شهد شهر مايو 2022 الكثير من الأحداث على الساحة السياسية الليبية. يناقش التقرير المحاولة الفاشلة لاقتحام العاصمة الليبية، طرابلس، من قبل فتحي باشاغا رئيس الحكومة المعين من قبل مجلس نواب طبرق، لكن حكومة الوحدة الوطنية الحاكمة لطرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تصدت للهجوم ما ساهم في انتهاء القتال سريعا. لتستمر بذلك حالة الخلاف وتنازع الشرعية، السائدة على الساحة الليبية منذ مطلع العام.

لا تكاد الساحة الليبية تمر بفترة هدوء نسبي، إلا ويأتي حدث يعيد إشعال فتيل الأزمة من جديد. فمنذ أن تأجلت الانتخابات التي كان يزمع إجراؤها أواخر عام 2021، عاد التوتر من جديد، وعاد الحديث حول احتمالية التصعيد العسكري.

وكانت ليبيا قد مرت بفترة استقرار لم تخلُ بطبيعة الحال من معوقات، منذ استلام حكومة الوحدة الوطنية مهامها، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، خلفا لحكومة الوفاق الوطني بقيادة، فايز السراج

وكانت المهمة الأساسية لحكومة الوحدة هي الوصول بالبلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، تسلم على أساسها السلطة لحكومة منتخبة بشكل مباشر من الشعب.

وعلى هذا كان تعويل الشعب الليبي في مسألة إنهاء الانقسام بين الشرق والغرب. لكن ذلك الأمل لم يدم طويلا بعد العراقيل المتعددة التي ظهرت خلال العام الذي ترأس فيه الدبيبة الحكم قبل الوصول لموعد إجراء الانتخابات

وبدا أن توقف السعي خلف الحل العسكري الذي كان ينشده الجنرال المتقاعد المسيطر على الشرق الليبي، خليفة حفترلم يحل الأزمة من جذورها.

وظهر جليا أن حفتر وإن أوقف حملته العسكرية على طرابلس بعد الدعم التركي الذي تلقته الحكومة الشرعيةإلا أنه لم يتخل عن هدفه في دخول العاصمة

فقد استخدم حفتر مجلس نواب طبرق –برئاسة عقيلة صالحلعرقلة الانتخابات، وتفصيل قانون له يسمح له بالترشح، بالرغم من كونه مزدوج الجنسية، حيث يحمل الجنسية الأميركية بجانب الليبية

كما شن حفتر خلال هذه الفترة عمليات عسكرية في الجنوب الليبي، تحت دعوى محاربة الإرهاب، متجاوزا بذلك الصلاحيات الدستورية لحكومة الدبيبة.

وكانت نتيجة هذه المحاولات أن أعلن رئيس مجلس المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا، عماد السايح، أن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكلت قوة قاهرةمنعت إجراء الانتخابات في موعدها

وبدلا من أن تسعى الأطراف الليبية إلى عقد الانتخابات في أقرب موعد لتنهي بذلك الفترة الانتقالية التي طالت لسنوات، اتجه معسكر حفتر وجزء من المعسكر المناوئ لإزاحة حكومة الدبيبة من المشهد السياسي الليبي، ذلك أن الأخير هو أحد المرشحين على منصب الرئيس، وقد كسب شعبية واسعة بعد توليه رئاسة الحكومة، وبات يشكل خطرًا على باقي المنافسين.

لكن ليبيا ككل هي أكبر متضرر من استمرار حالة التشرذم والتنازع على الشرعية، جراء السعي خلف المصالح الضيقة. ففي 16 مايو، حاولت قوات تابعة لرئيس الحكومة المكلف من قِبل مجلس نواب طبرق، فتحي باشاغا، السيطرة على مقار الحكم في العاصمة طرابلس، مما أسفر عن اشتباكات مع مجموعات مسلحة تابعة للدبيبة.

