بقلم علي عبداللطيف اللافي

تضاربت الآراء حول مخرجات مؤتمر “باليرمو” ومدى نجاحه في تفكيك ألغام الأزمة الليبية المتفاقمة منذ 2014، ومع ذلك يبقى السؤال الأهم هو:

لماذا غير الايطاليون في الأخير استراتيجيتهم المرسومة للمؤتمر الدولي؟

وهل يمكن الحديث عن مرونة حذرة في إدارة الأشغال؟

وما هي النجاحات المحققة وما هي الإخفاقات التي لم يستطع كونتي وفريقه الحكومي والاستشاري تجنبها نتاج خلافات داخلية ونتاج التجاذب بين المحاور الاقليمية إضافة الى تضارب المصالح الدولية وتواصل ترتبات صراعهم كإيطاليين مع الفرنسيين على الملف الليبي؟

تطور استعادة الايطاليين للمبادرة في إدارة الملف الليبي

لم يرتح الايطاليون الى الافتكاك الذكي للفرنسيين للملف الليبي منهم منذ منتصف 2017 وصولا إلى مؤتمر باريس في 29 أيار/مايو الماضي فسارعوا الى تبني خطاب أن الملف وادارته حق تاريخي وسياسي لهم.

فسارع أهم الوزراء على غرار الدفاع والخارجية والسفير في طرابلس، الى القيام بلقاءات متعددة ومؤثرة وتعددت الزيارات المكوكية حتى أصبح الملف بأيديهم تفاوضيا فدخلوا مع المصريين في مفاوضات مستمرة دامت لمدة أسابيع رغم النقاط التي بقيت عالقة حتى مؤتمر “باليرمو”.

ومن خلال استقراء الفعل السياسي للإيطاليين خلال الأشهر الماضية يتبين أنهم يتبنون منطق إدامة امتلاك الملف على غرار إصرارهم على رفض مخرجات اتفاق باريس التقنية بالذات من حيث تأجيل الانتخابات حتى إقرار دستور واجراء مصالحة فعلية تؤشر على ذلك، وكل ذلك تم بمباركة الأمريكيين وأغلب الدول الأوروبية ورضى متنام من طرف بعض دول الخليج ودول عربية وافريقية.

عوامل تغيير الايطاليين لترتيبات وأجندات المؤتمر الدولي

لا شك أنه قد حدث ارتباك كبير لدى الايطاليين حيث تغيرت رؤيتهم وترتيباتهم وأجنداتهم للمؤتمر الدولي ووجدوا أنفسهم في مازق نتاج عوامل عدة من بينها:

أ‌خلافاتهم الداخلية: وهي خلافات تتركز أساسا بين حزبي الائتلاف الحاكم في ايطاليا وخاصة تضارب رؤية الحزبين في عدد من الملفات وفي العلاقات الخارجية على غرار تفاصيل وجزئيات العلاقة مع الفرنسيين.

ب‌مواقف المحور المصري/الإماراتي/السعودي: وهي مواقف جد مُربكة قبل واثناء أشغال “باليرمو” وغلب عليها المناورة والمراوغة والمراوحة في إرسال تهديدات ضمنية بعدم الحضور أو منطق الارباك المباشر للمؤتمر الدولي وافراغه من محتواه التوافقي بين كل الأطراف وقد تم توظيف حفتر بشكل درامي قبل واثناء الاشغال.

ونقل بعض الحاضرين بشكل حصري أنه عند مغادرة الوفد التركي قام ممثلو بلدين صحبة بعض أعضاء وقد أوروبي بحركات بالأيادي تعبر عن النصر، إضافة الى ما أتته الماكينات الإعلامية الامارتية والمصرية وبعض أجنحة الاعلام السعودي على غرار نشر ان كونتي انتقل قبل يوم واحد من المؤتمر الى الرجمة للتوسل وإقناع حفتر بالحضور، وهو طبعا أمر خال من الصحة ونفته السلطات الإيطالية بشدة.

ت‌تكتيكات حفتر: عمليا مارس اللواء المتقاعد عددا من تكتيكاته المعتادة والمستنسخة على غرار التصريح أنه لن يحضر أشغال المؤتمر خاصة وأن البعض (عبر الصفحات الاجتماعية) قد نقل عن مقربين أن حفتر قد غادر روما بعد أربع ساعات فقط من وصوله في أحد الأيام الأولى من الشهر الحالي نتاج طبيعة النقاشات ونتاج تحذيرات سياسية وصلت إليه في عدد من مواضيع المؤتمر.

ومعلوم أنه زار روسيا يومي7و8 نوفمبر/تشرين الثاني، ثم لوح بعدم الحضور ثم تحركت الماكينات الإعلامية الخاصة بحلفائه الإقليميين لخدمته وتضخيم مواقفه وموقعه، وفي الأخير حضر عشية اليوم الأول وعمد الى التصريح أنه لا علاقة له بالمؤتمر، ثم ليحضر الجلسة الرسمية ومع الوفود الدولية، ليغادر صحبة السيسي في اليوم الثاني اثناء جلسة نقاشات توحيد المؤسسة العسكرية مُصرا على انه لابد أن يجمع بين صفتي “القائد العام” و”القائد الأعلى” قبل الانتخابات.

