بقلم زاهي بشير المغيربي
تهدف هذه الورقة إلى التركيز على أثر أزمات بناء الدولة ومعالجة قضايا المرحلة الانتقالية والعملية الدستورية على التعايش السياسي والسلم المجتمعي في ليبيا.
الجزء الثاني
2- أزمة الشرعية
ليس في وسع أي مجتمع ديمقراطي أن يستمر طويلاً ما لم يكن يتمتع بشكل من أشكال الشرعية. والشرعية مفهوم يصعب تحديده وقياسه، غير أنه يمكن فهمه بصورة أفضل إذا ما جُزئ إلى ثلاثة مكونات: (أبو شهيوة، صفحات 98-99)
ـ الشرعية الجغرافية:
وتعني أن الذين يعيشون ضمن نطاق الدولة يقبلون حدودها الإقليمية أو لا يعارضونها إلا عبر الوسائل الدستورية.
إذا لم يحس الأفراد والجماعات بشرعية الإطار الجغرافي للدولة فسوف تتعرض العمليات السياسية الديمقراطية للتهديد، وفي الحالات المتطرفة قد يأخذ التهديد شكل حركات انفصالية.
وعندما لا تتوفر للجماعات وسائل ديمقراطية لتحقيق الانفصال، فمن غير المحتمل أن يلتزموا بالعمليات الديمقراطية، ويصبح العنف أمراً محتما تقريباً.
وفي ليبيا، ظهرت دعاوى إرهابية متطرفة ترفض فكرة الدولة، بل ترفض عملية التحول الديمقراطي بمجملها. وبسبب عمليات التهميش التي مارسها النظام السابق، واستمرارها بعد ثورة فبراير، ظهرت دعاوى انفصالية.
وفي الحالين، ثمة تشكيك صريح أو مضمر في شرعية الإطار الجغرافي للدولة والهوية الوطنية المشتركة.
ـ الشرعية الدستورية:
وتشير إلى القبول العام للقواعد التي تحدد تنظيم وتوزيع القوة السياسية والتنافس عليها.
ويمثل تأسيس القواعد الدستورية أحد أصعب جوانب عملية الدمقرطة لأن عملية التحول الديمقراطي تفتح المجال لمدى واسع من المصالح المتنوعة والمتعارضة، وكل مجموعة تسعى لمعرفة كيفية تأثير الترتيبات الدستورية الجديدة على مصالحها وضمان حماية هذه المصالح.
وتعكس الأحداث الأخيرة وصراعات الهيأة التأسيسية عمق الخلافات حول طبيعة الترتيبات الدستورية ونوع نظام الحكم المنشود– فيدرالي أم غير فيدرالي، ملكي أم جمهوري، برلماني أم رئاسي– وغيرها من الخلافات التي تكاد تعصف بمكونات العيش المشترك.
ـ الشرعية السياسية:
وتشير إلى المدى الذي يعتبر المواطنون وفقه أن لدى السلطات القائمة الحق في تولي السلطة.
ويمكن إقرار أن الحكومة تتمتع بشرعية سياسية عندما تعكس نتائج الانتخابات التنافسية تفضيلات الناخبين وفقاً للقواعد والترتيبات الدستورية والمؤسسية. “غير أننا لا نعدم وجود من يشكك في أحقية نظام الحكم القائم في المرحلة الانتقالية في تولي السلطة لمجرد أن حزبه أو عشيرته أو ميلشيته لم يرض على توليه إياها.
في زمن الاضطرابات الأمنية لا تكفي تفضيلات الناخبين لتحديد القائمين على إدارة الدولة، وحين تخسر بعض التيارات السياسية عبر صناديق الاقتراع، قد تلجأ إلى صناديق الذخيرة لتذود بها عن مصالحها.
وقد بلغ هذا النوع من التشكيك في الشرعية ذروته حين رفض المؤتمر الوطني العام تسليم السلطة لمجلس النواب المنتخب، بما أفضى إليه ذلك من اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة، وما نتج عنه من وجود مجلسين تشريعيين وحكومتين تنفيذيتين تتنازع السلطة والشرعية.
هذا إلى جانب الصراع حول الحوار والتوافق وحكومة الوفاق الوطني.” (المغيربي والحصادي)
وعلى هذا النحو، يستبين أن مسألة الشرعية، بمختلف تجلياتها، قد تهدد بإجهاض عملية التحول الديمقراطي، بل بدخول البلاد في نفق قد يودي بها إلى الانضمام إلى قائمة الدول الفاشلة، وما لذلك من انعكاسات سلبية على إمكانات العيش المشترك.