وتوقفت الاشتباكات التي استمرت ساعاتبعد تدخل قوات تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي، التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، وتوفيرها ممرًا آمنًا لباشاغا للخروج من طرابلس

وقد أمر رئيس حكومة الوحدة كلا من النائب العام الصديق الصور، والمدعي العام العسكري اللواء مسعود ارحومة، بفتح تحقيق في أحداث طرابلس، كما أصدر الدبيبة قرارًا بإعفاء، اللواء أسامة جويلي، من مهامه كرئيس للاستخبارات العسكرية.

روايتان متضاربتان

وفي البلاد حاليا شخصان يتنازعان على الشرعية، ولذلك فقد وجدت روايتان عن أحداث ذلك اليوم. فمن جانبه، رأى الدبيبة أن مشروع التمديد والانقلاب انتحر سياسيا، وصدرت اليوم شهادة وفاته رسميا“.

وأجرى رئيس حكومة الوحدة جولة في العاصمة بعد انتهاء المواجهات، وذكر بيان صادر عن ديوانه أنه أمر بتشكيل لجنة لحصر الأضرار الناجمة عن الاشتباكات لبدء إجراءات تعويض المتضررين.

وظهر الدبيبةفي كلمة متلفزة، قائلا إنه وافق على فتح ممر آمن للمجموعة المنقلبة التي اقتحمت طرابلس، حقنا للدماء، مضيفا أن المواطنين يخشون عودة حالة الرعب بعدما تسلل المسلحون إلى العاصمة، ومؤكدا أن الانتخابات هي الحل، وأنه لا مستقبل لليبيا إلا بإجرائها، متهما المجموعة المنقلبةبأنها لا تريد العيش إلا في الحرب والفتنة.

كما أعلنت وزارة الدفاع في حكومة الوحدة والتي يرى وزيرها الدبيبة نفسه نظرًا لعدم تمكن الأطراف المختلفة من الاتفاق على اسم الوزير حين تشكيل الحكومةأنها تصدّت لما قالت إنها مجموعة مسلحة خارجة عن القانون حاولت التسلل إلى داخل العاصمة لإثارة الفوضى باستخدام السلاح خدمة لأجندة حزبية“. 

وأضافت الوزارة أن إجراءات أجهزتها العسكرية والأمنية أرغمت المجموعة المسلحة على الفرار من العاصمة، وأكدت أنها ستطارد كل المتورطين في ما وصفته بالعمل الجبان، مهما كانت صفاتهم.

وفي المقابل، رأى باشاغا” –الذي كان وزير داخلية حكومة الوفاق إبان عدوان حفتر على العاصمةأنه لم يلجأ إلى القوة أو السب أو التخوين، ولم يلجأ إلى السلاح حقنا لدماء الليبيين“. 

وبعد ساعات من مغادرته طرابلس ووصوله إلى مدينة سرت –التي تسيطر عليها قوات حفترأعلن باشاغا أن حكومته ستتخذ من المدينة مقرا للحكم، ريثما تتسنى الظروف المناسبة التي تمكنها من الانتقال للعاصمة.

وأمام عمق الخلاف بين هذين المعسكرين، يبرز شبح الحرب من جديد، لكن يبدو أنه إن حدث سيكون مختلفا عما سبق. ذلك أن حفتر هذه المرة قد استقوى بأحد رجال الغرب الأقوياء وهو باشاغا، الذي وقف أمامه في السابق ليمنع قواته من اقتحام طرابلس، الأمر الذي يعني أن معسكر الشرعية نفسه قد تصدع.

النفط في صالح مَن؟

في أثناء ذلك، يحاول كل طرف تثبيت سلطته باستخدام الأدوات التي يمتلكها. وفي هذا، اجتمع مجلس نواب طبرق ليقر عمل حكومة باشاغا من خارج مقر الحكم الرسمي، طرابلس

وقال عقيلة صالح إن للحكومة أن تعمل في أي مدينة ليبية، ما دام قد توافرت لها الظروف المواتية لأداء مهامها، وطالبها بضرورة الاهتمام بمدينة سرت، وإعادة إعمارها وكافة المدن الليبية.

