جليل حرشاوي

ملخص تنفيذي
في عام 2021، انهارت خطط الانتخابات الليبية المدعومة من الأمم المتحدة بسبب صعوبات فنية، نعم، ولكن أيضًا بسبب مناورات ذات دوافع سياسية. حيث تحرك اللاعبون الأقوياء داخل وخارج البلاد لتخريب العملية الانتخابية وإضعافها.
على رأس قائمة الفاعلين الليبيين المتورطين في هذه النتائج رئيس مجلس النواب عقيلة صالح. وكانت تدخلات صالح السلبية – التي تلقت دعماً دبلوماسياً فعالاً من مصر وفرنسا – تتعارض مع روح خارطة طريق الأمم المتحدة وأثارت الارتباك والعداء في المشهد السياسي.
على الجانب الآخر من الانقسام السياسي، ساهم السياسيون الليبيون المدعومون من تركيا – رئيس الوزراء المؤقت عبدالحميد الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري – في إلحاق الضرر بالعملية الانتخابية أيضًا.
ونكث الدبيبة، الذي كان قد وعد مسؤولي الأمم المتحدة في وقت سابق بأنه لن يترشح للرئاسة، بتعهداته. بالإضافة إلى خرق قواعد الأمم المتحدة، فقد انتهك أيضًا جوانب من قانون الانتخاب الذي أصدره عقيلة صالح. أضاف سلوك رئيس الوزراء أثناء فترة ترشحه جو مشحون بعدم الثقة والذي انتهى به الأمر إلى تعريض العملية الانتخابية للخطر.
أما المشري: فقد شجع على إجراء استفتاء دستوري بدلاً من العمل على إيجاد السبل الكفيلة بتحقيق الانتخابات ضمن خارطة طريق الأمم المتحدة المتفق عليها. وتكشفت هذه المخططات في وقت أظهرت فيه قدرة الأمم المتحدة كوسيط وميسر في الشؤون الليبية ضعفًا استثنائيًا. وفي الواقع، فإن الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها بعثة الأمم المتحدة مسؤولة بالتأكيد عن إخفاقات انتخابات 2021 أيضًا.
بالإضافة إلى أوجه القصور في المسؤولين الليبيين الحاليين وهفوات الأمم المتحدة، كشفت تجربة 2021 أيضًا عن التوتر السياسي الكبير الذي سببه سيف القذافي، بين النخب في البلاد بعد عام 2011. إن الطموحات الرئاسية لسيف القذافي، على الرغم من ضعفه على أرض الواقع، لم تُقسِّم الليبيين فحسب، بل أن الدول الأجنبية أيضًا.
أما روسيا، المتواجدة عسكريا في ليبيا، فهي راغبة في رؤية سيف مرشحا للرئاسة، بينما لا تريد واشنطن ذلك. قد تظهر هذه العقبة مرة أخرى في المحاولات المستقبلية للانتخابات حتى لو تم تناول القضايا الأخرى.
النتائج الرئيسية
تتناقض مواقف النخبة السياسية الحالية في ليبيا تجاه انتخابات حرة ونزيهة بشكل صارخ مع نظرة المواطنين العاديين. المواطن الليبي يأمل في الانتخابات ويدعمها. ولكن النخب السياسة التي يُعد تعاونها الجاد ضروريًا لنجاح العملية الانتخابية، تخشى فقدان امتيازاته الحالية.
جُلّ السياسيين الليبيين الذين كانوا في موقع السلطة في عام 2021، لم يثبت أي منهم التزامه الحقيقي بالعمل من أجل عملية انتخابية ناجحة. وفي الواقع، فقد قدم الكثيرون أنفسهم للمساهمة بشكل سلبي في التجربة – إما بتخريبها أو تعطيلها.
كانت العقبة الأكثر تاثيرا على طريق الانتخابات هي الطابع الهش للغاية والمتناقض لقوانين الانتخابات، التي كتبها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح وفرضها دون أي تصويت برلماني. وقد تلقّى تدخل صالح السلبي دعما دبلوماسيا نشطا من مصر وفرنسا. وفي غضون ذلك، أظهر أداء الأمم المتحدة كوسيط وميسر ضعفًا استثنائيًا، مما ساعد على التعجيل بانهيار العملية.
كما اتخذ رئيس الوزراء المؤقت عبد الحميد دبيبة إجراءات ساعدت في تقويض العملية الانتخابية. ويمكن قول الشيء نفسه عن خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة. وبدلاً من إجراء انتخابات عامة، شجع المشري على إجراء استفتاء دستوري في ديسمبر 2021. ويحظى كل من الدبيبة والمشري بدعم من تركيا.
يمثل وجود تيارات سياسية تعمل لصالح نظام القذافي عقبة محتملة أمام الانتخابات الرئاسية في ليبيا في السنوات المقبلة. وهذا صحيح بشكل خاص فيما يتعلق بسيف الذي له طموحات رئاسية لا تُقسِّم الليبيين فحسب، بل الدول الأجنبية أيضًا. فروسيا، الموجودة عسكريا في ليبيا، ترغب في تمكين سيف من الرئاسة، بينما ترفض واشنطن ذلك.