3- أزمة التغلغل
يرتبط مفهوم التغلغل بقدرة الدولة على أداء وظائفها الاستخراجية والتنظيمية.
وتنجم أزمة التغلغل عن عجز الدولة ومؤسساتها عن أداء وظائفها وممارسة أدوارها على كامل الامتداد الجغرافي للدولة وعلى كل المستويات وحيال كل الجماعات بصورة تتسم بالفاعلية والكفاءة.
وبالنظر إلى أن المؤسسات الاستخراجية والتنظيمية تشكل أساس إدارة أي دولة حديثة، فإن تدني القدرات الاستخراجية والتنظيمية للدولة يحد من إمكانية التغلغل في المجتمع جغرافيا ووظيفيا، ويقلل من إمكانية سيطرتها وتنفيذ سياساتها العامة وتحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.
ويستبين حتى من النظرة السريعة الخاطفة للأوضاع الحالية في ليبيا تدني قدرات الدولة في مجالي الاستخراج والتنظيم، حيث توجد حكومات عاجزة عن الحكم، وسلطات تعوزها السلطة، ومجالس تشريعية غير قادرة على الحسم.
ورغم الميزانيات الضخمة المخصصة والمصروفة، فشلت المجالس التشريعية والحكومات المتعاقبة في وضع حلول ناجعة لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، ومعالجة مشاكل المركزية، ومواجهة الإرهاب، والتعامل مع انتشار السلاح.
ويمثل بناء الجيش الوطني إشكالية كبيرة تواجه سلطات الدولة.
كما لا يجب الافتراض بأن الميلشيات المدنية المسلحة المنتشرة في جميع أنحاء البلاد ملتزمة بالضرورة ببناء الدولة أو الاقتصاد، لأن العديد من هذه الميلشيات المسلحة غير المنضبطة تعيش على الدولة وليس من أجل الدولة، وهذا أحد أسباب معارضة قادة هذه الميليشيات والنخب السياسية المرتبطة بها لإعادة بناء الجيش الليبي وتفعيل وحداته العسكرية بذريعة أنها من بقايا جيش النظام السابق.
وهذا المزيج من دولة لا تتغلغل وسلطات غير قادرة على بناء مؤسسة عسكرية قوية ومنضبطة يفسر الكثير من أزمات بناء الدولة والتعايش المجتمعي والسياسي التي تواجه الدولة الليبية. وقد كان لكل ذلك تأثير سلبي على ثقة المواطنين في مؤسسات المرحلة الانتقالية وقياداتها السياسية.
4- أزمة التوزيع
يُقصد بالأداء التوزيعي قيام مؤسسات الدولة بتخصيص مختلف أنواع السلع والخدمات والامتيازات والفرص للأفراد والجماعات في المجتمع.
ويمكن قياس الأداء التوزيعي ومقارنته وفقا لحجم ما يتم توزيعه، ووفقا لمجالات الحياة الإنسانية المتأثرة بهذه المنافع، ووفقا للقطاعات السكانية المستفيدة من هذه المنافع، ووفقا للعلاقة بين الاحتياجات الإنسانية والتوزيعات الحكومية التي تهدف إلى الاستجابة لهذه الاحتياجات.
ويعتمد الأداء التوزيعي للدولة على حجم الموارد ومصادر التمويل المتاحة لها. (ألموند، صفحة 289)
وبحسبان أن ليبيا تنتمي إلى صنف الدول الريعية التي تعتمد بشكل أساسي على مورد ريعي وحيد وهو النفط، فسوف يتم التركيز في الجزء المتبقي من هذا القسم على السياسات الاقتصادية الريعية للدولة الليبية خلال العقود الأربعة السابقة لانتفاضة فبراير 2011 والسنوات التي تلتها.
ونظرا لأن النخب الحاكمة في ليبيا، خاصة بعد 1978، كانت هي صانع القرار الوحيد فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والتوزيع والاستثمارات والأنشطة الأخرى، ولم تتركها لقوى السوق، فقد أدت السيطرة على الموارد الاقتصادية الريعية عبر السيطرة على مؤسسات الدولة إلى تعزيز قدرة هذه النخب على تكوين ثروات، وعلى استخدام سيطرتها على الدولة وهيمنتها على النشاط الاقتصادي لتوفير منافع لحلفائها وحرمان خصومها من الفوائد الاقتصادية.