علاوة على ذلك، فإنه من المتوقع أن يصدق مجلس نواب طبرق على الموازنة العامة التي قدمها باشاغا للبرلمان، بوصفها إحدى الخطوات التي قد تمنحه أفضلية على الدبيبة

ولا يوجد فرق واسع بين موازنة الدبيبة وباشاغا. ففي حين بلغت موازنة الأخير 94 مليارا و830 مليون دينار ليبي (19.9 مليار دولار)، قلّت موازنة الأول الشيء اليسير عن هذا الرقم، حيث بلغت 93 مليارا و878 مليون دينار ليبي (19.7 مليار دولار).

ورغم هذا التقارب رفض نواب طبرق موازنة الدبيبة، بينما أحال مشروع موازنة باشاغا إلى اللجنة المالية، لإبداء الرأي قبل إقرارها في جلسة عامة. وربما في هذا إشارة أخرى إلى أن المسيطر على معسكر حفتر هي المصالح الضيقة، وليس مصلحة البلاد ككل.

وبالرغم من هذا الانحياز، فإن هناك شكوكا حول أهمية هذه الخطوة على أرض الواقع. فكما هو معلوم، فإن المصدر الرئيس للإيرادات في ليبيا هو النفط، حيث يشكل نحو 95 بالمئة من إيرادات الدولة

وبالتالي، فإن السيطرة على النفط تعني بشكل أو بآخر السيطرة على أهم مورد في الدولة، وبالتالي التحكم في كل جميع مصارف الأموال، بما في ذلك رواتب الموظفين والجنود.

في هذا السياق، تبرز مؤسستان من شأنهما أن تحددا جزءًا ليس باليسير من مآلات الصراع الحالي، وهما مصرف ليبيا المركزي برئاسة الصديق الكبير، والمؤسسة الوطنية للنفط التي يترأسها مصطفى صنع الله

فأحد الرجلين يتحكم في المصدر الرئيسي للأموال وهو النفط، والآخر يتحكم في الأموال التي يدرّها الذهب الأسود على البلاد.

ويبدو حتى الآن أن الرجلين لا يؤيدان باشاغا، وخصوصًا وأنهما هما مَن مكنا حكومة الدبيبة من العمل برغم عدم إقرار الموازنة من مجلس نواب طبرق، طيلة العام 2021. 

إذ تعمل حكومة الدبيبة دون ميزانية، لعدم إقرارها من مجلس النواب في طبرق، منذ توليها السلطة في مارس/آذار 2021، الأمر الذي دعاها للاعتماد على إيرادات النفط وقروض البنك المركزي.

ومع أن رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، مارس وما يزالضغوطا متزايدة لوقف إحالة إيرادات النفط إلى المصرف المركزي بطرابلس؛ فإن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وتمكن الدبيبة من الحصول على الأموال التي تمكنه من تشغيل مؤسسات الدولة.

وفي إشارة تفيد إلى عدم تأييدهما إجراءات باشاغا، تغيب المسؤولان عن الاجتماع الأخير الذي عقده مجلس النواب لمناقشة مشروع ميزانية الأول، رغم توجيه الدعوة لكليهما.

أوراق الضغط التي في جعبة الطرفين

وإجمالًا، يمكن القول إن حكومة الدبيبة تمتلك عدة أوراق قوة، بينما تفتقر إلى أخرى، والحال كذلك في الجهة الأخرى.

فالدبيبة ينطلق في حكمه من العاصمة الرسمية للبلاد، وهي نقطة قوة يعرف المعسكر المناوئ أهميتها. وهذا أحد الأسباب التي دفعت حفتر لشن حرب على العاصمة قبل نحو سنتين، رغم سيطرته حينها على الشرق والجنوب الليبي

كما أن الدبيبة ما زال يُدعى في المحافل الدولية كممثل شرعي للدولة الليبية، ما يعني أن الاعتراف به ما زال موجودًا، وإن كانت الدول المتدخلة في الشأن الليبي تفتح قنوات مع باشاغا في الوقت ذاته.