كما صرح المسماري أنهم لا يعترفون في الكرامة بصفة القائد الأعلى، وهي “بهلونيات/تكتيكات” أربكت الايطاليين ولكنهم تعاملوا معها بحذر وذكاء نادر، وعمليا لم يهتم الإيطاليون بزيارة حفتر لموسكو مع أنهم علموا بخفاياها وانتبهوا لمتابعة غرضيتها اللاحقة.

ث‌استراتيجيا الفرنسيين الصامتة: مما لا ريب فيه أن الفرنسيين وان بدوا هادئين ظاهريا لافتكاك الايطاليين للملف بعد مؤتمر باريس بعد امتلاكهم له منذ ربيع 2017، فإنهم اعتمدوا سياسات خفية وصامتة في انتظار التطورات والمتغيرات وعمدوا الى توخي ديبلوماسية احتوائية وخاصة أثناء وبعد مؤتمر “باليرمو”.

وطبعا تم تنزيل ذلك عن طريق حلفائهم الموضوعيين أي قيادات الكرامة ومن ورائهم المصريين والاماراتيين وقوى أخرى غير ظاهرة في الصورة، بل انهم لم يبقوا مكتوفي الأيدي، وتطور فعلهم تكتيكيا عبر عدد من اللقاءات مع الفاعلين الليبيين على غرار استقبال ماكرون للطاهر السني (مستشار السراج السياسي) بداية الشهر الحالي.

وأيضا تلاحقت تكتيكات الفرنسيين من خلال استقبال وفد عن نواب مصراتة قبل أسبوع فقط من المؤتمر إضافة الى احداث وتطورات في الداخل الليبي قريبة من فاعلين قريبين من الفرنسيين، ولاشك ان رسائل الايطاليين المعبرة عن مكانة للفرنسيين والتوافق معهم لم تطمئنهم.

باليرمو بين المرونة والحذر والنجاحات النسبية

رغم الارتباك فان الايطاليين بدوا متزنين حيث لم يفقدوا البوصلة، ومارسوا ديبلوماسية حذرة تجاه جميع الأطراف وبدلا من الإصرار أن يكون المؤتمر ناجحا بشكل كامل أو ينفجر، اتبعوا سياسة تحقيق وضمان الحد الأدنى عبر اختيار أن يكون المؤتمر مؤديا للمؤتمر الجامع ثم لاحقا تبنى على قراراته عملية انجاز الاستحقاقات الانتخابية في ربيع 2019، وإضافة الى كل ذلك نجح الايطاليون في:

أ‌بعث رسائل انهم طرف دولي مهم وشريك مقتدر ورئيسي وخاصة مستقبلي في القضايا الاقليمية وخاصة تلك التي تهم القارة الافريقية حيث امتلكوا الملف الليبي بل وأداروه بحكمة واتزان وشراكة رغم أن النجاح يعتبر نسبيا من حيث النتائج المباشرة…

ب‌دعموا البعثة الأممية وفكرة اشراك الليبيين في الترتيبات للمؤتمر وفي مخرجاته، ولعل كلمة سلامة كانت دالة عندما قال “ان المؤتمر كان وسيكون جسرا للحل نحو المؤتمر الوطني الجامع”، وبذلك أفلح الايطاليون في إعطاء فكرة إعادة اشراك الليبيين في الحل أبعادها الرمزية والدلالية من خلال أن كان المؤتمر رافعة وحل أولي للتوجهات الكبرى للخارطة الأممية المستقبلية عبر تحيد موعد انتخابي بعد مرحلة مقبولة (نوفمبر – يونيو أو سبتمبر) عمليا وأطول من المدة التي منحها لقاء باريس ( يونيو – ديسمبر).

كما أقر مؤتمر باليرمو ونص على أسس دستورية متعارف عليها لإجراء الاستحقاقات الانتخابية بينما كان اجراء الانتخابات في 10 ديسمبر 2018 سيكون واردا على أسس غير دستورية.

ت‌أحبطوا سياسات ارباك المؤتمر وافراغه من محتواه فوضعوا اللواء المتقاعد خليفة حفتر في صورة “المُربك” لتقدم حل الملف الليبي والباحث عن حكم ليبيا عبر أسس غير دستورية، وأثبتوا للعالم أن بعض الأطراف الإقليمية هي أمثلة للتهور والارباك، وأنها تلعب أدوار خفية تخريبية بل وتعمل على هوامش عدة في القضايا الإقليمية عبر لوبيات وقوى عالمية عبر تنزيل سياسات تعتمد المادي واللوجستي وخيارات الارباك والاحتواء والتأثير في السياسات الدولية في معالجة الازمات الاقليمية.

ث‌أثبت الايطاليون ترهات وأكاذيب الحديث عن محور “قطريتركي – إيطالي – الغرب الليبي”، التي روجت لها قنوات عربية ووسائل اعلام مصرية وخليجية بالأساس، بل وتبين أنها هي مجرد أسطوانة مشروخة تم ترديدها طيلة السنوات الثلاث الماضية، والغريب أنه بعد مؤتمر “باليرمو” قالت تلك الابواق ان الحلف المذكور سقط وانتهى، وعمليا أكدت دراسات ومتابعات أن مراكز البحوث الأجنبية والفاعلين الرئيسيين التنفيذيين لبعض الأطراف الدولية قد وقفت على سقطات تلك الأبواق ومن يقف وراءها من دول إقليمية واطراف محلية ليبية…

____________

المصدر: صحيفة الرأي

مواد ذات علاقة