وقد نتج عن ذلك بروز اقتصاد ريعي مسيس حيث كان الكسب الاقتصادي الفردي نتاجا للوصول إلى، والقرب من، السلطة والقوة السياسية، وليس نتيجة لزيادة الإنتاجية والكفاءة والإسهام في مراكمة الثروة الاقتصادية للمجتمع.
ولم تتميز السياسات الريعية بعدم الكفاءة الاقتصادية فحسب، بل قوضت أيضا شرعية الدولة وقللت من قبول عدم المساواة، وشجعت السلوك ضد– الاجتماعي والفساد المالي والإداري والسياسي.
وفي مثل هذا المناخ المسيس جدا، ومع محدودية البدائل غير السياسية لتحسين المكانة والدخل، أصبح الصراع من أجل القوة والسلطة حادا وعنيفا في الغالب، وتمت عرقلة التنمية السياسية والاقتصادية ومأسسة عمليات بناء الدولة.
وقد استمرت النخب الحاكمة بعد فبراير 2011 في اتباع نفس السياسات الريعية للنظام السابق، واستخدمت الموارد النفطية في تشكيل التحالفات وتكوين الميلشيات، وأصبحت في واقع الأمر رهينة لهذه الميلشيات المسلحة، ووصل الفساد بكل أشكاله إلى مستويات غير مسبوقة.
وقد أدى انخفاض أسعار النفط المتواصل منذ 2014 إلى تدني دخول الدولة الليبية بشكل ضخم وأثر بصورة مباشرة على أدائها التوزيعي وخلق أزمة توزيعية حادة أثرت على النشاط الاقتصادي وزادت من معاناة المواطنين.
وأسهم عجز مؤسسات الدولة المنقسمة عن وضع السياسات الاقتصادية اللازمة لمواجهة هذه الأزمة وغيرها من الأزمات في تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ولقد أدى تزايد مستويات الفساد المالي والإداري والسياسي واستمرار النخب الحاكمة في الاستفادة من المزايا الاقتصادية التي يؤمنها المنصب السياسي، دون أي اعتبار للظروف الاقتصادية الصعبة السائدة، إلى ارتفاع مستويات السخط الشعبي والإحساس بعدم شرعية سلطات الدولة.
…
البقية في الجزء الثالث
ـــــــــــــ
المراجع
• أبو شهيوة، مالك (2016)، “تحديات بناء الدولة ما بعد الدكتاتورية ومتطلبات نجاح عملية التحول الديمقراطي ’الحالة الليبية‘“، مجلة عراجين، الإصدار الثاني، العدد التاسع، صفحات 67-107.
• ألموند، جبرائيل (1987)، “تطور دراسات التنمية السياسية“، في محمد زاهي بشير المغيربي (مترجم ومحرر)، التنمية السياسية والسياسة المقارنة: قراءات مختارة، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، 1998، صفحات 29-78.
• ألموند، جبرائيل وآخرون (1996)، السياسة المقارنة: إطار نظري، ترجمة محمد زاهي بشير المغيربي، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس.
• محفوظ، محمد (2014)، “التعايش من منظور مختلف“، جريدة الرياض، النسخة الإلكترونية، العدد 16710، 25 مارس 2014.
• المغيربي، محمد زاهي بشير (1993)، “التحديث وشرعية المؤسسات السياسية: النظام الملكي الليبي، 1951-1969″، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، المجلد 21، العدد الثالث/الرابع، خريف/شتاء 1993، صفحات 37-56.
• المغيربي، محمد زاهي (2002)، “الدولة والمجتمع المدني في ليبيا“، مجلة المؤتمر، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، العددان الثامن والتاسع، سبتمبر وأكتوبر 2002، صفحات 20-27.
• المغيربي، زاهي والحصادي، نجيب (2014)، “التحول الديمقراطي في ليبيا: تحديات ومآلات وفرص“، بحث مقدم لأعمال ندوة حول الانتقال الديمقراطي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس، مارس 2014.
• هنتنجتون، صاموئيل (1971)، “تطور دراسات التغيير: التحديث والتنمية السياسية“، في محمد زاهي بشير المغيربي (مترجم ومحرر)، التنمية السياسية والسياسة المقارنة: قراءات مختارة، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، 1998، صفحات 149-199.
______________
المصدر: أرشيف موقع ليبيا المستقبل