كما أن لدى الدبيبة قوة عسكرية مكنته من صد قوات باشاغا حين قدمت إلى طرابلس، وهذا أحد أبرز العوامل المهمة، في بيئة متوترة تشهد معارك منذ ما يزيد عن عقد من الزمان. بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه من الدعم المتفاوت من أهم المؤسسات الليبية الأخرى كالمصرف المركزي ومؤسسة النفط

وحين الحديث عن الغرفة الأخرى في البرلمان الليبي، وهي مجلس الدولة برئاسة خالد المشري، فمن المعلوم أن الرجل تربطه علاقة قوية بباشاغا، حيث تصديا معا لهجوم حفتر على العاصمة

لكن في هذه الأزمة التي تقارب فيها باشاغا مع حفتر ليضعف طرفا في معسكر الشرعية، يبدو حتى الآن أن المشري يحاول النأي بنفسه عن تأييد سياسات باشاغا.

ففي تعليقه على الحادث الأخير، بين المشري أن حكومة باشاغا محل نزاع، ودخولها طرابلس بدون توافق محاولة فرض أمر واقع مرفوض“. 

وقال المشري إن الحكومتين لا تريدان الذهاب للانتخابات حتى بعد 5 سنوات، وحكومة الدبيبة لا تستطيع إجراءها، لأن نفوذها مقتصر على طرابلس وبعض المدن، وعلينا التوافق على قاعدة دستورية وحكومة مصغرة هدفها إجراء الانتخابات فقط“.

وفي المقابل، يمتلك باشاغا دعم حفتر، الذي يحظى بقوة عسكرية وتأييد من دول لها دور مهم على الساحة الليبية كروسيا ومصر. كما يدعمه مجلس النواب، الذي يشرعنسلطة الدبيبة، وما يصاحبها من قرارات تحتاج لها، كإقرار الموازنة، وقرار الحرب.

بالإضافة إلى ذلك، ورغم عدم صدور قرار دولي من الأمم المتحدة بالاعتراف بباشاغا كرئيس للحكومة، فإن الغالبية العظمى من الدول المنخرطة في الشأن الليبي تفتح قنوات اتصال معه، بما في ذلك، تركيا التي تعد الداعم الأول لمعسكر الشرعية في ليبيا، والتي ساهم دعمها في 2019 بدحر قوات حفتر من كامل الغرب الليبي.

كما أن المجتمع الدولي بشكل عام ينظر إلى الانقسام الحالي بنظرة مختلفة بعض الشيء عن سابقه. فالصراع السابق، كان بين حكومة شرعية معترف بها دوليا، مقابل عسكري منقلب على السلطة

بينما الخلاف الحالي رأس الحربة فيه أحد أهم الشخصيات التي ساهمت في دحر قوات حفتر في الأساس، وهو يتمتع بشعبية داخل معسكر الشرعية ذاته.

وربما هذا ما جعل المستشارة الأممية بشأن ليبيا، ستيفاني وليامز، تتجاهل المعضلات الأساسية، وتطرح مبادرة تنص على البدء الفوري بإجراء مشاورات بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة لوضع أساس دستوري ينقل البلاد إلى الانتخابات في أقرب وقت، دون أن تتناول الحشد العسكري من الطرفين في الفترة الأخيرة.

وعلى هذا، يبدو أن الانقسام الحالي سيستمر فترة ليست بالقصيرة، ذلك أنه أكثر تعقيدًا من سابقه، وأكثر خطورة كذلك. ففي الوقت الذي يؤجل فيه الدبيبة الانتخابات من يونيو/حزيران إلى نهاية العام، يهدد عقيلة صالح، في الوقت ذاته، باستخدام القوة لإزاحة الدبيبة

وقال صالحأخيرا، إن الحقيقة الثابتة منذ زمن، والتي تكررت بعد تكليف باشاغا هي أن العاصمة طرابلس ترزح تحت سيطرة مجموعات مسلحة، مهددا أنه لا يمكن دخولها إلا عبر القتال، أو بموافقة هذه المجموعات لتكون تحت سيطرتهم“.

_____________________

مواد ذات علاقة