علي اللافي

سارع البعض للقول إن عام 2022 لم يكن مختلفا عن 11 عاما سابقة في المشهد الليبي، وقد يكون ذلك بسبب أنه فعلا حمل خيبات كبيرة للشارع الليبي الذي كان يترقب إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية أو حتى الاتفاق على موعد جديد بعدما كانت مقررة بنهاية عام 2021 .
بينما الحقيقة أن الملف الليبي لم يكن منذ نهاية 2013 أي تاريخ نزول ثقل دول عربية وإقليمية وبما فيها الكيان الصهيوني لوأد حلم التحرر العربي ومن ثم فان القول ان ثورة الليبيين على القهر والعسف هي سبب ما جرى ويجري منذ صائفة 2014 أي تاريخ نشوب الحرب بين طرفي الصراع والذي لا يُمكن إلا التأكيد أنها حرب بالوكالة بين وظيفيين ليس لديهم أي أفق استراتيجي باعتبارهم مشغلين ومدعمين من طرف أذرع إقليمية خادمة بدورها لدى قوى ومحافل دولية
أولا، دخل الليبيون سنة 2022 بعد عدم توصل الأطراف السياسية والاجتماعية والإقليمية والدولية الى انجاز الاستحقاقات الانتخابية والتي كانت مقررة 24 ديسمبر 2021 وهو موعد تم تحديده في لقاء جينيف اثر مقترح تم تقديمه في حوارات قمرت التونسية في نوفمبر 2020.
وقبل ذلك لم تنجز الانتخابات في 10 ديسمبر 2018 بعد إقرار ذلك في مؤتمر باريس 2 في مايو 2018، وعمليا يمكن الجزم أن عدم إنجاز الاستحقاقات كان مبيتا وخاصة في ظل تقدم 98 مترشحا للرئاسية وعدم وضوح أسبقية التشريعية على الرئاسية من عدمه إضافة الى وجود شخصيات جدلية وعدم قدرة البعثة الأممية على الفصل بين الثالوث المهيمن على الفعل السياسي والاجتماعي لليبيين (“القبيلة”–”الغلبة”–”الغنيمة”) وبين تدخل الفاعل الإقليمي والدولي حتى في تفاصيل الحياة اليومية لليبيين.
ومعلوم أنه في ليبيا بالذات ليس هناك أي حلول فعلية بل أن كل ما يمكن الحديث عنه هو “مسكنات حلول” وكل ذلك مبني طبعاوفعليا على تداخل الاقتصادي بالسياسي وبالسياسات الدولية وتضارب المصالح في البلد حتى بين مسؤولي ودبلوماسي كل طرف دولي على حده.
وكل ما سبق يثبت تشخيص المبعوث الأممي الرابع “غسان سلامة” سنة 2018 عندما قال بوضوح أنه لا يكفي أن تتفق الأطراف الليبية وان الإشكال هو في توافق الأطراف الدولية.
ثانيا، رغم تراجع مستوى العمليات العسكرية والاشتباكات والإرهاب، اختتم العام 2022 بواقعة مثيرة للجدل بعد تسليم حكومة “الدبيبة”بتسليم ضابط المخابرات السابق “أبو عجيلة مسعود” إلى واشنطن لمحاكمته بزعم التورط في تفجير طائرة لوكربي عام 1988، وهي حادثة وان دلت على شيء فهو أن تفاصيل الملف الليبي تدار بِحِرَفِية من طرف فاعلين دوليين أي بما يعني أنه يتم اظهار معطيات واخفاء أخرى بطرق احترافية في كل ملف أو تفصيل.
الهدوء الحاصل حاليا قائم أساسا على معادلة توازن الضُعف إقليميا ومحليا ودوليا وهي معادلة ستظل قائمة حتى نهاية سنة 2024، خاصة وان إدارة “بايدن” قد أعلمت كل حلفائها منذ بداية 2021 وكل الوظيفيين لها دولا وافرادا بمبدأ أو منطق أو سياسة “صفر مشاكل بينهم”، ويمكن وصف تلك المعادلة أيضا بانها معادلة توزان القوى محليا وإقليميا ودوليا.
