بقلم مختار غميض
عبّد جهاد الليبيين الطريق نحو الاستقلال، إذ سجّل الليبيون بطولات خالدة في تصديهم للاستعمار، واستطاع المجاهدون من أبناء البلاد، إنزال ضربات موجعة بعدوهم، واستطاعوا أن يلفتوا أنظار العالم إلى قضيتهم.
الجزء الأول
كل ذلك في إطار جهاد رباني مقدس دون توظيف سياسي أو مكاسب دنيوية مدنسة، فلم تنطفئ جذوة الجهاد حتى نالوا استقلالهم في نهايات الحرب العالمية الثانية، ثم أسست السنوسية الدولة الحديثة وعرف عاهلها بالورع والجهاد كمرجعيّة في مواجهة الانحراف والتطرف تحت شعارها “الجهاد الدائم في سبيل الله ضدَّ المستعمرين الصليبيِّين وغيرهم“.
ثم بانقلاب القذافي الذي استغل مفهوم الجهاد في نزاعات شخصية بعيدة عن تطوير الدولة الوطنية الحديثة، مما عجل بثورة شعبية على نظامه الجماهيري منتفعة بالإرث التاريخي لليبيين في مقاومة الاستعمار الطلياني وتوظيفه من أجل التحرر من الاستبداد.
لكن مع نجاح أول ثمرات الثورة، انقلب حفتر على أول برلمان منتخب، موظفا الحرب على الإرهاب والجهاد ضد الإرهابيين، لإقصاء كل نفس سياسي معارض في سبيل الإجهاز على الانتقال الديمقراطي وتنصيب نفسه قائدا عسكريا.
مقدمة:
اصطبغ مفهوم الجهاد في تاريخ ليبيا المعاصر بتعبيرات متعددة، ومتشابهة، حتى أن مصطلح الجهاد والمجاهدين غلب على مصطلح الثوار أو المقاتلين، فكانت صفحته الأنصع منذ بدايات القرن العشرين رغم الحاجة والخصاصة إلى الآن، رغم توظيف الدين من الفاعلين السياسيين من حرب التحرير الأولى ضد الاستعمار إلى حرب التحرير الثانية ضد نظام القذافي إلى حرب حفتر الانقلابية. وارتبط مفهوم الجهاد بمفهوم الغزو والعلاقة السببية المباشرة بينهما، فطالما كان الاستعمار الإيطالي اجتياحا عسكريا مباشرا ظهر الجهاد مباشرة .
أولا: جهاد الليبيين ضد الطليان
تعج صفحات التاريخ الليبي ببطولات المجاهدين في معارك الجهاد والاستشهاد التي خاضها الأجداد بدمائهم في سبيل الله لتحرير أرضهم من دنس المستعمر. وكان المعجم الديني المقدّس وقتئذ غير قابل للتوظيف ولا للتحريف، ولا للبيع أو الشراء أو زيغ الأهواء.
بل كانت حينها العمليات الجهادية عفوية لا جدال فيها ولا استفتاء، انطلاقا من واجب دفع العدو والصائل الغازي، الذي لا يناصره وقتها إلا صاحب الحق ولا يعارضه إلا خائن عميل أو مخبر.
ومع امتداد مطامع إيطاليا نحو ليبيا أواخر سنة 1911، بعد احتلال جارتها فرنسا لتونس والمغرب والجزائر، فمن الطبيعي أن يبدأ عامل الجهاد يعتمل في نفوس الليبيين مبكرا دون الحاجة إلى ولي أمر يدعو إليه، مع انكشاف نية إيطاليا المبيتة بإرسال بعثة إلى طرابلس في 1910 بحجة التنقيب عن الآثار، بينما لم تكن سوى عمليات تمهّد للغزو.
وقد تفطن الليبيون إلى الأغراض الحقيقية للبعثة، رغم عنصر المفاجاة وعدم جهوزية البلاد للمقاومة والجهاد؛ من حيث نقص التسلح والعتاد.
كما لم تكن الأوضاع العسكرية والسياسية في ليبيا بالقدر الذي يمكنها من التصدي للإيطاليين أو جهادهم، في وقت أدت فيه الحالة الاقتصادية السيئة التي تمر بها ليبيا إلى هجرة كثير من أصحاب الكفاءات، لكن ذلك لم يمنع من تعبئة القوى الوطنية لمقاومة الاستعمار القادم.
فكان ذلك إذنا، ببداية معارك الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي ومن أكبر المعارك في تاريخ الجهاد الليبي سطر فيها الليبيون أفضل الانتصارات ضد الغزو الذي حمل كذلك في طياته بعدا “صليبيا” واضحا.
نعم ارتبط غزوهم لأكثر من ثلاثين سنة ومنذ توجه أساطيلهم نحو ليبيا، بمسحة دينية مقدسة، بمباركة من القساوسة الطليان، فضربوا النواقيس وأدّوا الطقوس، ووزعت في صلواتهم الصلبان على جنود الحملة.