المقدمة
الانتخابات العامة في ليبيا، والتي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر 2021 كنتيجة للحوار السياسي المدعوم من الأمم المتحدة، لم تتحقق. مثلها مثل المحاولة السابقة، بقيادة فرنسا، التي باءت بالفشل أيضًا في عام 2018.
بعد فوات الأوان، ستصبح الفرصة الضائعة في عام 2021 مُحَطِّمَة بشكل خاص لأن الفترة السابقة، شهدت البلاد اصطفافات وترتيبات نادرة منها، غياب الاشتباكات المسلحة الكبيرة، ووجود حكومة واحدة، تتربع حاليا على السلطة التنفيذية في طرابلس، والمطالبة بالسلطة السيادية.
بعد خيبات الأمل في أواخر عام 2021، استمرت المؤسسات الليبية في التفتت بشكل غير مفاجئ بينما ارتفعت التوترات بين الفصائل المسلحة المتنافسة إلى درجة الغليان. أما على الجبهة الدبلوماسية، فكان رد الفعل السائد هو انتقاد اليد الظاهرة وراء التوتر، من خلال إصدار بيانات تقييمية حول حاجة القادة الليبيين إلى الالتزام من جديد بتبني أساس دستوري لانتخابات رئاسية وبرلمانية “مبكرة“، كما أبدت دول النفوذ الأجنبية القليل من الاهتمام بصياغة أي خطط عملية جادة.
في أغسطس 2022، اعترف دبلوماسي أوروبي كبير مقيم في طرابلس صراحة أنه “لا توجد احتمالات لإجراء انتخابات“. ورأى دبلوماسي كبير آخر أنه “لا يوجد سياسي ليبي يريد حقًا إجراء انتخابات“.
***
يحاول هذا التقرير تحديد الدوافع الأساسية وراء فشل الانتخابات الليبية لعام 2021. ويسلط الضوء على ثلاثة أسباب معينة باعتبارها أبرز ما في النتيجة المذكورة:
السبب الأول، يكمن في أخطاء الأمم المتحدة نفسها، والتي بينت أن قيادتها ارتكبت العديد من الأخطاء الملحوظة خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات المقررة.
والسبب الثاني، يكمن في أوجه القصور في المسؤولين الليبيين الحاليين، الذين أثبتت أن أنانيتهم وقصر نظرهم وانتهازيتهم كانت عائقًا كبيرًا أمام التقدم نحو الانتخابات.
،والسبب الثالث، يكمن في التدخل الأجنبي، حيث في حين أظهرت دول معينة مثل ألمانيا، جدية نسبية في دعمها للانتخابات، إلا أن جهودها في النهاية طغت عليها جهود مصر وفرنسا، وكلاهما عملا على تقويض العملية الانتخابية. كما كرست دول أخرى ، مثل تركيا، القليل من نفوذها في ليبيا لقضية انتخابات ديسمبر 2021، وظلت غير مبالية إلى حد كبير، حتى انهار المشروع بالكامل.
تم تقسيم هذا التقرير إلى قسمين:
الأول لتحديد المخاطر من وراء فشل الانتخبات، ويبدأ القسم الأول بتوضيح أهمية الانتخابات في ليبيا قبل الانتقال إلى مراجعة التاريخ الحديث للبلاد. وسيغطي هذا العرض الاسترجاعي التطورات السياسية والعسكرية المهمة بين عامي 2011 و 2021.
ثم يتحول القسم الثاني إلى التحليل، حيث نقوم بتشريح الأسباب الثلاثة المذكورة أعلاه ونوضح كيف ساهم كل منها في خيبات الأمل في عام 2021.
ثم تلخص إلى الخاتمة ونظهر النتائج التي توصلنا إليها ونقدم رسمًا تخطيطيًا للطريق المستقبلي لليبيا.
ونبين أنه تم جمع البيانات التي تستند إليها الادعاءات في هذا التقرير من عدد من المصادر. وقد استشار المؤلف المصادر الأكاديمية وكذلك وسائل الإعلام المحلية والدولية. كما أجرى ما يقرب من عشرين مقابلة شبه منظمة بين مارس 2021 وسبتمبر 2022 مع مديري الجهات ذات الصلة والأفراد الذين يمتلكون بشكل مباشر المعرفة بجهود وساطة الأمم المتحدة.
شملت المقابلات دبلوماسيون ووسطاء ومخططون وعدد من الفاعلين والمراقبين السياسيين الليبيين. ومن أجل جمع الشهادات الأكثر صراحة، تم التحفظ على سرية هوية من أجريت معهم المقابلات في كل حالة تقريبًا.
…
يتبع
***
جليل حرشاوي ـ باحث سياسي متخصص في شمال إفريقيا، مع التركيز بشكل خاص على ليبيا. عمل في نفس الموضوعات سابقًا مع المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وهي منظمة غير حكومية مقرها جنيف.ركزت أبحاثه على ليبيا المشهد الأمني والاقتصاد السياسي. وهو معلق متكرر على ليبيا والجزائر في الصحافة الدولية، وقد نشر في مجلة فورين أفيرز، ولوفير، وبوليتيك إيترانجير، وفورين بولسي، ومسح الأسلحة الصغيرة. يحمل جليل درجة الماجستير في الجغرافيا السياسية من جامعة باريس 8.
____________