ثالثا، بقيت الذهنية الاجتماعية/المناطقية مسيطرة طوال سنة 2022 على كل الفعل السياسي وعلى الاصطفاف الايديولوجي أيضا حتى قَسَّم البعض المناطق الثلاث بالكيفية التالية:
ـ الشرق للكرامة وأنصارها (بقيادة العسكري المتقاعد خليفة حفتر والذي خسر الكثير من أوراقه سياسيا ودوليا)
ـ الجنوب لأنصار القذافي
ـ الغرب الليبي محسوب على فبراير والليبراليين والإسلاميين
كما تواصلت سنة 2022 غياب الفكرة الحزبية ولم تستطع الأحزاب الـ108 المقننة جَلب اهتمام الرأي العام ولا استقطاب رجل الشارع وحتى التقسيم الأيديولوجي العادي اهتز أكثر من ذي قبل بحيث
-
لا يزال اليساريون والقوميين العرب يعانون من سقوط نظام القذافي والذي انهاهم سياسيا منذ 1973
-
أما الليبراليون فقد ضعفهم فعلهم الحزبي المباشر منذ موت محمود جبريل سنة 2020 ولم يستطع خلفائه بعد سنتين تعويضه بل أن حزبه أنقسم على نفسه، كما تنافسه عشرات المسميات الليبرالية والتي لا يعرف منها الليبيون سوى النسخة الجديدة من حزب الجبهة الوطنية (أسسها “المقريف” بداية الثمانينات وتولى مسؤولية الحزب في نسخته الجديدة الأستاذ “عبدالله الرفادي”)،
-
أما الإسلاميون فانهم ليسوا أحسن حالا من البقية حيث بقي التجاذب قائما بين جناحي “اخوان ليبيا” وذراعهم السياسية أي حزب “العدالة والبناء” بقيادة “عماد البناني” فيما أسس رئيس الحزب السابق الحزب الديمقراطي للوقوف بجانب “باشاغا” وبعض الليبراليين وشخصيات مؤثرة اجتماعيا
-
أنصار المفتي وبعض المحافظين (سلفيين حركيين ـ صوفيين ـ تقليديين) بقوا في خضم البحث عن مظلة سياسية، وأما المداخلة فقد تراجعوا بشكل كبير سنتي 2021 و 2022 في حين أصبح التيار الجهادي منعدم الوجود فعليا.
-
أما بقية “الجهاديين” فهم بين الهارب والمنفي والسجين والمخفي لهويته الفكرية (وهؤلاء الأخيرين مجموعة أشخاص يكاد يعدون باليد)، ومعلوم أن نسبة الإرهابيين في ليبيا وحتى عندما كان الإرهابيين بالآلاف لا تتجاوز 3 بالمائة.
-
أنصار القذافي تشتت بهم السبل وخاصة سنة 2022 وهم اليوم بين القرب من حفتر ومن أنصار جبريل وان شكلوا تنظيمات بعينها سنتي 2013 و2014 فإنهم اليوم ليسوا وحدة متكاملة وهم لم يكونوا كذلك حتى في حقبة القذافي وخلال السنتين الماضيتين أصبحوا يبحثون عن مصالحهم المالية والتجارية رغم أن بعضهم موجود في مفاصل الإدارة والوزارات الا أنهم سلبيين ولم ولن يجتمعوا الا قليل منهم حول “سيف” والذي سيبقى مستقبله مفتوح على كل الخيارات وهو أصلا غامض الوضعية والرهانات.
رابعا، يعتقد بعض الفاعلين أن عام 2022 قد شهد خطوات إيجابية تمثلت في التقارب بين المجلسين، واستمرار عمل اللجان المشكّلة من البرلمان والمجلس الأعلى للدولة في إطار السعي لإقرار القاعدة الدستورية، ويرى أصحاب تلك القراءة أن الشارع الليبي يرى أن الأجسام السياسة تتصارع على السلطة دون مراعاة مصالحه وأن الرغبة لدى الجميع في الوقت الراهن في رحيل الأجسام السياسية ليقرر من يمثله عبر الانتخابات.