كما بالغوا عند كل مناسبة في الاحتفال بكل نصر في كنائسهم، ثم تجاوزوا ذلك لإقامتها في طرابلس ذاتها، شاكرين الرب على إحلال الصليب المقدس بدل الهلال؛ مما زاد استفزاز المجاهدين.
وإضافة إلى طابع القداسة لحربها، برّرت إيطاليا غزوها بأكاذيب عدّة، أبرزها تراخي الإمبراطورية العثمانية..، فاحتلت ليبيا احتلالا عسكريا مباشرا بحجّة الحفاظ على مصالحها ومصالح ليبيا لتستعيد ريادتها، بل طالبت العثمانيين بمساعدتها على احتلال “الشاطئ الرابع لروما“، في ظرف لا يتجاوز أربع وعشرين ساعة! و مما زاد في هذا الاستفزاز استهانة الإيطاليين بـ “الرجل المريض” وخاصة تركته، مما استفز الشعب الليبي لإشعال جذوة جهاده.
ولم تكد تمضي المهلة الزمنية حتى اندلعت معارك الجهاد مع العدوان الإيطالي على طرابس في سبتمبر 1911 وبمجرد سقوطها بدأت أكبر المعارك بين المجاهدين والطليان على تخوم طرابلس.
وكان شهر أكتوبر 1911، إعلانا إيطاليا لبسط سيادتها على طرابلس رغم شدة جهاد الطرابلسيين، ثم هاجم الإيطاليون برقة، واستطاعوا احتلال طبرق ودرنة وتوجهوا إلى بنغازي والخمس، فتكون حزام من المجاهدين من الليبيين والأتراك بحماسة شديدة، بالإضافة إلى عدد كبير من الشخصيات العربية.
واتسمت تلك المرحلة من الجهاد الليبي بالهجمات الخاطفة، التي أصابت تمركزت العدو في كافة المناطق المتفرقة، رغم تصدى الإيطاليين لهم بوحشية فاقت كل توقع.
ومن باب الإنصاف في القول إن جدار الصد الايطالي خلخل محاور المجاهدين؛ بفعل نوعية السلاح وحداثته، وطبيعة الجيش النظامي محكم التنظيم، ناهيك عن تحالفات روما مع كبرى الإمبراطوريات الاستعمارية.
وعلى كل ذلك، لم يكن الغزو الإيطالي فسحة ولا رحلة عادية أمام صبر والروح القتالية للمجاهد الليبي المسلم الحافظ لكتاب الله منذ صغره والذي يدعو فيه لقتال الاستعمار.
وبالعودة إلى تاريخ الجهاد في ليبيا، فقد خلفت تلك المعارك قادة مجاهدون كبارا، وزعامات وخطط في حركة الجهاد ضد الغزو الايطالي، أربكت حسابات الغزاة في عهديها ما قبل الفاشستي وما بعده.
وبذلك يمكن الاسشهاد بملاحم جهادية، كملحمة الشقيقة بترهونة، ومعركة القرضابية بسرت ومعركة بومليانة و المنشية و الهاني كأوّل معارك الجهاد بمدينة طرابلس.
وتشهد كل تلك الوقائع مدى قوة الوازع الديني وعقيدة المجاهد التي غلبت نظيرتها عند العدو، فكانت أقوى سلاح فتاك، حتى أن أعدادا كبيرة من الطليان وقعت في الأسر وجرى استخدامهم عند الأهالي، بل شعر الطليان بالفرح عند مبادلة أسراهم، وحولوا هزائمهم نصرا، حسب شهادات المقاومين المنقولة.
فتوحد المجاهدون من العرب والأتراك على كلمة رجل واحد، وكان الفلاّقة التونسيون (المقاومة المسلحة) يتعاونون معهم للتصدي للإيطاليين وكسب الخبرات ونقل السلاح.
كما وحد عامل الجهاد الخلافات بين الفقيه المجاهد أحمد الشريف السنوسي (حفيد محمد بن علي السنوسي مؤسس الحركة السنوسية) الذي يستقرّ في واحة الكفرة، والعثمانيين.
إذ تولىّ قيادة الحركة السنوسية بعد عمه، محمد المهدي (والد الملك إدريس السنوسي). وكانت زعماته بداية لتوحيد الصفوف، وتجميع الناس تحت راية واحدة هي الجهاد بالمعنى المعهود في الإسلام دون خروج عن التكليف الرباني أو أي توظيف، ولا لرياء أو شخصنة للمجاهد أو مجاهد من أجله.
ويُروى أن المجاهدين كانوا يربطون أرجلهم حتى لا يفرون من ساحات النزال وهم يرددون “مرحبا بالجنة“.
كما فرض زعيم السنوسية، في ندائه إلى القبائل ومشايخ الزوايا المتناثرة، الجهاد على كل عربي مسلم ما بين سن الأربع عشرة والخمس والستين للخروج لإعلاء كلمة الله.
