيين (جنجويد) وآخرين من التشاديين للقتال ضد خصومه في شرق وغرب وجنوب ليبيا، ومعلوم أن جزء من المعارضة التشادية تقوم بعملياتها انطلاقا من الأراضي الليبية وأن عناصرها قد تدربت منذ عقود واستعملت الأراضي الليبية في عمليات لوجستية بما في ذلك تلك التي ترتبت عليها عملية اغتيال الرئيس الأسبق “ادريس ديبي” في ابريل 2021 بغض النظر عمن وقف وراء عملية الاغتيال والتي يرجح أنها ترتبت على خلافات داخلية داخل مربعات نظامه.
هناك تداخل قبلي فعلي بين البلدان الثلاث وتشابك في العلاقات الاجتماعية وهي تعود لعقود سابقة ولا يمكن عدم مراعاتها في أي اتفاقات او تعاملات سياسية او اجتماعية بين البلدان الثلاث او بين اثنين منهم، وهو ما يرسخ حقيقة أن أي تطورات سياسية أو امنية في أي بلد سينحب ضرورة من حيث التداعيات على البلدين المتبقيين.
ثانيا، اتفق مؤخرا رئيس مجلس السيادة السوداني “عبد الفتاح البرهان” ورئيس الفترة الانتقالية في تشاد “محمد ادريس ديبي” على تعزيز القدرة العملياتية للقوة التشادية السودانية المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية التي تزداد تواتراً في المنطقة الحدودية للبلدين.
وجاء الاتفاق خلال جلسة مباحثات بين البرهان وديبي بالعاصمة التشادية أنجمينا، وذكر البيان الختامي للمباحثات أن الرئيسين تناولا الوضع الأمني في المنطقة الحدودية وأعربا عن قلقهما من تكاثر النزاعات بين المجتمعات والتي تسببت في العديد من الخسائر في الأرواح، وتوافقا على إقامة علاقات مباشرة ومستمرة بين الجهات المختلفة المعنية وخاصة الدفاع والأمن وحماية اللاجئين والنازحين.
وأضاف البيان، أن البرهان وديبي ركزا بشكل خاص خلال المباحثات على تبادل المعلومات والاستخبارات بين أجهزة الأمن في البلدين وكذلك التعاون القضائي، واتفقا أيضاً على اتخاذ إجراءات قوية ومتسقة لاحتواء الهجرة غير النظامية وتهريب الأسلحة.
كما أثار البيان الحاجة إلى تفعيل القوة الثلاثية المشتركة بين السودان وجمهورية افريقيا الوسطى وتشاد التي تم إنشاؤها في 2005 في الخرطوم لمكافحة انعدام الأمن على الحدود المشتركة للدول الثلاث.
ومعلوم أن للعلاقات السودانية التشادية تاريخ متأرجح ما بين التعاون والتوتر وتبادل استضافة الجماعات المتمردة، وشكلت الدولتان في العام 2010 قوات مشتركة تعمل في الحدود لمراقبة نشاطات المجموعات المتمردة والتهريب والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر ودخول السلاح.
وكان نائب رئيس مجلس السيادة السوداني”محمد حمدان دقلو”(حميدتي) قد أثار لغطاً قبل أسابيع بعد تصريحات كشف فيها عن مخطط جرى إعداده داخل السودان لإطاحة حكومة أفريقيا الوسطى، وهو ما نفاه البرهان لاحقاً.
ثالثا، فيما يتعلق بالأزمة الليبية، أوضح البيان المشترك أن الرئيسين التشادي والسوداني، أعربا عن قلقهما من خطر زعزعة الاستقرار الذي يمثله الوضع الأمني في ليبيا على دول الجوار، كما عبرا عن قلقهما من استمرار الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل وانتشارها في القارة.
وفي مجالات العلاقات الثنائية بين الخرطوم وأنجمينا، اتفق البرهان وديبي على ضرورة عقد اللجنة الوزارية المشتركة بهدف إعادة تفعيل كافة الاتفاقيات والآليات على المستويات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية والفنية والاجتماعية والثقافية.
وقررا الرئيسان عقد المنتدى عبر الحدود حول الأمن والتنمية قبل نهاية العام في مدينة “أبشه”التشادية، وتوافقا على إنجاز مشروع السكك الحديدية بين تشاد والسودان بأسرع وقت ممكن والبنية التحتية للطرق التي تسهل المعاملات الاقتصادية والتجارية.
ومن ثم يمكن الجزم أن معادلة التأثير والتأثر ستكون مفعلة وقائمة بين البلدان الثلاث وأن تريب الملف الليبي سيكون مفتاح دعم الاستقرار في البلدين كما أن أي ترتيبات أمنية واجتماعية على غرار الاتفاق الأخير بين نجامينا والخرطوم سيكون له صدى في ليبيا.
وبذلك يمكن الحيلولة دون توظيف الملفين لإرباك عملية هندسة خارطة الطريق الخاصة بالانتخابات الليبية المرتقبة في افق نهاية سنة 2023.
هـ ـ النيجر ومؤثرات الوضع الليبي عليها وتأثيرها في مجريات الاحداث في منطقة الساحل
النيجر هو البلد الأهدأ في علاقته بليبيا ولا يعني ذلك أن علاقة التأثير والتأثر غير موجودة بل هي ضمن معادلة العلاقة بين البلدين بناء على تشابك الروابط الاجتماعية والتاريخية.
ولعل وجود مكون “التبو” في البلدين وفي تشاد ووجود إرث تاريخي بين سكان الجنوب الليبي وسكان النجير بغض النظر عن خلفيتهم القبلية والاجتماعية يعود الى قرون، ومن ثم فان أي تداعيات في الساحة الليبية سيكون لها وقع في النيجر كما أن امتداد التنظيمات الإرهابية في دول الساحل سيؤثر على طبيعة الأوضاع الاجتماعية في ليبيا.
وكما هو معلوم، أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وسط الأسبوع الماضي، ناقش سبل تعزيز العلاقات الثانية بين ليبيا والنيجر، وقد جاء ذلك خلال لقائه سفير النيجر لدى ليبيا والوفد المرافق له حيث تسلم الدبيبة رسالة خطية من رئيس النيجر “محمد بازوم”.
وتمت خلال اللقاء مناقشة فكرة انعقاد قمة دول الساحل والصحراء المقترنة بإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لميلاد التجمع والتنسيق لتنظيم دورة ألعاب لدول التجمع في طرابلس.
وفي الأخير لا يمكن اغفال أن ما يجري في منطقة الساحل ستكون تأثيراته على الأوضاع في ليبيا مستقبلية وخاصة في ظل تسابق صيني روسي على وراثة الإرث الفرنسي فيها ومحاولة بعض أطراف إقليمية ودولية تحويل لمنطقة الى افغانستان أخرى، كما أن الجدل حول وجود قوات الفاغنر سيكون له مؤثرات عدة في البلدين وما بينهما أيضا.
***
علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية
____________