وفعلا فالليبيون ملوا التجاذبات والمناكفات والصراعات والحروب والاصطفاف لهذا الطرف الإقليمي أو ذاك ويبحثون عن الخروج من مربعات المرحلة الانتقالية.
وفعليا بدأ عام 2022 بخيبة أمل حيث لم يتم تحديد أي موعد جديد للانتخابات رغم أن كل الطرق الى إنجازها بين يونيو وديسمبر 2023، ولم تفلح “ستيفاني ويليامز” مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة في بدايات 2022 في التوصل إلى أي نتائج بشأن الخلاف على القاعدة الدستورية، والتي لم يتم التوافق عليها حتى الآن.
الا أن قرار مجلس النواب تكليف حكومة جديدة للقيام بمهمة الانتخابات في فبراير برئاسة وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، والذي رفض الدبيبة تسليم السلطة لحكومته قد عقد الأمور أكثر ولخبط أوراق الجميع.
خامسا، أولى نتائج الصراع والتجاذب بين الحكومتين كان أن نشبت اشتباكات في العاصمة طرابلس في أكثر من مرة بين كتائب تابعة لباشاغا وأخرى موالية للدبيبة، وخرجت على إثرها كتائب داعمة للأول من العاصمة طرابلس، وفي أبريل 2022، علق ممثلو قوات شرق ليبيا في اللجنة الليبية العسكرية المشتركة “5+ 5” أعمالهم، احتجاجا على ممارسات “حكومة الدبيبة، ولم تتمكن اللجنة العسكرية من البدء في تنفيذ عملية توحيد المؤسسة العسكرية التي نص عليها الاتفاق الذي جرى في العام 2020.
وظل الوضع على ما هو عليه رغم تعدد اجتماعات اللجنة، وكان لكل ذلك نتائجه المباشرة على عمل البعثة الأممية حيث تم تقييم أن “ستيفاني وليامز” قد فشلت في إجراء الانتخابات واتهامها من أطراف ليبية بالانحياز، ورفضت بعض الدول تعيينها مبعوثة أممية وجرى لاحقا تعيين السنغالي “عبد الله باثيلي” مبعوثا أمميا والذي سقط سريعا في نفس الأخطاء حيث اجرى مشاورات مع نفس الفاعلين رغم أنه دفع المجلسين للتقارب وهو انجاز يحسب للوسيط المغربي أكثر منه للمبعوث الأممي.
وهنا يمكن الجزم أن أهم الإنجازات خلال العام 2022 تتمثل في التقارب بين المجلسين إضافة الى تغير الخطاب السياسي لدى الجميع، وكذلك القناعة بأن الانتخابات والحوار هي الحل الوحيد للخروج من الأزمة.
سادسا، الخلاصة أنه من زاوية معينة يمكن الجزم أن الإخفاقات سنة 2022 كانت متعددة في ليبيا ومنها فشل تحديد موعد الانتخابات والبدء في الإجراءات الخاصة بها، إضافة لتسليم المواطن أبو عجيلة مسعود للجانب الأمريكي (والذي برّره رئيس حكومة الوحدة الوطنية بالقول إنه لا يتستّر على إرهابي مضيفا أنه لم يراجع في نفس الوقت اتفاق لوكربي).
ومن زاوية ثانية كان عام 2022 عام مخاض وفرز سياسي حيث انتهت حكومة باشاغا وأصبح الاخير بين تعديل حكومة الدبيبة والمضي في خيار الحل الثالث كما سقطت قرارات عقيلة صالح الانفرادية.
ورغم كل الخلافات يتطلع الشارع الليبي في بداية 2023 إلى إجراء الانتخابات المؤجلة خلال هذا العام ومن ثم إنهاء المراحل الانتقالية واختيار من يمثله في الأجسام السياسية والرئاسة، وان تحتل ليبيا موقعها في الإقليم بناء على اهميتها الاستراتيجية واهمية وفرادة ثرواتها وجغرافيتها وسواحلها وموانئها وارثها التاريخي خاصة وان التاريخ سجل أهم مقولته حولها وهو أن “الجديد دائما يأتي من ليبيا”
***
علي اللافي – كاتب محلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية
___________