وتؤكد الروايات أن السنوسي خرج قبلهم لمنازلة جحافل الاستعماريين، مسنودا بكبار الطريقة السنوسية، بل وأشهد العرب أن السنوسيين سيقاتلون تحت لواء الدولة العثمانية، حتى لا يخرج عن وحدة الصف وإثارة الفتنة والتقسيم في البلاد، أو يخرج من أهداف الجهاد كما أرادها الله، وبالتالي تبرئة ذمته من أي حيف أو استغلال لمقاصد الجهاد في الشريعة.
وكنتاج لذلك الفهم ومراميه، تدعّم المجهود الجهادي أكثر، وصار المجاهدون الليبيون أكثر تأطيرا وإقبالا على المقاومة وبذل الروح في سبيل الله دون غيره من زعامات أو زوايا داخل ليبيا أو خارجها، مما عزز عزائم المترددين والمثبطين، فأقبلوا أفرادا وزرافات تجمعهم روح التطوع بدمائهم دون عائلاتهم وأرزاقهم إلا لمعاضدة جهاد الشعب الليبي.
وبذلك أشعّت صحراء برقة بنور الجهاد الربّاني، وأصبحت مقرا للسنوسية، ومرجعية لاستفار الزوايا للقبائل التابعة لها، وتحشيد العثمانيين ضد الإيطاليين للإقبال تحت دعوة الجهاد على مواجهة توسع الإيطاليين في ولاية طرابلس.
وقد انفتحت الحركة السنوسية على الصوفية لكن لم تكن نمطية مثلها، بل مجددة منفتحة على الحياة السياسية، دون تجيير مفهوم الجهاد في سبيل الله لصالحها، بل دعت الجميع للجهاد ورفضت جور الحكام مهما كانوا، وهي مبادئ انتهجتها المدرسة السنوسية مما لقي أكبر الأثر في تدفق جموع المجاهدين والمتطوعين على المعسكرات العثمانية لتعزيز قوات العثمانيين والمجاهدين العرب.
كما تدعم الجهاد خارجيا، حيث أعلنت تركيا تأييدها لليبيين بقيادة أحمد السنوسي، ومناصرتهم في حربهم ضد عدوهم المشترك خاصة مع معاداة العثمانيين لإيطاليا مع بداية الحرب العالمية الأولى.
وبهذه المساندة الكبيرة التي حظي بها جهاد الليبيين، أحس الإيطاليون بخطورة ذلك على واقعهم الجديد ومستقبلهم، فسارع المحتل إلى بث الفرقة، وأصدر القائد العسكري كارلو كانيفا بيانا وقعه بلغة الليبيين أوضح فيه أن غايتهم هي تحريرهم من العثمانيين، ورعاية مصالحهم.
كما كان البيان غاية في تذلله للشعب الليبي باسم الدين، واحترام الشرائع والتقاليد السماوية، لكن في ظل السيادة الإيطالية، لكن الليبيين تفطنوا إلى خداع الاستعمار ومزاعمه في سحب البساط من تحت المجاهدين لما شعر بخطورة رفع راية الجهاد ضده، وكان المجاهد عمر المختار أحد رموز الجهاد، الذين حاربوا تحت قيادة الفقيه المجاهد أحمد الشريف ثم عقبه محمد إدريس السنوسي.
وفي أسوإ حالات الجهاد وضعف نتائجه، اعترفت إيطاليا بحكم السنوسي في 1920حاكما مدنيا، لا عسكريا، على برقة.
وفي طرابلس كذلك، وعقب الحرب العالمية الأولى حيث خرجت إيطاليا مستنزفة، اعترفت إيطاليا بقيام الجمهورية الطرابلسية، تحت سيادة الملك الإيطالي، إضافة إلى تشكيل مجلس نواب محلي، ومجلس آخر حكومي يشتركان في الحكم، في تجربة قريبة جدا من ديمقراطيات اليوم.
وكانت هذه التجربة وراء ظهور زعامات مجاهدة مثل أحمد المريّض، وسليمان الباروني ورمضان السويحلي، بينما تم توقيع اتفاق إعلان الجمهورية في جامع مدينة مسلاتة وفي ذلك بُعد آخر للجهاد الليبي المقدس.
فكانت الجمهورية الطرابلسية أوّل جمهورية في العالم الإسلامي والعربي، رغم أنها لم تعمّر طويلا، لكن ذلك لم ينه جهاد الليبيين.
وظل مصطلح الجهاد لآخر كلمات قالها الشهيد عمر المختار وهو في عمر ثمانين عاما ملؤها الجهاد والتضحية، قبل شنقه، وهو يردد: “نقاتل من أجل ديننا وحريتنا“.
ونحسب أن جهاد أولائك رغم كونهم كانوا عزلا فقراء لكن تشبعهم بقيم الصبر والجهاد الصادق، أمدّهم الله بجنود من عنده فنصرهم، حتى تم خروج آخر جندي إيطالي من ليبيا في 25 جانفي 1943.
***
مختار غميض ـ صحفي تونسي
_____________
